"كانون النار" وسيلة التواصل الاجتماعي في غزة

"كانون النار" وسيلة التواصل الاجتماعي في غزة

يفاقم انقطاع التيار الكهربائي المتواصل منذ سنوات في قطاع غزة، معاناة سكانه، ويلقي بظلاله على جميع نواحي الحياة هناك. وفي إطار التأقلم مع تلك الحالة، بدأ الغزيون يستمتعون بالجلوس حول كانون النار (الموقد). وهو مجسم مستطيل أو مربع مصنوع من الصفيح.

ولكانون النار، الذي يستمتع الغزيون بالتحلق حوله في ليالي الشتاء الباردة، مهمات عدة، أبرزها بث الدفء في نفوس المجتمعين، خصوصاً في ظل موجة الصقيع التي تضرب المنطقة هذه الأيام، وإنارة المكان المظلم بسبب انقطاع الكهرباء.

طبعاً لا ينسى المجتمعون براد الشاي (الإبريق)، الذي تفحّم جراء وضعه على الجمر في كانون النار، ذلك الشاي بمذاقه الذي لا يعلمه إلا من تذوقه، «ثقيل يعدل المزاج».

وللخشب الذي يتم إشعاله في الكانون حكاية أخرى، فترى الأطفال في الشوارع يحملون إلى المنزل أي خشبة قد تصادفهم خلال لعبهم في الخارج، نظراً لغلاء أسعار الأخشاب المخصصة لهذا الغرض.

ومن أبرز القواعد التي يجب اتباعها خلال الاجتماع حول كانون النار، عدم إشعال السجائر من الخشب المشتعل، لأن ذلك إهانة لصاحب المجلس. كما لا يجوز رد كوب الشاي الذي يتم تقديمه للمجتمعين قبل الانتهاء من شربه. إلى جانب الإنصات للمتحدث، الذي يكون غالباً صاحب المجلس أو الأكبر سناً، مع مراعاة انخفاض الصوت لتفادي الإزعاج، خصوصاً أن النوم المبكر يعتبر سمة لأكثرية السكان في القطاع لعدم وجود كهرباء.

kanoun 3

إغراق القطاع في الظلام لدى الزيارات السياسية

يتذمر السكان من سوء توزيع الكهرباء في أنحاء القطاع، بسبب تقليل عدد ساعات وصل التيار على حساب ساعات انقطاعه، من دون أي توضيح أو إعلان مسبق من قبل شركة توزيع الكهرباء وسلطة الطاقة، التي تسيطر عليها حركة «حماس»، منذ انقلابها على مؤسسات السلطة الفلسطينية في يونيو 2007.

ومع بدء الزيارات التي تقوم بها الوفود السياسية إلى القطاع، خصوصاً الوفود القطرية والتركية، تتبع حركة «حماس»، سياسة «إغراق القطاع في ظلام دامس»، من خلال قطع التيار عن غالبية المناطق، في محاولة لتصدير تلك الأزمة إلى واجهة الأزمات التي يعانيها سكان القطاع. أما في الأيام العادية فتراوح مدة انقطاع التيار الكهربائي بين 12 و16 ساعة في اليوم الواحد.

أقوال جاهزة

شارك غردعن وظيفة أداة توقف الكثيرون عن استخدامها اليوم، ولكنها أساسية في حياة الغزّيين: كانون النار

شارك غرد4 إلى 8 ساعات كهرباء يومياً في غزة... كيف يتعايش أهالي غزة مع الوضع؟

عماد الشيخ خليل، صاحب مصنع خياطة في جنوب غزة، يقول لرصيف22: "لما تيجي الوفود السياسية على غزة، وبشكل خاص لما يجي السفير القطري اللي بيزور القطاع باستمرار، حماس بتقطع الكهربا على أغلب المناطق، لأنو هادا بيظهر معاناتهم بشكل أكبر قدام الدول اللي بتقدم الدعم لحماس، وهادا بيعني زيادة نسبة الدعم اللي بتستفيد منو الحركة وعناصرها بس (فقط)».

ويرى الشيخ خليل أن أزمة الكهرباء أزمة سياسية، ويستحيل حلها من دون حل كل الملفات السياسية المعلقة بسبب الانقسام الداخلي، منذ الانقلاب الذي قامت به حماس ضد فتح في غزة.

من المسؤول؟

فوجئ الفلسطينيون نهار الأحد بمكبرات الصوت تصدح في شوارع القطاع، داعية المواطنين إلى تظاهرة تنظمها الحركة، للتنديد بأزمة الكهرباء، التي وصلت إلى حد لا يطاق.

وقوبلت الدعوات بإطلاق النكات على مواقع التواصل الاجتماعي، باعبار أن سلطة حماس مسؤولة عن الأزمة. وترافقت تلك الدعوات مع حملات اعتقال قامت بها الأجهزة الأمنية التابعة للحركة، بحق عدد من المواطنين، الذين اعترضوا على الأزمة ونظموا احتجاجات.

وفي الوقت نفسه، تتنصل حركة "حماس" من أنها السبب الرئيسي لهذه الأزمة، التي باتت جزءاً أساسياً من حياة الفلسطينيين خلال السنوات الماضية. ويقول أحد كوادر الحركة في القطاع: "حماس لا علاقة لها بهذه الأزمة، إنما هذه ضريبة تدفعها الحركة بسبب مواقفها الرافضة للتنازل والتفريط عن الثوابت والمبادئ الفلسطينية".

ويضيف المصدر، الذي رفض الكشف عن اسمه: "الجميع يعلم أن السبب الرئيسي للأزمة هو سلطة رام الله، ورفض محمود عباس، تحمل أعباء قطاع غزة والمساهمة في الحصار المحكم الذي تفرضه إسرائيل على القطاع، والذي أدى بشكل أو بآخر إلى تدهور الحالة المعيشية في غزة".

في قطاع غزة، ثلاثة مصادر للطاقة، أولها محطة توليد الكهرباء، وتنتج نحو 100 ميغاوات، في حال عملت بكل طاقتها، والثاني هو خط «161» الإسرائيلي، ويولد 120 ميغاوات. والثالث هو الخط المصري، ويمد القطاع بـ28 ميغاوات.

إذاً إجمالي ما تولده مصادر الطاقة في القطاع، هو 248 ميغاوات. وعند توقف محطة التوليد تتوافر 148 ميغاوات، في حين يحتاج القطاع إلى 450 ميغاوات، وستصل عام 2020 إلى ما يقارب 820 ميغاوات.

kanoun 2

شموع الاحتفالات تحوّل حياة الأطفال جحيماً

«القيادات في غزة عندهم مولدات ضخمة بتنتج الكهربا وبتضوي بيوتهم وأماكن اجتماعاتهم، وبيطلبوا من السكان إنهم يصبروا ويصمدوا!». بهذه الكلمات لخص زهير محمد حالة الضجر التي يعانيها سكان القطاع، جراء الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي نحو 16 ساعة في اليوم الواحد. بالإضافة إلى عدم توفر المواد البترولية لتشغيل المولدات الكهربائية الصغيرة التي اشتروها من قوت أطفالهم ليضيئوا بها عتمة لياليهم الباردة.

دائرة السخط والغضب في أوساط الغزيين بدأت بالاتساع، مع تضخم تلك الأزمة، خصوصاً أن الكوارث التي أحاطت بحياة السكان بسببها لا تحصى. بدايةً من مقتل نحو 30 شخصاً بينهم 24 طفلاً، حرقاً بسبب الشموع التي يشعلها السكان في منازلهم لإنارتها، أثناء الليل، أو بسبب انفجار أحد المولدات الرديئة الصنع التي أغرقت أسواق القطاع.

آخر تلك الكوارث، كانت مطلع مايو الماضي، حين استيقظ سكان القطاع على فاجعة مؤلمة بوفاة ثلاثة أطفال أشقاء، حرقاً داخل منزلهم غرب مدينة غزة، بسبب استخدامهم الشموع للإنارة. يسرى (ثلاثة أعوام)، ورهف (عامان)، وتامر (شهران).

kanoun1

يقول محمد أبو شرخ، وهو يجلس حول كانون النار الذي أشعله على باب منزله، واجتمعت حوله مجموعة من الجيران: "عائلات كثيرة فقيرة ما بتلاقي الكهربا. إحنا وأطفالنا بنعاني الأمرين، خاصة لما يبدا الشتا. المسؤولين بيحاولوا يحققوا مكاسب سياسية وما بيعنيهم معاناة الناس. كل اللي بيعنيهم هو مصالحهم الخاصة ومصالح أحزابهم اللي وصلتنا لقاع البير (الحضيض). أي صمود اللي بيتكلموا عنو وبيطالبونا بيه في الوقت اللي هما ما بيعانوا من أي شي".

حسام خضرا

صحفي فلسطيني يعيش في القاهرة.

كلمات مفتاحية
غزة فلسطين

التعليقات

المقال التالي