"البِشعَة" أو حين تلعق قضيباً حديدياً مغمّساً بالنار لإثبات براءتك

"البِشعَة" أو حين تلعق قضيباً حديدياً مغمّساً بالنار لإثبات براءتك

"البِشعَة". كلمة لطالما رأيناها على جدران الشوارع المؤدية إلى وسط القاهرة. وفي كل مرة نقرأ فيها تلك الكلمة يزداد الفضول لمعرفة المعنى الكامن وراءها، فهي تبدو كإعلان تشويقي لشيء مجهول قد يتم الكشف عنه في أي لحظة.

image3

اعلان


وعند السؤال عن المصطلح وانتشاره على بعض الجدران إلى جانب رقم هاتف، تكون الإجابة: "هوا عبارة عن طقس بينعمل عند بعض الشيوخ عشان يكشفوا الحرامية".

image2

تطرح تلك الإجابة تساؤلات عدة. أردنا معرفة المزيد عن ذلك الطقس، فاتصلنا بالرقم المرفق بالإعلان. كان المجيب الشيخ "جلال العيادي"، من منطقة يطلق عليها اسم «كفر طهرمس»، وهي إحدى المناطق العشوائية التي تتبع محافظة الجيزة. رحب الشيخ جلال حين علم أننا ننوي زيارته للحديث عن تفاصيل جلسات القضاء العرفي، الذي يحتكم إليه الناس للفصل في ما بينهم، فقرار القضاء العرفي نهائي وغير قابل للنقض أو الاستئناف.

في حضرة الشيخ جلال

ترقب وخوف ودقات قلب تتلاحق، لكن محمد لا يتردد، وفي ثوانٍ معدودة، بأن يلعق ذلك القضيب الحديدي، الذي تم غمسه بالنار على مدار نصف ساعة، يلعقه ثلاث مرات متتالية. مضى الوقت رتيباً قبل أن يقوم محمد بإخراج لسانه من فمه أمام الحاضرين، لرؤية ما إذا كان قد أصابه الحرق أم لا!

«بريء»... هذا ما نطق به الشيخ جلال، بعد أن ألقى نظرة على لسان محمد، ولم يلحظ عليه أي تأثر جراء لعقه للقضيب الحديدي الملتهب. لترتسم بعدها البسمة على وجوه الحاضرين، بعد أن تمت تبرئة محمد من تهمة السرقة الموجهة إليه.

«البِشعَة»

هي مهنة تقتصر طقوسها على عدة أشخاص في شبه جزيرة سيناء، والمناطق الريفية والشعبية في مصر، وعدد من الدول العربية. وتعتبر «البِشعَة»، إحدى وسائل التحكيم بين المتخاصمين، خصوصاً في قضايا السرقة. فيها يحتكم المتخاصمون للنار في الفصل بينهم. ويقوم هذا الطقس على «كي» لسان المتهم بقضيب حديدي شديد السخونة، فإذا كان كاذباً سيحترق لسانه، وإن كان صادقاً فلن يصاب بسوء. ويقام هذا الطقس عند حكم متخصص يسمى «المُبَشِع»، وهو شخص يناط به تنفيذ أحكام القضاء العرفي (العشائري).

أقوال جاهزة

شارك غردعن "البِشعة"، طقس يقوم على كَيّ لسان المتهم بالسرقة بقضيب حديدي شديد السخونة، لمعرفة إن كان الفاعل!

وفي تعريفه للبِشعَة، يقول الباحث في التراث "سليم المبيض"، إنها محكمة عرفية يتم خلالها إثبات أو نفي تهمة معينة، موجهة من طرف إلى طرف آخر، من خلال قيام المتهم بلعق قطعة حديدية تتوهج من شدة سخونتها.

ويضيف المبيض: «اشتق إسم البِشعَة من بشاعة الموقف، إذ يتعرض المتهم لموقف مخيف، وبناءً عليه يتقرر مصيره سواء بالبراءة أو الإدانة. كما أن حكم المُبشِع غير قابل للنقاش».

ويتم الاحتكام إلى «المُبَشِع»، في القضايا «المُنكَرَة»، التي لا يتوفر فيها شهود أو بَيِّنَة جلية. فعند مثول الطرفين أمام القضاء العرفي، وإنكار المتهم ما وجه إليه من اتهامات من قبل خصمه، وبناءً على طلب المدعي أو المدعى عليه، يتم إحالة الأمر إلى «المُبَشِع»، لعدم تمكن أي طرف من إثبات أو نفي التهمة.

وفي حال رفض أي من الطرفين القبول بـ«البِشعَة» كـ«حل»، يقوم القضاء العرفي بتحديد إحالة القضية للمُبَشِع، من عدمه.

من الصادق ومن الكاذب

عن تفسير تلك الطريقة بالتحكيم، يقول المبيض: «يفسرها المُبَشِعون بأن الصادق تكون أعصابه هادئة وفمه مليء باللعاب، الذي يقوم بتكوين عازل بين لسان المتهم والقضيب الحديدي الساخن. أما الكاذب فيكون لديه نوع من الاحتقان والتوتر، وهذا يقلل من نسبة إفراز اللعاب في الفم، وحالما يلعق القضيب الملتهب يتعرض لسانه للحرق».

الشيخ جلال، الذي لا يتوانى عن غمس «البِشعَة» في موقد الفحم أمامه، يبدأ هذا الطقس بقوله: «فلان الفلاني ما سرق ولا سَـلَط ولا يعرف مين اللي سرق». ويتم بعد ذلك قراءة الفاتحة، «بنية إظهار الحق الذي يرضي وجه الله» على حد تعبير الشيخ.

أكد الشيخ جلال أنه لا يمكن العودة عن البشعة، لأن التراجع يعني الفضيحة أمام العشيرة، وإدانة المتهم بالجريمة.

وعلى النقيض من ذلك، يقول الدكتور "رمضان عبد الرازق"، عضو اللجنة العليا للدعوة بالأزهر، إن البِشعَة محرّمة، وهي نوع من أفعال الجاهلية، وتعتبر أيضاً جريمة لأنها قد تتسبب بعاهة، تماماً كتهمة ضرب أفضى إلى عاهة.

ويضيف عبد الرازق: «حين أقوم بتسخين قطعة معدنية وأضعها على لسان أو يد أو وجه إنسان، من المؤكد أنه سيتعرض للحرق. وهذا أمر غير مقبول لا بالدين ولا بالعرف أيضاً».

وبينما تتباين الآراء حولها، إذ يرى البعض أنها مخالفة للشرع والقانون، ويرى آخرون أنها ضرب من ضروب السحر والدجل، إلا أنها تبقى الملاذ الأخير للفصل بين الخصوم في بعض المناطق الخاضعة لسلطة العشيرة أو القبيلة.

حسام خضرا

صحفي فلسطيني يعيش في القاهرة.

التعليقات

المقال التالي