في ذكراها السادسة... ماذا يقول أهالي ضحايا ثورة يناير؟

في ذكراها السادسة... ماذا يقول أهالي ضحايا ثورة يناير؟

حلموا بحياة أفضل فلاحقتهم رصاصات الغدر، ونالت منهم أطماع المستفيدين. كان هدفهم الأكبر وهتافهم الأوحد "عيش... حرية... عدالة اجتماعية". بعد مرور ست سنوات على رحيلهم، هل نال ذووهم الحرية ووجدوا العيش وتحققت لهم العدالة الاجتماعية؟

أول ضحايا الثورة

ولد وحيداً ولم يكمل تعليمه، ليتمكن من العمل وإعالة والدته وشقيقاته الأربع بعد وفاة والده. في عمر الـ21 طلب من والدته أن تخطب له فتاة، ليتزوج، وفي اليوم نفسه، خرج مصطفى رجب إلى حي الأربعين بالسويس مساء 25 يناير، ليسقط برصاص النظام.

لم تقم له جنازة شعبية كبقية ضحايا الثورة الذين تلوه، فوسط تكتم من الأمن وتشديده دفن مصطفى وحيداً، كما ولد. لم يعد أحد يذكر ما خرج مصطفى من أجله، كما فعلت شقيقته التي قالت لرصيف22: "لا أجد ما أقوله عنه".

بينما والدته كوثر عبدالعزيز، المرأة المصرية البسيطة، التي أنهكها الحزن على زوجها ثم على نجلها الوحيد، ترى أن الحديث لا فائدة منه عن ابنها وزملائه. وأن دماءهم ذهبت هدراً. وقالت: "الكلام عن مصطفى وطموحه وما حلم به من تحسن الأحوال في مصر، ونهاية الظلم وغيره، لم تعد له أي فائدة ولا نتيجة، فهو ومن استشهدوا في يناير راحوا وخلاص والثورة انتهت الله يرحمها ولم تعد موجودة، ولا شيء تغير في مصر".

وأضافت: "الشهداء راحوا وعرفوا مصيرهم، الله يرحمهم، لكن الناس في مصر كيف ستعيش في ظل هذا الغلاء الفاحش؟".

مينا دانيال الذي كان يريد أن يعامل كمصري فقط

"محمد، مينا، ليه الثورة جميلة وحلوة وانت معايا؟"، بهذه الكلمات كان يطوف هو وصديقه محمد في ميدان التحرير، يرددان أغنيتهما الخاصة ويتوعدان النظام وفاسديه بالمحاكمة.

المشاهد صورتها قناة مصراوية عندما كان مينا ومحمد يطوفان الميدان ويرددان أغنيتهما.

مينا دانيال ابن القرية البسيطة "صنبو" في محافظة أسيوط، عضو التحالف الشعبي الاشتراكي، شارك في الثورة منذ خروج التظاهرات يوم 25 يناير 2011، وكان في الصفوف الأولى بكل فعالياتها، ونجا من الموت أكثر من مرة. أصيب مرتين يوم 28 يناير برصاصة في كتفه، والأخرى في ركبته، وشبهه المتظاهرون بغيفارا لقوة إيمانه وقتاله من أجل الثورة.

قاد تظاهرات ماسبيرو التي خرج فيها الأقباط من شبرا إلى مبنى الإذاعة والتلفزيون، للتعبير عن رفضهم وغضبهم الشديد جراء هدم إحدى الكنائس في محافظة أسوان، وشاركهم عدد من المتظاهرين المسلمين.

أصيب دانيال برصاصة في صدره في 9 أكتوبر 2011 أودت بحياته، واتهم المتظاهرون قوات الجيش بقتله، لكن القوات المسلحة نفت مسؤوليتها عن ذلك.

تقول شقيقته ماري دانيال: "مينا كان حلمه وطن بلا فقر بلا قهر بلا تمييز، لذلك شارك من بداية الثورة قبل يناير، وكان مع شباب من أجل الحرية والعدالة، وأصيب غير مرة في الوقفات الاحتجاجية التي نظمت قبل 25 يناير".

في أحداث إسكندرية، كان أول من قال لا، حين شكر الأسقف المسؤولين ومبارك في الصلاة على شهداء كنيسة القديسين، وكل الكنيسة رددت خلفه "لا". وكان مسؤولاً عن تنظيم مسيرة الثوار، التي خرجت من ناهيا إلى ميدان التحرير أثناء ثورة 25 يناير.

"نفسي أعيش في وطن يحاسبني كمصري فقط لا غير"، كانت أبرز العبارات التي يرددها. وكان يتحدث مع الناس عن الوطن خارج أسوار الكنيسة وليس داخل الكنيسة، وحاول أن يجعل الناس تطالب بحقها، وأن تكون الكنيسة بالنسبة لهم دار عبادة فقط لا غير.

أقوال جاهزة

شارك غردوالدة جيكا، أحد ضحايا ثورة يناير، ترفض أن تتحدث عن الثورة، ربما لأنها باتت تؤمن أن الحديث عنها بلا جدوى

شارك غردماذا يقول أهالي الشباب الذي راحوا ضحية الثورة ولا تعترف بهم السلطات ولم يحاكم لقتلهم أحد؟

ترى ماري أن الثورة المصرية، ككل الثورات، تمر بمراحل صعبة. كل ما يحدث الآن منحنيات بالثورة، لكن الثورة واضحة جداً، وما زالت مستمرة، ونجاحها واضح، خصوصاً بعدما كسب النشطاء والثوار معركتهم أمام النظام في قضية "الجزيرتين" (تيران وصنافير).

جيكا، "أيقونة" الثورة على تسلط الإخوان

جابر صلاح الشهير بـ"جيكا"، طالب الثانوية العامة، وعضو حركة 6 أبريل وألتراس أهلاوي، الذي قاد بهتافاته المتظاهرين بحماس منذ بداية الثورة، وهتف لنجاح محمد مرسي، وسقوط المرشح أحمد شفيق، لم يكن يعلم أنه سيودع الدنيا برصاصات نظام مرسي، وفي الشارع نفسه الذي شهد احتفاله بهم.

أثناء حكم مرسي أصبح جيكا أحد المعارضين بشدة لسياسات الأخوان وهيمنتهم على كل شيء بالدولة، ودشن صفحة "معاً ضد الأخوان المسلمين" عبر موقع فيسبوك. وتصاعدت الأحداث، حتى قرر المشاركة في إحياء ذكرى محمد محمود الأولى، في 20 نوفمبر 2012، ليترصده ملثمون ويطلقوا عليه العديد من الرصاصات.

شهدت مصر حالة من الغضب الشديد بعد وفاة جيكا، وتحول لأيقونة تحرك مشاعر الجميع ضد الأخوان واستخدامهم المفرط للقوة ضد معارضي رئيس الجمهورية وسياسات الداخلية.

تقول فاطمة والدة جيكا، بحزن: "ابني شاب خلوق ومؤدب وكل الناس تحبه. كان يحلم بالعيش والحرية والكرامة في بلد يحترم الجميع ربما قتلوه من أجل ذلك".

ورفضت أن تتحدث عن الثورة، ربما لأنها باتت تؤمن أن الحديث عنها بلا جدوى أمام أحزانها المتتالية.

أبو ضيف وكاميرته

"نازل أدافع عن الثورة، إذا استشهدت لا أطلب منكم سوى إكمال الثورة"، هكذا ودع الحسيني أبو ضيف على صفحته في موقع فيسبوك، الحياة. كتب هذه العبارة قبل نزوله للمشاركة في أحداث الاتحادية الشهيرة، التي كانت مواجهة بين المتظاهرين وأعضاء جماعة الإخوان.

أصيب أبو ضيف بها بعد ترصدهم له للاستيلاء على كاميرته، وظل في المستشفى 7 أيام، ثم توفي في 12 ديسمبر 2012.

كان أبو ضيف عضواً في حركة "كفاية"، وصحافياً لا تفارقه كاميرته، يكشف بها واقع المظلومين في وطنهم. اشتهر بمعارضته وعدائه لسياسة جماعة الأخوان واستخدامهم للدين للوصول إلى الحكم.

يقول شقيقه سالم أبو ضيف لرصيف22: "الحسيني كان يتطلع للتغيير وكان يعتبر مبارك رمزاً للفساد، وهو من أفسد الحياة السياسية، وحين جاءت الدعوات لتظاهرات 25 يناير 2011، رحب بها كثيراً".

وذكر أبوضيف موقفاً جمعه بشقيقه حول وصول الأخوان للحكم: "كنت أحد المخدوعين في محمد مرسي والأخوان، وكنت أقول لشقيقي لا بد أن نعطيهم فرصة، فقال لي أخشى على الإسلام أن يتكلم الأخوان وجماعة الإخوان باسمه".

ويضيف أبو ضيف: "بالرغم من أن حق الشهداء لم يعد حتى الآن، ووصلنا في مصر لمرحلة أسوأ مما قبل الثورة، إلا أن الأمل ما زال موجوداً. طالما لم يتم تحقيق أي مطلب من مطالب الثورة، فالثورة لم تمت، ولا تزال قائمة".

محمد الجندي، شاب الثورة الميسور

"اشتهر بابتسامته في وجه الجميع وطموحه الكبير. كان يرى مصر في كل بلد يزوره، لم يكن لديه مطالب شخصية سيحققها من الثورة، إذ ينتمي لعائلة ميسورة الحال هو وحيدها"، هكذا بدأت السيدة سامية الشيخ والدة محمد الجندي حديثها لرصيف22.

وأكدت أن ابنها كان يحلم بأن يصبح التعليم في مصر أفضل، والمواصلات أكثر رقياً، والشوارع نظيفة كشوارع الدول الغربية، التي زارها. "أذكر حين قلت له لست بحاجة لشيء يجعلك تنزل الميدان وتنام على الرصيف في الشتاء، قال لي: من يرى إنساناً يأكل من الزبالة ولم يتحرك من أجله لم يعد إنساناً" تقول.

وعلى عكس الكثيرات من أمهات ضحاياً ثورة يناير، اللواتي لم يجدن جدوى من الحديث عن الثورة، تحدثت السيدة سانية بأمل شديد عنها. فقالت: "بالرغم من سوء الحالة الاقتصادية والغلاء الذي قضى على الطبقة المتوسطة، وأصبح الجميع فقراء، إلا أن الليل يأتي من بعده نهار، ولدي أمل كبير بالنهار وبالثورة".

وتقول شقيقة الشهيد الدكتورة سارة الجندي: "شقيقي لم يكن يعجبه أن يكون الرئيس وأعضاء الحكومة من كبار السن، فكان يؤمن بأن الحكومة يجب أن تكون من الشباب والرئيس في سن الأربعين لضرورة تمكين الشباب والتغيير".

يذكر أن محمد الجندي كان عضواً في التيار الشعبي، ويؤمن بالرئيس المدني وبحمدين صباحي كرئيس للجمهورية، وشارك بكل فعاليات الثورة، حتى ألقي القبض عليه مع عدد من النشطاء في الذكرى الثانية للثورة، ونقل إلى معسكر في منطقة الجبل الأحمر، وتوفي يوم 4 فبراير 2013، ليثير جدلاً بوفاته. فتعتبر الحكومة المصرية أنه توفي إثر حادث سيارة، في حين أن أسرته ورفاقه بالثورة يؤكدون أن التقارير الطبية أثبتت تعرضه للتعذيب.

ميادة أشرف، فقيدة الصحافة

اتسمت ميادة أشرف ابنة الـ22 عاماً بأحلامها البسيطة التي سعت دائماً إليها، من خلال العمل بالمجال الصحافي والحصول على بطاقة نقابة الصحفيين المصريين.

أثناء عملها كصحافية، كلفت بتغطية تظاهرات للأخوان المسلمين المعروفة بأحداث عين شمس، نهاية شهر مارس 2014، وقد أصيبت على إثرها بطلق ناري أدى إلى وفاتها.

قالت والدتها لرصيف22: "لم تعد قلوبنا تتحمل. لا فائدة من الحديث عن ابنتي. فعن ميادة تحدثنا كثيراً ولكن ماذا حدث؟".

هؤلاء الضحايا، لم يُحاكم أحد بقتلهم إلى اليوم، ولا تعترف بهم الحكومة في ذكرى الثورة كل عام. إذ يكتفون بتكريم أهالي شهداء الشرطة فقط.

كلمات مفتاحية
25 يناير مصر

التعليقات

المقال التالي