قصص تظهر غياب العدالة في توزيع المساعدات الخاصة باللاجئين

قصص تظهر غياب العدالة في توزيع المساعدات الخاصة باللاجئين

من السهل أن يجد أي مهتم بقضايا اللاجئين السوريين، قصصاً كثيرةً على مواقع منظمات الإغاثة، التي توّثق الأثر الإيجابي الذي تصنعه المساعدات في حياة أولئك الذين فقدوا بيوتهم، ومصادر عيشهم في بلدهم الأم. لكن أصوات من لا تصلهم المساعدات، أو قُطعت عنهم لسببٍ يجهلونه، هي التي لا تُسمع.

لا يُنكر أي مراقب تبعات الأزمة وصعوبة التعامل معها، فهناك نحو 656 ألف لاجئ مسجل مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين حتى شهر أكتوبر 2016. وتستشهد الحكومة الأردنية برقم أكبر بكثير في تصريحاتها المتكررة، يصل إلى مليون و300 ألف، يعيش 93% منهم تحت خط الفقر الأردني، وخارج المخيمات، بحسب المفوضية.

تتكرّر مصطلحات مثل "بصمة العين" التي يتلقى بموجبها اللاجئ مساعدةً شهريةً من المفوضية، والكوبونات وغيرها، في أحاديث اللاجئين. فلا تهدأ شكواهم من عدالة مفقودة في التوزيع.

معايير مثالية ولكن المقيّم "بني آدم"

يقول سامر*، الذي يعمل في منظمة تقدّم المساعدات للاجئين السوريين، إن المعايير تبدو لمن يقرأها، كأنها "جاي من عند ربنا"، إلا أنها تخضع في النهاية لمزاجية موظف يدخل بيوتهم، فيرى أنها في حالة سيئة للغاية، ثم يشاهد مثلاً "تلفزيوناً أو هاتفاً ذكياً، ويقرّر أن سكان هذا البيت أو ذاك ليسوا بحاجة. فهو لا يدرك أن شخصاً منهم، قد يبيع كل شيء لشراء هاتف ذكي يتواصل به مع أقاربه في الداخل السوري، فيضع له علامة متدنية في التقييم، لا تؤهله للحصول على مساعدة".

وتضيف سيرين*، التي تعمل أيضاً في منظمة مانحة، أن وجود ابن أو ابنة في الجامعة، قد يُشعر المقيّم أن العائلة ليست بحاجة لمساعدة، بغض النظر عن بقية تفاصيل ظروفها. فقد يعتبر أن ابن البلد لا يستطيع الدراسة في الجامعة، ولا يكلّف نفسه عناء التمحيص ومعرفة إذا كانت العائلة تدفع هذه الأقساط بنفسها، أو أنها مغطاة من منحة دراسية مثلاً، قبل أن يقرر حرمان الأسرة من المساعدة.

العدل بين أسرة تترأسها امرأة وأخرى يترأسها رجل لا يعمل

يتعرّف نظام المساعدات بسهولة على الأسر التي تترأسها امرأة، ويكون زوجها غائباً، مقارنة بآخرين. ويحدّدها كفئة محتاجة للمساعدة، إلا أنه قد لا يكتشف دائماً مكان وجود الزوج. قد تكون السيدة وحيدة بالفعل مثلاً، لكن زوجها يعمل في دولة في الخليج، ويزورها بين الحين والآخر، جالباً معه سيارته الفارهة التي يعرض على الجيران والأصدقاء استخدامها خلال وجوده في الأردن، بحسب سامر، الذي يقول: "قد تكون الأسرة تترأسها امرأة، ولكنها ليست محتاجة بالفعل".

في مقابل زوجات المغتربين، اللواتي يتقاضين مساعدات لسن بحاجة إليها، هناك سيدات كثيرات برفقة أزواجهن، يعشن في حالاتٍ صعبة للغاية. لكن عيون أفراد أسرهن إما مرفوضة في نظام بصمة المفوضية، أو أن حالهن لا يقنع المنظمات الأخرى، ومنهن ريم التي التقتها رصيف22.

دخلت ريم إلى الأردن عام 2013، ورفضت المفوضية تقديم المساعدة لأسرتها بدون توضيح السبب، على الرغم من تعاسة المنزل الذي زارهم فيه موظف التقييم، بحسب ما تقول. "فلم يكن لدينا حتى ثلاجة، والرطوبة في البيت واضحة".

أقوال جاهزة

شارك غردمن الخارج يبدو عاملاً في مجالٍ إنساني، ولكن من الداخل هو مجرد موظف يتعامل مع أرقام.. أزمة يواجهها اللاجؤون

شارك غردلماذا يحتاج من يملك هاتفاً ذكياً إلى مساعدة؟ لا يدركون أن الشخص قد يبيع كل شيء لشراء ما يتواصل به مع أقاربه في سوريا

يعمل زوج ريم الذي يعاني من الانزلاق الغضروفي أياماً قليلة في الشهر الواحد، بحسب قدرته على تحمل الألم في الظهر والرقبة. لكنها تقول: "في أكثر الأحيان مكسور علينا إيجار البيت".

منذ عام 2013 حتى هذه اللحظة، اضطرت ريم وأسرتها إلى تغيير 11 منزلاً بسبب عدم القدرة على سداد بدل الإيجار. وهناك مالكان اثنان لا يزالان يطالبانها بدفع الإيجار. تثق ريم بأن المسؤولين "لا يعرفون وضع الناس الحقيقي، وإلا لكانوا عدلوا بين السوريين".

"زوجة شهيد"

للمفارقة، يقول محمد، وهو ناشط وعامل في مجال الإغاثة الإنسانية في إربد، إن "شهادة الوفاة تفتح أبواباً للعائلة، لأن المتبرعين يهتمون بأفرادها. تحصل السيدة على كفالة يتيم لأبنائها ولها، وتأخذ مسكناً، وتكون الرقم واحد بكل المساعدات التي يمكن أن تقدمها المنظمات".

ويضيف علي، الذي يساعد محمد ويتطوّع معه في مبادرات عديدة لخدمة اللاجئين، أن هذه الميزة جعلت حالات كثيرة تكذب، وتدّعي أنها "زوجة شهيد"، وهي ليست كذلك.

ضمن مبادرة هدفت إلى توثيق أسماء القتلى والمعتقلين، تعامل علي مع حالة ادّعت أنها "زوجة شهيد"، وتسكن في "سكن الشهداء"، الذي تكفّل به متبرعون فرديون، على الرغم من ثبوت أن زوجها على قيد الحياة في سوريا، بعد التدقيق مع اللجان المحلية في الداخل السوري. بل إنها ترسل له من المال الذي تتقاضاه من المساعدات بصفتها أرملة وزوجة شهيد، يؤكد علي.

كيف تتم عملية التقييم؟

يوضح الناطق الإعلامي باسم المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في الأردن، محمد الحواري لرصيف22، أن عملية تقييم حاجة الأسرة للمساعدة المالية الشهرية، تتم بعد زيارة منزلية باستخدام برنامج متخصص، يحتوي على 800 عنصر مختلف للتقييم، لا يمكن التلاعب بها. ويحق لكل لاجئ تم إيقاف المساعدة له أو لم تصله، التقدم بطلب للنظر في حالته.

ويضيف: "أكثر من 80% ممن هم تحت خط الفقر، أصبحوا يعيشون في فقر مدقع. وبسبب نقص المساعدات، نحن مضطرون لصرف المساعدة لمن هم ضمن فئة الأكثر احتياجاً، إذ يبلغ عدد الأسر السورية المستفيدة حالياً 30 ألفاً، وتوجد قرابة 9 آلاف أسرة على قائمة الانتظار".

رداً على حصول غير المحتاجين على المساعدات، قال الحواري "إن المفوضية تبذل كل جهد للتحقق من المعلومات، لكن هنا يقع جزء من المسؤولية على اللاجئين، إذ عليهم إيصال المعلومة الصحيحة، حتى نتمكن من مساعدة الجميع في محنتهم".

أما سامر، فيلخّص الحديث بتقسيم اللاجئين إلى قسمين، منهم "المتعفّف" الذي يضيع حقه وينتظر الإجراءات لتسير وفق المعتاد، ومنهم "الفهلوي" الذي يعرف مثلاً أن المنظمات التي تقدم خدمات السكن تعطي الأولوية للمهدّد بالطرد من البيت الذي يسكنه، فيتفق مع المالك على رفع دعوى، ويجلب إذن الطرد وينتقل إلى بيت آخر تدفع إيجاره المنظمة، بينما هو في الواقع على علاقة جيّدة بالمالك، لكنه يريد تسريع الإجراءات.

تكثر قصص المتعفّفين، الذين يضطرون لمراجعة المنظمات وتكبّد رسوم المواصلات، والتوسل للموظفين بالدعوات لهم ولعائلاتهم لإدخالهم إلى أي شخص أعلى منهم، يشرحون له حالتهم بالتفصيل. لكن الموظف في الغالب، غير معني بالتفاصيل.

يقول سامر "من الخارج يبدو عاملاً في مجالٍ إنساني، ولكن من الداخل هو موظف، يتعامل مع أرقام وأعداد المستفيدين، ويريد لهذا العمل أن يستمر حتى يستطيع تأمين تبرعات للعام المقبل ويبقى في عمله".

*أسماء مستعارة بناءً على طلب أصحابها

لينا شنك

صحفية ومترجمة أردنية حاصلة على شهادة البكالوريوس في العلوم السياسية. تهتم بالكتابة التي توّثق تجارب الناس وحكمتهم مهما كانوا بسطاء. تهوى تعلم اللغات ومراقبة المارة في كل مكان، والبحث عن المشترك بين الناس في كل أنحاء المعمورة.

كلمات مفتاحية
اللاجئون السوريون

التعليقات

المقال التالي