اختفاء "مطرب الثورة": هل كان الغناء للثورة مجرد تريند؟

اختفاء "مطرب الثورة": هل كان الغناء للثورة مجرد تريند؟
مشهد من فيلم ميكروفون

سجل المخرج أحمد عبدالله السيد حصار نظام مبارك لاتجاهات فنية، خرجت عن المألوف، وعن شروط السوق، و"الجمهور عايز كده". وذلك على يد جيل جديد، تمرد وبدأ يشق طريقه، ليعبر عن قضاياه الحية بأسلوبه الخاص.

وتمكن من ذلك، من خلال فيلم "ميكروفون" (2010)، الذي شارك في بطولته عدد من فناني الأندرغراوند، الذين يفشلون في إقامة حفل على مسرح تابع للدولة، أو في شارع جانبي جوار مقهى شعبي، بسبب الرفض الأمني ومطاردة الشرطة والسلفيين، ليجتمعوا أخيراً على الشاطىء، منشدين "ماخليتوليش ولا حاجة".

ويبقى الاختلاف حول يناير "الأغنية والثورة"، قائماً وحيوياً، ومؤكداً على الحاجة لمناقشة وتفسير صعود وهبوط الموجة الثورية في جميع النواحي، خصوصاً الفن، لنسأل: متى ومن ولماذا وكيف، وهل اختفت أم خفتت الأغاني الثورية؟ وأين ذهب مبدعوها وأصحابها؟

هل أضاف جيل يناير للأغنية السياسية؟

في ظروف متأزمة اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، أنتج جيل "ميكروفون" تجربته الخاصة، معتمداً على تراث غني، وطاقة متفجرة في الكتابة والتلحين والغناء والإخراج. سعوا نحو أغنيات تكون أيقونة لنضال طويل، يبدو أن ساعته قد حانت، ليصبح في ما بعد، مؤشراً على انفجار وشيك.

وبالفعل، تصدرت تلك الأغاني المشهد، مع اندلاع الثورة في 25 يناير، وقامت بدورها التحريضي المباشر.

وبعد مرور 6 أعوام على الثورة، كان من الممكن أن ينطفىء وهج الأغنية ذات الطابع الثوري، إنشاداً وإنتاجاً، ولكن هل يمكن أن تختفي "الأغنية السياسية" عن المشهد الفني فعلاً، كما يشاع؟ أو أنها لم تعد تجذب الانتباه أو تحقق "الترند" على مواقع التواصل الاجتماعي؟ وما تفسير ذلك كله؟

قدم جيل ثورة يناير أغنية المعادلة الصعبة، التي جمعت بين السياسي والاجتماعي والمتغير المؤقت، والمجرد، والمطلق والإنساني. بين المادي والمعنوي، الطموح والانكسار، الحب والحرية، الكبت والقيد. فغنى مع بلاك تيما: "أنا مش فارس ولا فتى أحلام" عن "البلاد اللي فيها صادروا حلمي وباعوا صوتي في المزاد".

وهو الفريق نفسه، الذي ثار ضده جمهوره عام 2016، حين غنى من ألحان عمرو مصطفى صاحب التعبير الشهير "نكسة يناير". جاءت الإغنية ضمن حملة ترويجية للنظام الحاكم، ومع انحسار بعض الفرق الأخرى مثل كايروكي، التي تخطت متابعة الجمهور لأغانيها في الحملات الإعلانية، رصيدها من الأغنيات السياسية.

وعلى الرغم من انتمائه للجيل نفسه، وتشارك الأغنيات نفسها والثورة، إلا أن الباحث والكاتب مدحت صفوت، يرى أن الأغنية السياسية التي راجت بعد يناير، لم تكن في كلماتها أو ثيماتها الموسيقية، سوى إعادة إنتاج لـ"الهتاف" الجماهيري، واصفاً إياها بكتابة أغنية/قصيدة الهتاف، وهي كتابة تتقولب جمالياتها حول الشائع عن الشعر والكتابة الغنائية، قائلاً: "وهو ما نلحظه في تجربة رامي عصام المقيم في السويد".

استقبل جيل يناير عام 2011 بمأساة تفجير كنيسة القديسين، حينها غنت فرقة إسكندريلا "بداية سنة". وعبرت عن بشاعة الصورة التي يظهر فيها "خالد سعيد" أيقونة لإهدار الكرامة والقانون، على يد من يحمي القانون.

مطربون آخرون مثل رامي عصام ومحمد عباس، بدأوا أيضاً بتلحين وغناء هتافات الثورة وإثارة الميادين والمشاعر الوطنية، والتغني بالصمود والمواجهة، والتطلع لدور فني بمثابة شاهد على تلك المرحلة.

ويوضح صفوت السبب في رواج ما يسميه "أغنية الهتاف"، ملخصاً إياه في عوامل ثلاثة، أولها وعي صناع الأغنية السياسية بدور منتجهم الفني، وينحصر لدى كثيرين منهم عند "هياج الجماهير"، ومحوره الصوت الزاعق. وثانياً أن جماليات الأغنية تنتمي للرؤى البدائية والسطحية والاستهلاكية، وربما تتوقف معرفتها عن الشعر الغنائي، عند حدود الإيقاع السريع، وقصر الجملة، والمباشرة الفجة أو الرمزية الواهية.

وثالثاً، تكشف الألحان التي يقدمها كثيرون من فرق الأغنية السياسية، الانحياز الفني لهذه الفرق. ويمكن القول إننا أمام نتاج التجريف الثقافي والفني الذي عاشته مصر خلال العقدين السابقين لثورة يناير.

من الأغنية السلاح إلى الأغنية "السبوبة"

يتفق الفنان إسلام القصبجي، العازف والمدرس في معهد الموسيقى العربية في القاهرة، الذي شارك الكثير من أقرانه في إنتاج أغانيهم الخاصة، مع صفوت.

ويرى أن حال الأغنية السياسية لا يختلف كثيراً عن حال الغناء عموماً. ويقول: "جئنا في زمن الفقراء فنياً والترند والسبوبة، وعلى الرغم من التجارب المبشرة، إلا أن أغاني تلك الفترة، لم تضف شيئاً للمستوى الفني، بل لم تكن ثورية على مستوى الموسيقى".

وعلى الرغم من انحيازه الوجداني، يحاول القصبجي أن يكون حيادياً، ويضيف أن أغاني تلك الفترة لم تحقق طموحه في أغنية "من طينة بلدنا"، بل اعتمدت على نحت أنماط الموسيقى الغربية أو التركية أو غيرها، دون محاولة تطوير الموسيقى المصرية".

المفارقة

أما الكاتب محمود عبد الشكور، فيعتز بما قدمه هذا الجيل. ويبرهن اعتزازه من خلال تتبع سريع لمسار الأغنية التي بدأت تتشكل في بدايات القرن العشرين، وتبلورت في ثورة 1919، كوسيلة لتنفيس الشعب عن وطأة القمع والاستبداد وذل الاحتلال، وكأداة لتحدي تجريم الحركة الوطنية وزعمائها. فيغني "يا بلح زغلول"، لتنضج الأغنية، وتصبح حجر الأساس للأغنية الوطنية، وبداية التأريخ لها ولوعي الشعب بذاته.

وأوضح عبدالشكور أن ارتباط الأغنية بأبعاد وطنية، تجلى في مشروع سيد درويش وبديع خيري ويونس القاضي، وارتبطت لاحقاً بأبعاد قومية. كما تجلت في أغنيات كانت بمثابة منشور سياسي مثل أغنية "أخي جاوز الظالمون المدى"، وتطلع الأغنية إلى دور جديد، هو حشد الرأي العام تجاه القضية الفلسطينية.

واعتبر أن 25 يناير مرحلة فارقة ومهمة، كما كانت المرحلة التي يشهد على تجليها مشروع الشيخ إمام والشاعر أحمد فؤاد نجم، فارقة في التاريخ الشعبي قبل الرسمي.

وقال صاحب "كنت صبياً في السبعينيات": "لكن خصوصية تجربة الثنائي إمام ونجم، أنهما جاءا من خلفية غير احترافية، فنحن أمام أناس شعبيين يعبرون عن الشعب بشكل مباشر، دون رسميات أو ارتباط بالسلطة بل كانوا على هامشها، يعبرون عن سخط المجتمع منها، بجرأة وانتقاد علنيين في الجامعة والشارع، ليتطابق الشكل والمضمون".

وأوضح أن ما يميز خصوصية تلك التجربة، هو ارتباطها بــ"انكسار قومي"، إثر نكسة يونيو.

أغنية الثورة وشرط الخلود والنسيان

المعيار الفني سبب خلود الأغنية، هكذا يوجز عبد الشكور رأيه، فالمعيار هو القدرة على التعبير المبدع، وتحويل ما هو آني إلى عمل فني عابر للزمن، يقدمه الفنان في شكل قضية عامة، ليخرج من سياقه الاجتماعي والتاريخي، ويصبح فكرة تتجاوز واقعها.

ويعتبر أن أغنيات هذا الجيل قد تحقق الخلود، مثل "فلاني الفلاني"، التي خرجت من الحدث إلى قضية عامة، وفكرة عابرة للزمن. ويؤكد على وجهة نظره، بأغنية "أنا بحبك يا بلادي" التي اقتبست من أغنية فؤاد حداد وبليغ حمدي، التي تحمل العنوان نفسه. وهي تخرج من الغناء المباشر للثورة وشهدائها، وإصرار أصحابها على التضحية من أجل غاية أسمى، وهذا تحقيق للمعادلة الصعبة، أي الجمع بين ما هو فني ومجرد، وبين ما هو سياسي مؤقت، وبين المباشرة والتحريض وغير المباشر، في تحويل السياسة إلى ثقافة. ويقول: "صراع الفن الأساسي ليس مع الحاضر بل مع المستقبل".

يوم قال المغني: الحفلة ليست تظاهرة

إسلام القصبجي لا يحب التعميم، لكنه يرى أن بعض أبناء جيله، انكسروا وتوقفوا عند مرحلة وأحداث بعينها دون تجاوزها، والبعض منهم عزف عن الأغنية السياسية والوطنية، لأن "السبوبة خلصت". ويقول إن بعضهم اتجه إلى ما هو رائج، لكنه يستبعد أن يكون التضييق الأمني هو العقبة.

وأضاف: "لا تزال المساحة نفسها على وسائل ومواقع التواصل الاجتماعي موجودة، وهي كانت أساس معرفة الجمهور بجيلنا، وهناك من يعيد تصوير أو أداء الأغنيات نفسها في الوقت الحالي".

لكن صفوت يختلف مع القصبجي في تلك النقطة، فيقول: "عقب موجة 30 يونيو، تقلص هامش الحريات، ما دفع البعض إلى تطليق السياسة برمتها، وهجرة الغناء السياسي. وفي حفل أقيم في القلعة في أغسطس 2014، رفض المطرب هتاف جمهوره ضد الحكومة لانقطاع الكهرباء خلال الحفل، وقال إنه لا يمكن أن يتحول الحفل لساحة تظاهر، رغم أنه بدأ الغناء في الاعتصامات والتظاهرات. حينها ربطت الجماهير بين عودة محمد محسن إلى الحفلات الرسمية التي تنظمها الدولة، والتغير في موقفه".

أما عبد الشكور فيرى أنه من غير المعقول أن نفرض اتجاهاً بعينه على الفنان، وأن نحدده في لون واحد من ألوان الغناء. ويعتبر أن تجربة إمام ونجم على سبيل المثال لم تنتج أغنية سياسية ووطنية طوال الوقت، بل امتدت التجربة إلى ألوان أخرى من الغناء تنوعت موضوعاته وأشكال التعبير عنه.

وائل فتحي

شاعر وصحافي مصري، عمل محررا ومسؤولا عن الأقسام الفنية والثقافية في مواقع مصرية وعربية، منها الموقع الإلكتروني لقناة الغد العربي، جريدة البديل وموقع الدستور المصري.

كلمات مفتاحية
مصر

التعليقات

المقال التالي