بعيدا عن الجنس والتسلية، لتطبيقات المواعدة جانب إنساني

بعيدا عن الجنس والتسلية، لتطبيقات المواعدة جانب إنساني

في مدينة قابس بالجنوب التونسي، ترتدي رحمة محمد ( 19 عاما) عباءتها السوداء وتتجه بصورة يومية بعد عودتها من الجامعة لشراء الخبز للعائلة.

يخصص لها والدها خمسة عشر دقيقة فقط لإتمام عملية الشراء، وينتظرها حتى تعود ضمن هذا الوقت، وإلا تعرضت للعقاب.

قد يتنوع العقاب بين الحرمان من محادثة أصدقائها طوال الأسبوع ويصل أحياناً للضرب الخفيف.
هناك، وعلى بعد 400 كلم من العاصمة، يتسم المجتمع الذي تسكنه رحمة بالمحافظة على العادات الإسلامية خصوصاً فيما يتعلق بعلاقات الشباب والفتيات. مثله كمعظم مدن الجنوب التونسي. مما يجعل فرص التعرف على شاب والتحدث معه ضئيلة للغاية.

لذلك تزور رحمة "تطبيقات المواعدة" على الهواتف المحمولة، وتجد في مغازلات الشباب عبرها متنفساً تشعر من خلاله بأنوثتها التي تصفها بـ"المفقودة".

مجتمعات محافظة

مثلها الكثير من أبناء هذه المنطقة ومناطق عربية أخرى تتسم بالمحافظة، إذ تعد Et3araf وTinder وSalamz وغيرها من التطبيقات فرصة للتعارف بين اشخاص يتشاركون نفس الأفكار والرؤى، ومساحة لاختيار الشركاء الذين يودون قضاء وقت قصير ممتع.

خلف هذه التطبيقات قصص إنسانية ولدت نتيجة الظروف الاجتماعية والاقتصادية في بعض المناطق العربية.

واعدت رحمة 20 شاباً على الإنترنت ولكنها رفضت مقابلتهم جميعاً وجهاً لوجه، وتقول إنها ترفض الجنس قبل الزواج. "أريد فقط أن أشعر بأنوثتي وأسمع كلمات مغازلة تدغدغ مشاعري... لا شيء أكثر".

"لا أتذكر أنني سمعت في حياتي كلمة حلوة من شاب على أرض الواقع... انا باهية (جميلة) ولكن لا أشعر بأنوثتي، على العكس في هذه التطبيقات، تشعرني بأنني استعيد روحي وشخصيتي" تقول رغدة من تونس، والتي يرقص فؤادها لكلمات الإطراء رغم ثقتها بأن معظم الشباب ليسوا جادين وإنما يبحثون عن التسلية.

المغازلات اللطيفة ليست وحدها الدافع وراء استخدام الفتيات العرب لتطبيقات المواعدة. فهناك أسباب أخرى قد تجعل الفتاة تفقد الاهتمام في التعرف على رجل من خلال حياتها اليومية، وتتجه إلى تطبيقات على الهاتف المحمول.

تأخر سن الزواج

تعيش يسرا أمين (22 عاماً) في مدينة مراكش المغربية وتحاول يوميا أن تتزين بصورة مثيرة للشباب.

تلتقط صور أنيقة جيدة الجودة من أجل نشرها على حسابها الشخصي بموقع Buzz arab المخصص للزواج في المنطقة العربية.

سمِعَت كثيراً عن الموقع، الذي يقول القائمون عليه بأن نحو 500 قصة زواج ناجحة بدأت من خلاله، ما أعطاها جرعة حماس عالية. غالبية الفتيات في الموقع من المغرب ومن ثم تونس فالجزائر ومصر والأردن.

يبدوا حال يسرا التي درست الطب البيطري أفضل من رحمة وفتيات أخريات، كونها تستطيع أن تواعد الشباب دون سلطة أسرية تقيد من تحركاتها، ولكنها اختارت أن تبحث عن شريك حياتها على الإنترنت بعد سلسلة من العلاقات الفاشلة في الواقع.

"هنا في المغرب، الشباب لا يتزوجون. التكاليف المعيشية ترتفع بصورة يومية والفقر ينتشر في مناطق واسعة، الشباب لا يستطيع الإيفاء بمتطلبات الزواج ولذلك أنا أبحث عن شريك من جنسية عربية أخرى" تقول يسرا وهي تشير إلى عشرات المحادثات على هاتفها النقال.

أشارت إحصائية رسمية لعدد السكان في المغرب عام 2014، قدمتها المندوبية السامية للتخطيط (مؤسسة عمومية)، إلى ارتفاع ما يعرف بنسبة العزوبة النهائية، أي الأشخاص الذين لم يتزوجوا رغم وصولهم إلى سن 55، فقد وصلت إلى 5.9% من النسبة الإجمالية لعدد العزاب، بينما لم تكن تتجاوز عام 2004 الـ3%.

أقوال جاهزة

شارك غرد"تشعرني بأنني استعيد روحي وشخصيتي" في المجتمعات المحافظة تطبيقات المواعدة هي الشباك الوحيد.

شارك غردبعيداً عن الجنس والتسلية، لم يستخدم العرب تطبيقات المواعدة؟

تقول يسرا بأنها تلقت عروض زواج من شباب سعوديين ولكنها رفضت لأن أغلبهم لم يكونوا عزاب.

هي لم تجد شريك حياتها بعد، ولكنها تؤمن أن هذا التطبيق سوف يساعدها. وتروي قصة قدوم شاب عراقي الجنسية من ألمانيا لرؤيتها على أرض الواقع، ولكنهما اختلفا بسبب ما تصفه بتحرره المبالغ فيه، فهو يحتسي المشروبات الكحولية يومياً. لكنها مستمرة في التواصل مع شباب آخرين حتى تجد الشخص المناسب.

تضع 4 صور لوجهها فقط وصورة واحدة توضح هيكل جسدها. لا تمانع في إرسال مزيد من الصور للشباب الذين يبدون جدية في الارتباط وتقول إنها تبحث عن الزواج فقط ولا تقبل أن تضيّع وقتها مع شباب يريد التسلية.

"أستطيع أن أعرف إذا كان الشاب مهتماً بالزواج أو فقط يريد التسلية، منذ أول محادثة، إذ يتضح غرضه من طريقة تعريفه بنفسه".

تقول يسرا إن معيارها الأول في الاختيار هو إطلالة الشاب.

وتوضح: "لن أكذب وأقول إنني لا أبحث عن شاب جذاب. ومتأكدة أن هذا الشاب الجذاب، يتحدث مع عشرات الفتيات الأخريات، ولا يمكن أن يكتفي بواحدة، لكنها غريزة لا نتحكم بها، وتجعلني أشعر بأنني المرأة الوحيدة في حياته، قبل أن أعود لأكتشف الحقيقة، حين ألقي نظرة على حسابه على الفايسبوك أو يمل من محادثتي".

المطلقات مرفوضات

تعيش ناريمان وهي فتاة مصرية، معاناة مختلفة جعلتها تحصر علاقتها بين الشباب على شبكة الإنترنت.

فقد تطلقت ناريمان، التي ولدت في محافظة المنيا، منذ 3 سنوات وتعيش في مجتمع لا يتقبل، بحسب وصفها، فكرة الزواج من الفتاة المطلقة.

تقول: "أتمتع بخفة دم وطلة جميلة وحاصلة على شهادة تعليم عالي لكنني مطلقة، أنا مجرمة بالنسبة للمجتمع هنا".

تخفي عن أسرتها زيارتها لتطبيقات المواعدة، معرفتهم بذلك ستجعلهم "يتخلصون منها".

وتضيف: "لا بيرحموا ولا يسيبوا رحمة ربنا تنزل"، فهم يضغطون عليها ويوجهون اللوم لها بسبب طلاقها، وفي الوقت نفسه لا يسمحون لها بالانفتاح على الشباب.

"عايزني أتجوز تاني صالونات (زواج تقليدي) علشان أتطلق تاني"، تضيف.

لكن الشهر الذي قضته على التطبيقات، أطاح بأملها في إيجاد شريك حياتها المقبل، إذ وجدت أن غالبية الشباب يبحثون عن الجنس أو التسلية على حد وصفها، وتندم لإرسال صورة شخصية للشباب خشية أن يستخدمونها لابتزازها.

لا بديل آخر

وفي السعودية، تشعر بعض صديقات فرح زهاء، وهي فتاة فلسطينية درست الترجمة في جامعة الملك عبد العزيز بجدة، بالغرابة لأنها تستخدم تطبيق مواعدة.

عمرها 22 عاماً، عينانها خضراوان، شعرها أشقر وملامحها جميلة. وتترك صورتها التي تضعها على التطبيق، الشباب في حالة شك، فيجزم الكثير منهم أنه حساب مزيف أو صورة غير حقيقية.

تؤكد فرح أن الصور حقيقية، والحساب غير مزيف، لكنها ولدت لأسرة فلسطينية لا تملك جوازات سفر، بل وثائق سورية تمكنهم من الحركة والسفر.

وقد هاجر والديها اللذان يعملان في مهنة الصيدلة إلى الرياض قبل نحو 40 عاماً، ولكنها لا تستطيع أن تسافر بسهولة خارج البلاد، وتخشى من مواجهة بعض المشاكل حين عودتها، وتقول إن هذا السبب الذي يجعلها تبحث عن شريكها على الإنترنت.

اللاجئون وفرص الزواج

بالنسبة إلى حالات كثيرة، أبدت تفاؤلها من تلك التطبيقات، ترى رغدة اللاجئة السورية في ألمانيا أنها "مجرد كلام فارغ".

وتقول رغدة، التي وصلت إلى ألمانيا قبل عامين، إن فرصة الزواج هناك لا تبدو سهلة، خصوصاً أن غالبية الشباب السوري لا يملك وظائف وعمل، لذلك تبحث عن شاب يستطيع إعانة أسرتها التي مازالت تعيش في أرض النزاع بحلب.

توضح أن حبيبها توفي قبل عامين خلال الحرب، وتحاول البحث عن فرصة جديدة في الحياة، بعد أن استطاعت الهروب من سوريا.

وتقول: "تحدثت مع عشرات الشبان. أجريت نحو 22 اتصال بشباب من دول مختلفة. أستطيع أن أقول الآن إنها تضييع للوقت وعقولهم خاوية".

إسلام الزيني

صحفي ومنتج تلفزيوني، عمل في شبكة الجزيرة الإعلامية سابقاً وهو مراسل لصحف ووكالات أنباء بريطانية. ينتج تحقيقات إستقصائية حول قضايا حقوق الإنسان والفساد في الشرق الأوسط.

التعليقات

المقال التالي