من يشبه أمريكا أكثر: دونالد ترامب أم ميريل ستريب؟

من يشبه أمريكا أكثر: دونالد ترامب أم ميريل ستريب؟

"!Mamma Mia"... ما إن تلعب ميريل ستريب دوراً حتى يصبح جزءاً منها، يُحدّق العالم مشدوهاً بها وهي تغني، وهي صاحبة مجلة عريقة، وهي صارمة، وهي تلاحق حلمها بعدما تخلت عنه طويلاً، ليصدّق أن هذه هي ستريب نفسها، ولا أحد في الدنيا يمكن أن ينوب عنها في دور "المرأة الحديديّة".

ها هي في حفل تسليم جوائز "غولدن غلوبز" تؤدي دور البطولة في إلقاء خطبة "من قلب مكسور حولته إلى فن". نظرة الممثلين الموجهة إليها في القاعة، يتمنى كل شخص أن يحظى بها من أحد في حياته، أما الخطبة فبدت أشبه بتلك التي ألقاها البارع "آل باتشينو"، الكولونيل المتقاعد الضرير في فيلمه الشهير "عطر امرأة"، في مشهد المحاكمة في الكليّة.

اعلان


هاجمت ستريب الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب هجوماً لاذعاً، مصوّبة على نهج التنمّر والعنف الذي يتبعه. قالت إن "عدم الاحترام يُقابَل بعدم احترام. والعنف يجرّ العنف. وعندما يستغل أصحاب السلطة سلطتهم للتنمّر على الآخرين، فإن الجميع يخسرون…".

الحضور كله استمع لخطبة ستريب المتألقة في أواخر ستيناتها، وتفاعل مع دفاعها عن زملائها الممثلين الآتين من كل حدب وصوب، في وجه رغبة ترامب بطرد "الغرباء" و"المهاجرين".

لم يأت ردّ ترامب عليها غريباً عما اعتدناه، إذ وصفها بـ"الممثلة المبالغ في تقديرها"، وبأنها "واحدة من تابعات (خادمات) كلينتون التي خسرت". كيف لا؟ وهو لم يتوان حتى عن انتقاد المناضل والمفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي مهنئاً "بينيتو" (موسوليني تحبباً) بسجنه.

بدا المشهد هوليوودياً بامتياز، فيه تنقسم الصورة بشكل حاد بين الأبيض الذي يمثل الأخيار الطيبين دائماً (ستريب) وبين الأسود الذي يُظهر قباحة الأشرار (ترامب).

ربما الأمر الوحيد الذي كان ناقصاً في تلك الصورة الهوليوودية هو بطولة الرئيس، التي احتفت أفلام السينما الأمريكية بها دائماً كما في "يوم الاستقلال" و"الرئيس الأمريكي" و"سقوط البيت الأبيض" وغيرها. فهنا يخالف ترامب الصورة الهوليوودية الأمريكيّة.

ولكن السؤال الأساسي: هل يخالف ترامب صورة أمريكا الحقيقية في الداخل وحول العالم، وهل تمثلها ستريب خير تمثيل؟ لا يبدو الأمر بهذه البساطة "الورديّة" التي تسعى هوليوود، بعمق ارتباطها السياسي بالإدارة الأمريكية، لترسيخها حول العالم.

أقوال جاهزة

شارك غرد"من يستمع لخطاب ميريل ستريب يعتقد أن أوباما كان غاندي وأن هيلاري كلينتون هي الأم تريزا" هل توافقون؟

لم يكن هجوم ستريب، صاحبة النشاطات السياسية المتعددة، الأول على ترامب، فهي كانت قد قلدته سابقاً بشكل ساخر عبر ارتداء ملابسه ونسخ لون بشرته "البرتقالي" وشعره. وسافرت في رحلة مع السيدة الأولى السابقة ميشيل أوباما من أجل تمكين النساء، كما احتفت بحرارة بمشاركة هيلاري كلينتون في الانتخابات واعتبرت أن النساء "يصنعن المستحيل"، كذلك عبرت عن إعجابها الشديد بالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.

وهي ليست الوحيدة في مواقفها السياسية، فالكثير من الفنانين الأمريكيين عبروا عن دعمهم لكلينتون، وهددوا بالهجرة من أمريكا في حال فوز ترامب.

لا ينكر أحد تأثير ستريب ودورها، كما يجمع كثيرون على حسن نيتها في هجومها على ترامب ويثنون على خطابها الذي يصور الواقع. لكن ثمة في المقابل أشخاصاً كثراً رأوا أنه آتٍ من عالم هوليوود الموازي الذي لا يعرف شيئاً عن الواقع، ويحاول أن يوهم الناس أن سبب كل مشاكل أمريكا هو ترامب.

يقول أحد الناشطين، في تسجيل مصوّر، إن من يستمع لخطاب ستريب يعتقد أن أوباما كان غاندي أمريكا وأن هيلاري كلينتون هي الأم تريزا. العنف قادم مع ترامب؟ ولكن ثمة سبع دول في الشرق الأوسط تقصفها أمريكا أو تشارك في قصفها. ماذا عن التدخل في بلدان وتغيير أنظمتها ثم تركها مسرحاً لكل أشكال العنف والإرهاب؟ هل تعرف ستريب أي شيء عن هذا، عما يجري في سوريا أو في الشرق الأوسط؟ يتساءل الناشط.

وفي ما يتعلّق بشؤون الداخل، يتساءل هل تعرف تلك الطبقة الهوليوودية المترفة شيئاً عما يدور على أرض الواقع الفعلي؟ هل تتابع ارتفاع معدلات الجريمة في شيكاغو؟ هل تعرف ماذا يريد المواطن العادي وما هي مشاكله؟ ليقول لاحقاً، إن وصول كلينتون ربما كان ليفيد هذه الطبقة ولكن لا فرق كبير بينهما بالنسبة للناس العاديين، أما المشكلة فهل تُحلّ حقاً برحيل ترامب؟

وكانت صحيفة "نيويورك تايمز" علقت على الحرب الجديدة التي بدأت على منصة غولدن غلوب. وأوضح ترامب في اتصال سابق للصحيفة قائلاً "لا يدهشني أن أتعرض للهجوم من شخصيات سينمائية ليبرالية"، مضيفاً "الناس يواصلون القول إنني قصدت السخرية من إعاقة الصحفي، وكأن ميريل ستريب وآخرين بإمكانهم أن يقرؤوا أفكاري. لم أقم بذلك قط"، وذلك رداً على اتهام ستريب له بالسخرية من صحافي معوّق.

في كلّ الأحوال، قالت الصحيفة إنه لم يعد خافياً استخدام هوليوود لمسرح "غولدن غلوب" من أجل شنّ هجوم على ترامب، ولكن هل يصبح ذلك خطاً في السينما الأمريكيّة؟ وهل يمكن لجميع الممثلين تحمّل عبء الصراع مع الرئيس في حقل قائم على العلاقات الجيّدة مع الإدارة؟

وقالت منتجة فيلم "إنسكيور"، الذي يروي قصة فتاة شابة من السود تصارع من أجل العمل والحب في لوس أنجلس، وتدعى راي إن هناك تصوراً بأن الجميع في هوليوود على الموجة نفسها، ولكن الأمر غير صحيح. الواقع أن هؤلاء هم "مجموعة من الطبقة الغنية في نهاية المطاف، ولا يمثلون الجميع". وقال إدي ردماين إن الخطاب كان "مؤثراً بشدة"، لكن لا ينبغي على الجميع أن يتبعه.

ورأي البعض أن العنصرية التي صوبت عليها ستريب قد تكون ازدادت قليلاً بعد فوز ترامب، لكنها لم تأت من فراغ، فهي في أساس بناء أمريكا. وقد يكون ذلك ما لعبه الإعلام بعد فوز ترامب لدى الإضاءة على الممارسات العنصرية، ما جعلها تبدو فاقعة أكثر، مع أنها موجودة هناك على الدوام.

في المقابل، أوحت ستريب أن الأمر كان جيداً إلى أن أتى ترامب، بينما كانت تعرض أسماء الممثلين الآتين من بلدان عديدة.

وعلى سيرة الممثلين، أثار أيضاً ذكر ستريب لنتالي بورتمان المولودة في القدس، انتقاد بعض المعلقين على "وعي ستريب السياسي" المحصور بقضايا معينة ترى فيها ضرورة محاربة العنف والإرهاب، من دون أن تذكر ممارسات العنف الحاصلة في الخارج كفلسطين المحتلة أو الشرق الأوسط، والتي كان لواشنطن (ممثلة بأوباما وكلينتون وغيرهما) دور مباشر أو غير مباشر في حصولها.

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

التعليقات

المقال التالي