التاريخ السري للكاميرا... كيف ساهمت الـ CIA في تحسين ألبوم صورنا؟

التاريخ السري للكاميرا... كيف ساهمت الـ CIA في تحسين ألبوم صورنا؟

"المرة المقبلة التي تلتقط فيها صوراً بكاميرا رقمية، ذات بطاريات الليثيوم، قف للحظة، وتذكر كيف ساهمت تقنيات السي آي إيه CIA في تحسين حياتك".

هكذا يتحدث الموقع الرسمي للمخابرات المركزية الأمريكية بفخر، عن أحد أهم ابتكاراته، التي تساعد المصورين اليوم في استخدام كاميراتهم لساعات طويلة: بطاريات الليثيوم.

يقول الموقع إن ابتكار بطاريات الليثيوم، كان لإمداد كاميرات التجسس الصغيرة الحجم، وبعض أجزاء الأقمار الصناعية المخابرات بالطاقة لفترة طويلة.

في ما بعد قامت المخابرات برفع غطاء السرية عن ابتكارها، لتجد البطارية طريقها إلى كل شيء، من أجهزة تنظيم ضربات القلب إلى الهواتف المحمولة.

الكمبيوتر الحديث، الإنترنت، الميكروويف، أجهزة تحديد الموقع GPS، جميعها اختراعات نشأت في الأصل كنتاج لأبحاث عسكرية.

الكاميرا ليست استثناء، فغالبية تقنيات التصوير الحديثة تأثرت بشكل أو بآخر، بأبحاث وابتكارات جيوش وأجهزة استخبارات، استخدموا الكاميرا كسلاح.

"كوداك كولور" هدية سلاح الطيران للأسرة السعيدة

"بسبب أبحاثها المتقدمة في التصوير الملون، كانت كوداك مستعدة تماماً، حين لجأت إليها القوات المسلحة، لتطوير فيلم جديد للتصوير الجوي"، هذا ما يقوله الإعلان المنشور في عدد من المجلات الأمريكية عام 1944، موضحاً العلاقة الوثيقة بين الجيش الأمريكي وشركة كوداك أثناء الحرب العالمية الثانية.

كان عملاق التصوير يعمل بشكل وثيق مع المخابرات الأمريكية، والجيش في العديد من المشروعات، منها مثلاً ابتكار وإنتاج شكل جديد كامل الاستدارة من القنابل اليدوية السهلة الحمل، والتوجيه داخل معملها السري.

أما مهمة كوداك الجديدة فكانت أكثر تعلقاً بتخصصها الرئيسي: فيلم ملون، يصلح أن يلتقط صوراً واضحة من طائرات الاستطلاع، ويمكن تحميضه داخل جبهة القتال.

كان الفيلم الملون ما زال في مراحل تطويره الأولى، في بداية الحرب العالمية عام 1939. وكان عاجزاً عن التقاط الصور في الأضواء الخافتة، فلا يعطي نتائج دقيقة، ويمكن للقوات على الأرض الاختباء من الكاميرا ببعض الـ"كاموفلاج".

أقوال جاهزة

شارك غرد"المرة القادمة التي تلتقط فيها صورة بكاميرا رقمية.. قف للحظة وتذكر كيف ساهمت الـCIA في تحسين حياتك"

شارك غردعملاق التصوير، كوداك، كان يعمل بشكل وثيق مع المخابرات الأمريكية والجيش في العديد من المشروعات

من هنا، بدأت الجيوش في الصراع حول أحدث تقنيات التصوير. فيلم أدق، قد يعني الفارق بين قدرة الكتائب البرية على الاختباء والانكشاف والإبادة.

يقول الإعلان إن أبحاث كوداك بالتعاون مع الجيش الأمريكي في مجال التصوير الجوي، ساهمت في تطوير جودة الأفلام الملونة، التي تنتجها الشركة للكاميرات العادية، مضيفةً لقارئها أنه قد يصادف هذا النوع من الأفلام، لكنه لم ينتشر على نطاق واسع بعد.

انتشرت هذه الشرائط الملونة عقب عقود من استخدامها الأول، بعدما نُزع عنها استخدامها الحربي، وارتبطت باللحظات السعيدة. فقد يتذكر مواليد الثمانينات حتى الآن كوداك كولور Kodak color، أحد أكثر أنواع الأفلام شيوعاً في العالم، التي استخدمت لالتقاط الصور العائلية.

لمَ طور الاحتلال البريطاني زر خاص للبشرة السوداء؟

إن كان للتصوير الجوي في الحرب العالمية دور في تطوير الأفلام الملونة، فلربما كان للاحتلال البريطاني لجنوب أفريقيا، فضل في ضبط دقة الألوان. كان خام التصوير الملون منحازاً للون الأبيض. حين تلتقط الكاميرا صورة بها جسمان شديدا التناقض في درجة السطوع، أبيض وأسود، يبدو الأسود كالحاً وغامقاً خالياً من التفاصيل، في حين تبدو الأجسام الفاتحة مشرقة وواضحة.

عام 1966، قدمت شركة بولارويد حلاً مبتكراً: كاميرا ذات زر خاص بتصوير ذوي البشرة الداكنة، فهذه البشرة تمتص الضوء بنسبة 42%، أكثر من مثيلتها البيضاء. وظيفة الزر الجديد كانت زيادة قوة "الفلاش"، أو النور، بالنسبة نفسها عند تصوير ذوي البشرة الداكنة، لتوفير الإضاءة المطلوبة للفيلم، كي يلتقط صوراً واضحة لوجوههم.

كانت هذه الكاميرا جزءاً من ماكينة إصدار بطاقات تعريف شخصية، تسمى Polaroid-ID2، تتكون من كاميرتين، واحدة تلتقط صورة للوجه المراد تعريفه، وأخرى تلتقط صورة لبيانات البطاقة وشكلها.

ثم تتولى هذه الآلة تركيب الصورتين، وطباعتهما في بطاقة واحدة، خلال عملية لا تتجاوز دقيقتين. إضافة لسرعتها، فدقتها الشديدة تزيد من صعوبة التزوير.

بولارويد و"فلاش" العنصرية في جنوب أفريقيا

عام 1970، داخل مقر شركة بولارويد في مدينة كامبريدج بولاية ماساشوستس الأمريكية، اكتشفت كارولين هنتر، إحدى موظفات الشركة، علاقة خفية بين الشركة والحكومة العنصرية بجنوب أفريقيا.

فلاحظت نموذجاً لبطاقة هوية مميزة، عليها صورة رجل داكن البشرة، ومكتوب عليها "قسم التعدين والمناجم بجنوب أفريقيا".

بدأت هنتر في تتبع خيوط القصة، حتى اكتشفت أن بولارويد، كانت تعاون نظام الفصل العنصري المعروف بالأباراتايد Apartheid منذ الثلاثينات، في إنتاج بطاقات التعريف الكريهة، التي كان الاحتلال يجبر السكان ذوي البشرة الداكنة على حملها، لتقييد حركتهم، ومنعهم من دخول مناطق البيض إلا بتصريح.

كانت الشركة ضالعة منذ البداية في توفير التكنولوجيا اللازمة، لإنتاج هذه البطاقات. وبفضل ابتكارها الجديد، صار للاحتلال قدرة على إصدار تصاريح ذات صور أكثر دقة، وقلت احتمالات أصحاب البشرة الداكنة في التزوير أو الاستعانة ببطاقات أصدقائهم وذويهم.

كارولين، ذات الأصول الأفريقية، بدأت فوراً في فضح ممارسات بولارويد، وطافت على الجامعات والكنائس والحركات المضادة للعنصرية، لتنظيم حركة مقاطعة لكل منتجات الشركة، والامتناع عن شراء أسهمها.

أنكرت الشركة علمها بالاستخدامات العنصرية للتكنولوجيا التي تنتجها، حتى خضعت في النهاية، وقررت الامتناع عن بيع منتجاتها لحكومة الأبارتايد.

البعض يؤمن بأن نظام Polaroid-ID2 صمم خصيصاً للسيطرة على الأفارقة في جنوب أفريقيا، والبعض الآخر يقول إن الشركة كانت تحل مشكلة تقنية عامة، ولم تكن على دراية، أو ربما لم تهتم، بالآثار السياسية لابتكارها.

الأكيد أن الشركة قررت فصل هنتر عن العمل، التي استمرت في اتهام بولارويد بالنفاق ومحاولة تغطية جريمتهم.

الكاميرا الرقمية صديقة جواسيس الـCIA

تسابقت شركات التصوير على صناعة أول كاميرا رقمية لا تستخدم الفيلم في ستينات القرن العشرين، حين كانت الحرب الباردة بين أمريكا والاتحاد السوفياتي في أوجها، خصوصاً بعد اختراع شريحة الـCCD، التي تستطيع تخزين المعلومات بتعرضها للضوء.

جواسيس المخابرات وجدوا في التقنية الجديدة ضالتهم: وسيلة للحصول على صور دقيقة للمستندات السرية، دون المخاطرة بفساد الفيلم إن تعرض للضوء قبل تحميضه.

فضلاً عن ذلك، عنى تصميم كاميرات تجسس صغيرة الحجم تحديد مساحة ضئيلة للفيلم، ما كان يجبر الجواسيس على التقاط عدد محدود نسبياً من الصور.

فور ظهور التكنولوجيا، بدأ مهندسو مكتب الخدمات التقنية OTS، أحد أقسام المخابرات المركزية الأمريكية، عملهم. وبالتعاون مع شركة إلكترونيات، لم يتم الإفصاح عن اسمها، بدأت الأبحاث.

في هذه الأثناء، كان مكتب الاستطلاع الوطني NRO، أحد أقسام وزارة الدفاع الأمريكية، يحاول تطوير التقنية نفسها لابتكار كاميرا رقمية للأقمار الصناعية للتجسس، بعد أن كانت تعتمد في الماضي على التقاط الصور على أفلام تمتد لآلاف الأمتار، ثم إرسالها للأرض بالباراشوت.

استطاعت هذه الأبحاث أن تمهد الطريق لثورة التصوير الديجيتال، والتلفزيونات الـHigh-definition.

بعد 10 سنوات من العمل، استطاعت المخابرات تصميم أول كاميرا رقمية: "الصندوق الأسود"، صغيرة الحجم، لا تحتاج إلى فيلم، وصالحة لاستبدال الموديلات القديمة من كاميرات الجواسيس.

في حين أعلنت كوداك في الفترة نفسها، عام 1974، تطوير أول كاميرا ديجيتال، قد تصلح للاستهلاك التجاري مستقبلاً. بعدها بعام، انطلق أول قمر صناعي للتجسس بكاميرا ذات شريحة CCD بدلاً من الفيلم.

مطلع الألفية، وقف العالم منبهراً بالتكنولوجيا اليابانية، التي أنتجت أول هاتف محمول مزود بكاميرا تستطيع إرسال الصور. ما لم يكن معروفاً وقتذاك، هو أن المخابرات الأمريكية كانت توصلت منذ زمن بعيد للتكنولوجيا نفسها، وانتهت من تصميم وصناعة كاميرا تجسس ديجيتال صغيرة للغاية، مزودة بجهاز إرسال الصور عام 1989.

علماً أن أبحاث المخابرات الأمريكية وتعاونها مع القطاع الخاص في تقنيات التصوير الرقمي لم تتوقف، وما زلنا نرى نتائجها حتى اليوم.

ففي عام 2010، أعلنت شركة بليكان إيماجينج Pelican Imaging، التي تعمل في مجال تصميم كاميرات المحمول والواقع الافتراضي، عن حصولها على استثمار مالي من الـCIA بهدف تطوير تكنولوجيا جديدة، تسمح ببناء آلة تصوير حجمها شديد الصغر، لكن قدراتها لا تختلف عن تلك التي يستخدمها المحترفون في الحفاظ على دقة الألوان، والتصوير الليلي، ومقاومة الاهتزازات.

التعليقات

المقال التالي