السعوديون للأجانب: "النفط لم يعد يكفي للعيش معاً"

السعوديون للأجانب: "النفط لم يعد يكفي للعيش معاً"

يُتهم أشرف صاحب الوجه الوسيم والابتسامة الصادقة بين رفاقه بأنه جلب النحس لجميع العمال الأجانب في السعودية. ويعتذر صديقه فراس الذي رشحه للعمل، إلى جميع الأجانب في المملكة، عن مساعدته لأشرف.

يقول مازحاً: "لم أتوقع أن يجلب نحسه معه إلى هنا ويعم به البلاد والعباد".

فراس (33 عاماً) يعمل في السعودية منذ عام 2008 عندما كانت أسعار النفط تحوم حول 100 دولار للبرميل.

أما أشرف (34 عاماً) فقد غادر الأردن قادماً إلى المملكة في 2015 وسط أزمة تدني أسعار النفط التي بدأت في 2014 وأفقدت الذهب الأسود نصف قيمته. لذلك وُصِف الأول بوجه السعد، والثاني بـ"النحس".

وقد دفع تنامي معدلات البطالة في الأردن معلم المشاوي الشاب، أشرف للهجرة طلباً للرزق. لم يعد بإمكانه الحصول على وظيفة في بلد بلغت نسبة العاطلين عن العمل فيه حوالي 14% في 2016، وانخفضت معدلات الأجور بسبب العمالة القادمة من مناطق الحروب، كالعراق وسوريا.

الأردن ليس حالة استثنائية، فشأنه شأن باقي الدول العربية، التي هاجر آلاف الشباب منها بحثاً عن فرص عمل في السعودية ودول خليجية أخرى.

وقد وفرت السعودية هذه الفرص للملايين منهم منذ السبعينات.

اليوم، يقيم في المملكة 11 مليون أجنبي، يشكلون 37% من سكانها البالغ تعدادهم 31.74 بحسب بيانات رسمية في 2016. وهي تواجه مشكلة بطالة مزمنة بين مواطنيها بلغت 12.1% في 2016.

وتمكّنت المملكة بفضل ارتفاع أسعار النفط في 2005 من تهدئة مشكلة البطالة، من خلال الإنفاق على مشاريع الرفاهية الاجتماعية، وزيادة التوظيف في الحكومة، وفرص التعليم داخل السعودية وخارجها.

إلا أن تراجع أسعار النفط الأخير، والحرب التي تقودها السعودية في اليمن، واستمرار الأزمات والحروب في عدد من دول الربيع العربي التي تدعم السعودية حكومتها أو معارضتها، هذه كلها دفعت بأكبر اقتصاد عربي لخفض الإنفاق وتعطيل التوظيف في الحكومة. كما فقد آلاف العمال في القطاع الخاص، بينهم سعوديون، وظائفهم بسبب وقف مستحقاتهم المالية.

السعودية والشعبوية العالمية

يطالب إبراهيم بن فهد (22 عاماً)، وهو طالب جامعي، بترحيل جميع الأجانب من البلاد، ويعتقد أنهم عائق أمام السعوديين، إذ يحصلون على فرص أفضل، ويشكلون تهديداً أمنياً واجتماعياً. يقول: "ما حاجتنا لبائع أو سائق أجرة ومدرّس ومدرّسة... السعودية للسعوديين".

وتتزايد موجة العداء للوافدين إلى المملكة بحثاً عن عمل، حتى بين أوساط النخبة.

فعلى سبيل المثال، نشرت صحيفة الحياة اللندنية في نسختها السعودية في يناير 2017 كاريكاتيراً، وصفته الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان في السعودية بأنه مخالف للنصوص الشرعية وينتقص من كرامة الإنسان، إذ يصور العمالة الأجنبية على أنها فأر يحاول قطع الطريق على مواطن سعودي يسير بصعوبة على حبل رفيع يمثل سوق العمل.

c0935c1f-b0ef-4808-9203-127316bd1943 كاريكاتير نشرته صحيفة "الحياة" في عددها الصادر الأربعاء 4 يناير 2017

ونشر الكاتب المعروف جمال خاشقجي كتاباً بعنوان "احتلال السوق السعودي" يدعو فيه لتحرير السوق السعودي من العمالة الوافدة.

كما ناقش مجلس الشورى اقتراحاً في شأن فرض رسوم على حوالات الأجانب التي بلغ متوسطها في السنوات الخمس الماضية 123 مليار ريال سنوياً.

ويصف فضل البوعينين، وهو اقتصادي مهتم بقضايا سوق العمل، موجة العداء للأجانب، بأنها ظاهرة عالمية.

يقول: "أستمع لآراء النخب الأمريكية، بمن فيهم الرئيس الحالي ترامب حول المكسيكيين والمهاجرين بشكل عام... السبب الرئيسي لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي هو شح فرص العمل للمواطنين بسبب كثرة المهاجرين".

أقوال جاهزة

شارك غرد"أخرج من السعودية فأنت أجنبي" مشكلة بطالة محلية أم نمو عالمي في الخطاب الشعبوي؟

شارك غرد"الأجانب" في السعودية... الفصل الأخير من العيش المشترك؟

ويضيف البوعينين: "لا يمكن لبلد أن تستغني عن الأجانب وخبراتهم ومهاراتهم، لكن الكم والكيف هما مربط الفرس".

يقسم الخبير الاقتصادي محمد العمران الأعمال التي يقوم بها الأجانب في السعودية، إلى البيضاء (White color worker) وهي الأعمال المكتبية والإدارية، والتي يرى أنه يجب أن توطن سريعاً وأن تقتصر على السعوديين.

والنوع الثاني هو الأعمال الزرقاء (Blue color) التي تشمل الأعمال اليدوية. ويرى العمران أنه من الصعب توطين هذا النوع.

وأما القسم الثالث فهو الأعمال الحساسة (Critical job) وهي بحاجة إلى خبرات علمية ومهارات نادرة. ويقول: "لهذا النوع الأخير يجب أن يكون هناك خطة عمل متدرجة لتوطينه مع استمرار الاستعانة بالخبرات الأجنبية والكفاءات الماهرة".

الطبيب سارق المستقبل

حصل هشام سعيد على إجازة في الطب من جامعة مصرية وعاد إلى السعودية التي أمضى فيها طفولته مع والده الصيدلاني ووالدته طبيبة الأطفال في مستشفى خاص منذ الثمانينيات في الرياض.

يقول: "الزمن غير الزمن... ما زلت أشعر بحب الناس ولكن البعض يشعرني بأني أسرق مستقبله".

لا تتوفر بيانات رسمية عن طبيعة الوظائف التي يشغلها الوافدون بحسب القطاعات، إلا أن القطاع الصحي في المملكة يعتمد بشكل كبير على الكفاءات الأجنبية.

وبحسب تقرير صادر عن وزارة الصحة السعودية في 2015، يشكل الأطباء السعوديون من الجنسين ما نسبته 26% من مجموع عدد الأطباء، بينما يشكل السعوديون والسعوديات ما نسبته 38.3% من طواقم التمريض و21% من الصيادلة.

ويصف فضل البوعينين هذا الوضع بالكارثي، فمن ناحية هناك بطالة بين السعوديين من خريجي التخصصات الطبية، كما أن الوضع الحالي يعرض القطاع الصحي للانكشاف المهني، لأن وزارة الصحة تعتمد كثيراً على جنسية واحدة في التمريض، وهي الفليبينية، وثلاث جنسيات في الطب، ويقول "ماذا لو حصلت مشكلة بين السعودية ودولة من تلك الدول... فقد ينهار القطاع الطبي في اليوم التالي".

الوزير "النادل" وسباق حمل الصواني الفضية

خاض الدكتور غازي القصيبي أولى معارك "السعودة"، أو فرض نسبب موظفين سعوديين على القطاع الخاص، بعد تعيينه وزيراً للعمل في 2004.

كانت معدلات البطالة عالية والمال الحكومي شحيحاً بسبب تدني أسعار النفط والوضع الأمني غير مستقر بعدما تزايدت معدلات العمليات الإرهابية داخل المملكة.

وقد كان الضغط الدولي على السعودية في أوجه عقب هجمات 11 سبتمبر، لتوسيع الحريات والتعليم والحقوق.

فكانت سابقة في المجتمع حينما دعا القصيبي الشباب للعمل في مجال الخدمات المختلفة التي عدّها المجتمع لزمن أنها أقل من مستوى المواطن، الذي يفضل الوظائف الحكومية المضمونة والمريحة. وقد بادر القصيبي بالعمل نادلاً بنفسه ليوم كامل في مطعم فادركرز بمدينة جدة، وقدم الطلبات للزبائن.

تمسك رجال الأعمال بـ"العمالة الرخيصة" التي تدر عليهم ذهباً، وصعد رجال الدين حرباً ضد القصيبي لتوسعه في عمل المرأة.

استمرت المعارك بين الوزير وخصومه إلى أن بدأت ملامح طفرة جديدة تلوح في الأفق مع وصول سعر برميل النفط إلى مستوى قياسي تجاوز الـ 60 دولاراً في يونيو 2005، واستمرت موجة الصعود إلى أن بلغ سعر البرميل 147 دولاراً في 2008.

لكن المبادرة نجحت في طرح الوظائف الخاصة كبديل للخيارات التقليدية للشباب.

نواف مثلاً، ابن الـ26 عاماً، لم يتمكن من الحصول على وظيفة حكومية بعد أن تخلى عن دراسته الجامعية كرهاً، وكان تخصصه هو الفيزياء. وقد شعر بالضغط حينما خيره والده بين إيجاد عمل والقطيعة الدائمة. فلم يتردد نواف حينما قرأ إعلاناً لمطعم وجبات سريعة يطلب سعوديين للعمل. "تقدمت للوظيفة وحصلت عليها في اليوم نفسه".

يشعر نواف بالرضى عن وظيفته الجديدة، خاصة أن للفندق فروعاً عالمية، وهذا قد يمكنه من السفر للعمل فيها في ما بعد.

وهو واحد من حوالي مليون سعودي انضموا للشركات الخاصة بين عامي 2011 و2015. فقد أظهرت بيانات وزارة العمل نمو عدد السعوديين العاملين في القطاع الخاص بنسبة 142% وقد وصل عددهم إلى 1.7 مليون، بعد أن كان نحو الـ700 ألف في 2011.

وارتفع عدد السعوديات العاملات في القطاع الخاص 9 أضعاف خلال الفترة نفسها، إذ بلغ عددهن 477 ألف مع نهاية 2015، بعد أن كان لا يتجاوز 50 ألف في 2011.

"لم أتخيل يوماً أن يعمل معي سعوديون في خدمة وتقديم الطلبات للعملاء". قال شمس الذي أتى من باكستان قبل 17 عاماً ويعمل مشرفاً على خدمات البهو في فندق فاخر في الرياض. "السعوديون نصف موظفي الفندق ويزيدون يومياً. إنهم يحملون الحقائب للعملاء في المطبخ وفي خدمة الغرف ومنهم المديرون الرئيسيون".

في البدء كانت الصدمة

ارتفعت أسعار النفط من 3 إلى 14 دولاراً تقريباً في السبعينات بعد قرار السعودية خفض إنتاج النفط للضغط على حلفاء إسرائيل لقبول قرارات مجلس الأمن. وهذا ما ضاعف دخل البلاد من 10 مليارات إلى 34 مليار دولار سنوياً. وقد عرفت تلك الحقبة بصدمة النفط الأولى والطفرة الأولى للسعوديين.

تكدست الفوائض المالية في البنوك الغربية، وخوفاً من تآكل قيمتها أطلقت السعودية مشاريعها التنموية الضخمة وباتت مدنها وقراها محطات جاذبة للشركات والعمال من كوريا إلى أمريكا.

وكانت المكاسب سريعة وسهلة. فالمشاريع كثيرة تكفي الجميع، والقانون يشترط شريكاً سعودياً أو كفيلاً للأفراد، ما يضمن حصة المواطن في المال.

في الثمينينات والتسعينيات تراجعت أسعار النفط، وأثر ذلك سلباً على الاقتصاد السعودي، وتفاقمت المشاكل المالية بعد حرب الخليج، ووصل الإنفاق الحكومي إلى مستويات متدنية انعكست على الجميع.

ربما نحتاج لطفرة ثالثة لنعرف مدى جدية السعودية في تخلصها من "إدمانها على النفط"

كان المال قليلاً إلا أن التشريعات جلبت نوعاً آخر من المكاسب. فقد سمحت الأنظمة للمتنفذين بالتوسع في تجارة التأشيرات التي تسمح بدخول المملكة والإقامة فيها، فمُنحوا كماً هائلاً منها. وكانت الطريقة هي بيع التأشيرة للعامل في بلاده وحال وصوله للسعودية يعمل بشكل حر ويلتزم بدفع مبلغ ثابت شهرياً للكفيل، وكانت هذه التجارة تدر الملايين على تجارها. وقد ساهم ذلك في انتشار أفراد من جنسيات مختلفة لم يأتوا إلى السعودية للقيام بأعمال واضحة.

العقد السعيد للجميع

في العام 2006 أعلنت السعودية انتهاء السنين العجاف وأعلنت ميزانيتها الضخمة وعاد الإنفاق على المشاريع التنموية التي توقفت لنحو 20 عاماً.

وتوسعت الحكومة في بناء الجامعات والتوظيف وإرسال الشباب للدراسة في الخارج على نفقتها. وصاحبت ذلك أيضاً مرونة من الوزير القصيبي في إصدار التأشيرات، أو تصريح العمل للأجانب، خوفاً من تعطيل عجلة التنمية لتعود الخبرات والأيدي العاملة من جديد بأرقام كبيرة.

لا يعتقد محمد العمران أن السعودية ستكرر تجاربها السابقة إذا ارتفعت أسعار النفط لمستويات قياسية مرة أخرى. يقول: "الوضع تغير. البطالة بين المواطنين مرتفعة، وهناك 900 ألف طالب وطالبة في الجامعات داخل السعودية وخارجها سيبحثون عن عمل عند تخرجهم".

ويتفق معه فضل البوعينين جزئياً، وهو يرى أن رؤية 2030، وهي الأهداف الاقتصادية والاجتماعية التي أعلنتها السعودية لتقليل اعتمادها على النفط وأحداث تغيرات اجتماعية، وعدت بعدم تكرار أخطاء الماضي.

لكنه يضيف: "لو حاولنا قراءة المستقبل من خلال التاريخ، فإن ارتفاع أسعار النفط تزيد المشاريع التي تتطلب المزيد من العمالة". ولا تستهدف رؤية 2030 عدداً محدداً من الوافدين، لكن فرضت السعودية رسوماً شهرية ستبدأ في منتصف العام الحالي على كل أجنبي ومرافق له يتوقع أن يكون العائد منها 65 مليار ريال في 2020 لخزينة الدولة.

البركة وأهل التوحيد وشكر الوداع

عادةً، يدافع رجال الدين في السعودية عن الوافدين للعمل. فيرى ناصر العمر مثلاً، وهو شيخ معروف ومحارب كبير لعمل المرأة في الأماكن التي تختلط فيها مع الرجال، أن الأجانب ربما هم سبب البركة التي يعيش فيها السعوديون.

وقال في محاضرة على يوتيوب إن وجودهم في البلاد فرصة لتعليمهم العقيدة الإسلامية الصحيحة لممارستها ونقلها لدولهم.

الإدمان على النفط

ما زال أشرف يعمل في السعودية. فهو يرى أن العيش فيها رغم الأزمة الاقتصادية أفضل من البحث عن عمل في الأردن حيث يقوم رجال أعمال بتضخيم أرباحهم على ظهور مهاجرين عانوا من ويلات حروب فعملوا بربع ما يطلبه المواطن. أما نواف، فتلمع ابتسامته حينما يتحدث عن خطته لترك السعودية والعمل في أحد فروع سلسلة الفنادق العالمية في الخارج.

قد تتغير بعض التفاصيل ولكن القصة هي ذاتها. فالمنطقة غير مستقرة سياسياً، وأسعار النفط تراجعت من جديد، ولا يمكن التنبؤ بمستقبلها، والحكومة السعودية تقول إنها لن ترتهن لتقلبات أسعار النفط مجدداً، وهو السيناريو نفسه منذ الثمانينيات.

ربما نحتاج لطفرة ثالثة لنعرف مدى جدية السعودية في تخلصها من إدمانها على النفط، ومعالجة مشاكلها الداخلية والخارجية بالمسكنات؟

إبراهيم المطوع

صحافي اقتصادي سعودي عمل مراسلاً مالياً لوكالة رويترز في الرياض، ومحرراً مشاركاً لمجلة فوربز الشرق الاوسط. نشر العديد من التحقيقات حول المال وثقافة المجتمع وكيف يوثر أحدهما على الاخر إلى جانب تقارير عن تاريخ الاقتصاد السعودي.

كلمات مفتاحية
السعودية

التعليقات

المقال التالي