هل يحلّ الإمام "الحسين" ما عجزت عن حلّه الحكومة المصرية؟

هل يحلّ الإمام "الحسين" ما عجزت عن حلّه الحكومة المصرية؟

وقفت السيدة النحيلة باكية أمام ضريح الإمام الحسين في القاهرة. كانت تمسح دموعها بطرف ملابسها، ثم لمست الضريح مجدداً وصرخت: "اسمع بقى، لازم تخلصلي الموضوع ده أنا بقولك أهوه، بحق خدمتي ليك 3 سنين لازم تحلهالي... أديني قلتلك".

هي في الـ68 من عمرها، وقد فضلت عدم ذكر اسمها، واستخدمت بدلاً منه حرف "ك". باعت منزلها في منطقة الشرقية في مصر قبل ثلاثة أعوام، وأتت إلى العاصمة، بعد أن تزوج جميع أبنائها، ولم تجد لها مكاناً وسط عائلاتهم.

اتخذت لنفسها غرفة في شارع شعبي بالقرب من حي سيدنا الحسين بالقرب من جامع الأزهر. اشترت عربة صغيرة، من تلك التي تُباع عليها المأكولات السريعة في الشوارع، واختارت أن تقف بجوار المسجد حيث يقبع الضريح، توزع "الفول النابت" على المارة في الشوارع، وزائري المقام دون مقابل.

تعرضت "ك" لبعض المضايقات من صاحب البناء الذي تسكنه، وهددها بالطرد. ولأن النظام القضائي في مصر "حباله طويلة"، ومُكلِف مادياً، لم تستطع مقاضاته، ولم تجد لشكواها مكاناً أفضل من "آخر الحُكام العادلين على وجه الأرض"، سيدنا الحسين.

"ك" ليست حالة فردية، فمريدو المقامات وأصحابها والذين يعملون على خدمتها ليسوا قلة في دولة يشعر الكثير من سكانها بأن المعجزات هي الحل الوحيد لمشاكلهم.

وتزيد الحالة الاقتصادية التي تعيشها مصر، وتدهور العملة فيها، الشعب يأساً، فيبحث عن الأمل وراء أبواب أخرى.

مستويات الفقر في مصر

يحدد البنك الدولي حد الفقر عالمياً بـ1.9 دولار للفرد في اليوم الواحد. ما يعني أن الفرد الذي يقل دخله يومياً عن هذا المبلغ يعد فقيراً.

في مصر، حد الفقر 1100 جنيه (61 دولاراً) للفرد الواحد في الشهر، أي 4400 جنيه (242 دولاراً) للأسرة المكونة من 4 أفراد.

وتصل نسبة الفقراء فيها إلى 27.8% من إجمالي عدد السكان، مقابل 5.3% من السكان، يعانون من الفقر المدقع، بحسب تقارير الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.

وقد أعلن الجهاز ذاته أن معدل التضخم في قيمة الجنيه في ديسمبر 2016 وصلت إلى 20%، أي أن القيمة الحالية للجنيه تدنت إلى 83 قرشاً.

أقوال جاهزة

شارك غردمريدو المقامات ليسوا قلة في دولة يشعر الكثير من سكانها بأن المعجزات هي الحل الوحيد لمشاكلهم

شارك غردفي مقامات الأولياء في مصر رسائل وشكاوى كثيرة ضد جهات رسمية كوزارة الصحة والقضاء والشرطة

ماذا تحوي رسائل الصندوق؟

يوجد في مصر مئات لأضرحة والمقامات. بعضها لسلالة الرسول وآل البيت، مثل الإمام الحسين والسيدة زينب والسيدة فاطمة النبوية والسيدة نفيسة والسيدة سكينة.

وهناك مقامات الصالحين، الذين عُرفوا في أزمانهم بالعلم والصلاح والتقوى والكرامات، كضريح الإمام الشافعي، والسلطان أبي العلاء.

Cairo Map (1)

حين تدخل أحدها تجد سوارآً، ترتمي خلفه قصاصات ورقية، وصوراً فوتوغرافية صغيرة الحجم، لرجال ونساء وشباب وأطفال. وقد تجد أيضاً منديلاً قماشياً أو ورقياً، يخص صاحب الدعوة.

والأصل في هذه العادة، أن الزائر يضع صورة من يدعو له، خصوصاً إذا كان له ابن مفقود أو ما شابه.

كما يكتب الزائرون الرسائل لأصحاب الأضرحة، ويلقونها داخل المقام، لتبقى مطالبهم أمام الولي صاحب الضريح طوال الوقت.

وتقول الباحثة والروائية ضحى عاصي مؤلفة كتاب "محاكمة مبارك بشهادة السيدة نفيسة" لرصيف22: "حضرت فتح صناديق النذور التي يضع فيها زائرو ضريح السيدة نفيسة شكواهم. وكان هناك الكثير من الشكاوى تخص عدة جهات رسمية كوزارة الصحة والقضاء والشرطة وغيرها".

وقد رصدت عاصي في كتابها أداء حكومات ووزارات عهد الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك، من خلال ما يقوله أصحاب الطبقات الاجتماعية المختلفة، حال زيارتهم للسيدة نفيسة. وامتدت فترة البحث من عام 2008 حتى ثورة يناير 2011.

بخلاف الأوراق المالية المتفاوتة الفئات وبعض القطع الذهبية، وجدت عاصي، رسائل تحكي قصص صغيرة لمشاكل كبيرة يعانيها أهل البلد.

من خطاب من وزارة الصحة يتضمن رفض استكمال علاج سيدة محدودة الدخل على نفقة الدولة، إلى شكوى أحد الأشخاص من عدم قدرته على استعادة قطعة أرض يملكها، وأب يطلب الثأر ممن سرقوا كلية ابنه.

وتوضح عاصي: "يتم فرز محتويات صندوق النذور كل أسبوعين تقريباً. وبعد الانتهاء من الفرز، يقوم المسؤولون عن الصندوق بالتخلص من الأوراق والرسائل، وتحويل القطع الذهبية والأوراق المالية لوزارة الأوقاف".

المجلس الأعلى للعالم

المكوث عند الأضرحة لخدمة الأولياء ليس وليد المشاكل الاقتصادية الأخيرة. بل هو جزء من إرث البلد الشعبي، ومن العادات التي نمت مع أهله، لا سيما سكان المناطق الشعبية.

وقد كانت البداية عند بعض أهل الطريقة الصوفية في مصر  الذين يؤمنون أن للعالم مجلس حُكم غير المجالس المحلية والنيابية والتنفيذية، والمؤسسات المفوَّضة بحل مشاكل العالم والبلاد.

مجلس آل البيت هو مكان الحُكم الحقيقي الذي يُدبِّر الأمور ويُسيِّرها بحسب المصلحة الجماعية العامة للناس والعباد. ورئيسة المجلس، التي يُطلقون عليها "رئيسة الديوان"، هي السيدة زينب بنت الإمام علي بن أبي طالب، والسيدة فاطمة الزهراء.

يذهب مريدو وأتباع الطرق الصوفية إلى "رئيسة الديوان"، يُحكِّمونها في ما يطرأ على حياتهم من مشكلات وأزمات، ويطلبون منها، ومن آل البيت، المدد والعون، واثقين بأن لها يداً خفية في السيطرة على زمام الأمور وروابط الأشياء.

وقد صار هذا المُعتقد لدى عموم المصريين، وكثيراً ما تسمع مظلوماً يقول بثقة "هكنس عليك باب السيدة"، أي سيشكوه لدى رئيسة الديوان، بعد أن أعيته الحيل البشرية المادية.

نظرة ومدد

يتعرَّض الدكتور سيد عويس في كتابه "هتاف الصامتين" الصادر عام 2000، لتحليل العبارات التي يكتبها المصريون على سياراتهم، ودلالاتها، وما تعكسه من حالهم ورغباتهم ومخاوفهم.

تضمنت الدراسة الألفاظ الشائعة الدينية منها وغير الدينية. ووجد عويس أن أسماء أولياء الله والقديسين، من الألفاظ المتكررة، مثل: أم هاشم، الحسين، السيد البدوي، المتولي، مار جرجس، السيدة العذراء، المرسي أبو العباس، العدوي، الغريب، آل البيت.

وتقول الدراسة إن أكثر العبارات شيوعاً، هي تلك التي تطلب الستر والسداد من الأولياء، مثل: نظرة يا أم هاشم، نظرة يا شيخ العرب يا بدوي، نظرة يا ست "السيدة زينب"، يا حامي السويس يا غريب، نظرة يا بدوي جاب اليُسرى، يا أم المخلص خلصيني.

ويقول عويس إن معظم عبارات الابتهالات متكررة، وتحمل معاني التوجه إلى الله والنبي عليه الصلاة والسلام، وأهل البيت، والسيدة العذراء.

كنس السيدة لرفع ظلم الحاكم

التوجه للأضرحة لحل الأمور المستعصية ليس خيار الفئات الفقيرة أو البسيطة فقط، فقد استعان بها أعضاء حركة "كفاية"، أحد التيارات المُعارضة التي ظهرت ضد نظام مبارك، ووظفوا رمزية هذا الإرث الشعبي بشكل سياسي.

فنظموا فعالية لكنس باب ضزيح السيدة زينب ضد نظام وزير الداخلية آنذاك حبيب العادلي، عام 2005، حسب وكالة الأنباء الفرنسية "أ.ف.ب". وكان ذلك عملاً بالاعتقاد الشائع أن كنس الباب يرفع الظلم ويجلب الحق المسلوب.

وكان ذلك رداً على الاعتداءات التي تعرض لها أعضاء المجموعة في إحدى تظاهراتهم خلال العام نفسه. فتجمَّع نحو مئة شخص أمام الضريح رافعين مكانسهم ومطالبين بالتغيير.

حينما تضيق الدائرة، عليك بالأولياء

تنتشر في مصر رواية، لا نعرف مدى صحتها، تقول إن مكتب الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، أجرى استطلاعاً للرأي في الستينيات، لاستبيان الحالة العامة للمصريين، وما يعانونه وما يطمحون إليه.

كان الاستطلاع عن طريق قراءة عشوائية للرسائل، التي يلقيها الشعب في مقامات أولياء الله الصالحين، ويكتبون فيها مطالبهم.

ومن بينها رسالة من رجل يشكو للإمام الشافعي من الرئيس عبد الناصر والفقر الذي ألمَّ بالناس في عهده، ويطلب منه عشرين جنيهاً.

وصل الخطاب إلى الرئيس فأمر بإرسال عشرة جنيهات إلى الرجل. لم تمر إلا أيام قلائل حتى عثر مكتب عبد الناصر على خطاب جديد من الرجل نفسه يشكو فيه للإمام قائلًا: "يرضيك يا مولانا.. عبد الناصر ياكل عليا 10 جنيه؟".

فكلما ضاقت الدائرة على المصريين، اتجهوا أكثر فأكثر إلى العالم الروحي، واليد الخفية، التي يؤمنون بقدرتها على تسيير أمورهم، وإدارة حياتهم، بالعدل الذي يفتقدونه على أرض الواقع.

هبة أحمد حسب

صحفية مصرية ومترجمة، عملت مديرة المكتب الإعلامي لساقية الصاوي، وعملت محررة لموقع Mbc.net و The Cairopost وحاليًا أكتب لموقع "نون" و"عابر" .. لي مجموعة قصصية في الأسواق اسمها "جامع البنات"، عملت مصححة لغوية واشتركت في وضع المنهج الدراسي الخاص بمادة اللغة العربية للصف الأول الابتدائي، منهج موازٍ كانت تقوم الساقية بإعداده

كلمات مفتاحية
مصر

التعليقات

المقال التالي