قرار زواج أهل السعودية من غيرهم ليس محفوفاً بالورد

قرار زواج أهل السعودية من غيرهم ليس محفوفاً بالورد

حين أراد عبدالعزيز (27 عاماً) الارتباط بالفتاة التي يحبها في جدة، ادّعى أنه عاجز جنسياً. بحث عن طبيب يعطيه تقريراً كاذباً، يثبت فيه أنه مريض، ولن يتمكن من معاشرة زوجته. وبذلك كان باستطاعته تسريع معاملات الزواج، والحصول على الموافقة لزواجه نهاية الأمر.

إذا كنت مواطناً سعودياً، فارتباطك بشريكة حياتك قد يغدو عملية بسيطة إذا كانت تحمل الجنسية نفسها. فالإجراءات المعتادة، وعلى رغم ارتفاع كلفتها المادية، تتخللها زيارات متبادلة بين أهل العريس وأهل العروس، يتم خلالها اتفاق على تحمّل تكاليف الزواج وتوزيعها. وأخيراً حضور المأذون الشرعي لعقد الزواج.

اعلان


تتغير هذه الخطوات إذا كان أحد الطرفين لا يحمل الجنسية السعودية. فإذ ذاك يحتاج الأمر إلى تصريح.

زوجة عبدالعزيز لم تكن سعودية

كان على عبدالعزيز التقدّم بطلب موافقة على ارتباطه هذا من لجنة الزواج في إمارة المنطقة التي تتبعها مدينته، أي إمارة مكة المكرمة، وهو ما فعله مراراً لكن بلا جدوى.

بهذه الخطوة تبدأ مسيرة الطلب، الذي يمرّ بقسم الشرطة، ويعود إلى الإمارة مرة أخرى، ثم إلى وزارة الخارجية. ليحط أخيراً في المحكمة لعقد القران.

وفي كل خطوة لطلب هذه الموافقة النهائية، تقوم الجهة المعنيّة بطلب بعض المستندات الرسمية، واثباتات متعلقة بالسكن والعمل، وغيرها من الأمور. إضافة إلى التحقق من استيفاء الزوجين المستقبليين الشروط المتوجبة.

أولاً، الممنوعون من هذا الزواج

تبدأ الشروط باستثناء من لا يحق له الزواج بأجنبي أو أجنبية. فيُمنع العاملون بالجهات الأمنية، والوزراء، وذوو بعض المناصب التي تُصنّف بالحساسة، من الزواج بغير بنات البلد. ويُضاف إلى القائمة المبتعثون للدراسة في دول أخرى، والذين يشملهم الحظر حتى إنهاء دراستهم.

كما أن هناك شروطاً أخرى تتعلق بأعمار المتقدمين. فبحسب الموقع الرسمي لإمارة منطقة المدينة المنورة، يُشترط على المواطن الراغب بالزواج من غير سعودية، أن يتجاوز عمر العروس الـ18. أما عمر الزوج فيختلف بحسب مكان ولادة العروس. فإن كانت من مواليد المملكة، فيجب أن يكون عمره بين 25 و70 عاماً، وإن لم تكن من مواليدها، فيجب أن يكون عمره بين 35 و70 عاماً.

أما إذا رغب رجل في الزواج بمواطنة، فيُشترط أن يكون عمره بين 35 و70 عاماً، وأن يتجاوز عمرها هي الـ25.

سهلة في الظاهر، معقدة في الواقع

قد تبدو هذه الإجراءات عادلة وواضحة بادئ الأمر، لكن رأيك قد يتبدّل إذا التقيت بالذين عايشوا هذه الإجراءات. عبدالعزيز وزوجته مثال على هذا. فبعدما تقدم بالطلب ثلاث مرّات، فشل في الحصول على موافقة، فقرر أن الكذب وادعاء المرض هما الحل الوحيد.

عند تقديمك للطلب، ستجد سؤالاً عن سبب الزواج. أما الخيارات فهي: مطلّق، حالة صحية، حالة مادية، أخرى. ومن المتعارف عليه أن كل من تنطبق عليهم هذه الحالات الثلاث، يحصلون على تسهيلات أو تجاوز لبعض الشروط.

يقول عبدالعزيز إن مشكلة هذه القوانين، بالنسبة إليه، هي عدم اعترافها بالحب والمشاعر الإنسانية.

خط سير المعاملة غير واضح

صعوبة المعاملة لم تمنع أكثر من 6000 سعودي وسعودية على التقدم بطلبات مشابهة خلال العام الماضي.

وفي المملكة، قصص مشابهة من مدن مختلفة. عامر من مكة المكرمة، ظلّ يلاحق هذه الموافقة ثلاث سنوات متتالية، وكلما رُفضت تقدّم بطلب جديد.

عبدالرحمن وإيمان من المنطقة الشرقية، استمرت ملاحقتهما للطلب نحو سنتين بسبب إصرار العريس على اتباع الطرق القانونية، حتى حاصره اليأس، فقام برشوة أحد الموظفين بمبلغ يقارب الـ50 ألف ريال، أي ما يعادل 13,350 دولاراً أمريكياً.

أقوال جاهزة

شارك غردإذا أراد سعودي الارتباط بامرأة غير سعودية، عليه طلب يدها من السلطات أيضاً! فهو يحتاج إلى تصريح رسمي لإتمام الزواج

شارك غردالمشكلة في كل هذه القوانين التي تنظم الزواج من أجنبي أو أجنبية في السعودية.. عدم اعترافها بالحب والمشاعر الإنسانية

المشكلة في المعاملة كما تقول إيمان: "تتبعُها صعب، لشهور لا نعلم أين تقف معاملتنا، وإن علمنا فلا نعلم ما هو مصيرها، بالإضافة إلى ضياع الأوراق في بعض الأحيان، أو عدم إلمام الموظفين بالقوانين، وغيرها من الأمور التي تصعّب الحصول على الموافقة".

وتضيف: "الخطوات المعلنة لا تُتّبع عادة، صديقتي قامت بتقديم الطلب في الوقت نفسه التي قدمت فيه طلبي، إلا أن الخطوات التي اتبَعتها تختلف تماماً عن الخطوات التي قمت بها. فكل من أعرفهم خضعوا للتحليل الطبي أثناء قيامهم بالإجراءات، لكن التحليل لم يُطلب مني إلا في الخطوة الأخيرة، وهي عقد القران في المحكمة. وفي خلال السنتين التي كنت أتتبع فيها حالة طلبي، تغيّرت القوانين أكثر من مرة".

بناتنا فين يروحوا؟ مين يتزوجهم؟

يظهر التقرير الإحصائي للزواج والطلاق، الذي أصدرته وزارة العدل بالسعودية، أن عدد حالات زواج السعودي من غير السعودية للعام الماضي، بلغت 3616 حالة، بينما بلغت حالات زواج غير السعودي من سعودية حوالي 3333 حالة.

لكن الجدل ما زال قائماً في الأوساط الاجتماعية حول الزواج من جنسية أخرى رغم هذه الأرقام.

البعض يؤيد تصعيب إجراءات الزواج هذه، للحفاظ على الهوية السعودية من التشتت والضياع، وآخرون يعتقدون أنها مسألة أمنية يُقصد بها التحقق من السجل الإجرامي للمتقدّم بالزواج. بالإضافة إلى القيام بتحليل وجود المخدرات أو عدمها في دم المتقدّم بالطلب.

للآباء والأمهات مخاوف أخرى. فهم ينظرون إلى زواج الشباب من غير السعوديات، كتهديد لأمل ارتباط بناتهن بمواطنين، في بلد تشكل النساء فيه 49% من سكانه. وعادةً، يُقابل هذا الأمر بالعبارة الشهيرة: "بناتنا فين يروحوا؟ مين يتزوجهم؟".

ويرون أن تسهيل الزواج من غير السعوديات، سيجعل الشباب يُقدمون على هجر السعوديات إلى غيرهن، ما سيزيد نسبة "العنوسة". وهو التعبير الذي تستخدمه الهيئة العامة للإحصاء لوصف النساء اللواتي تعدّين سن الزواج المتعارف عليه في كل بلد، والذي يقل احتمال الزواج بعده. وبحسب المصدر السابق، فإن سن "العنوسة" في المملكة 32 عاماً.

ويقول المصدر نفسه إن نسبة النساء اللواتي تزوجن قبل هذه السن هي 97.2%، ونسبة النساء اللواتي تزوجن بعدها هي 2.8%. وعدد السيدات اللواتي تجاوزن الـ32 بدون زواج بلغ نحو 227 ألفاً.

علماً أن الخوف من "العنوسة" يدفع بعض الأهالي إلى القبول بتزويج الفتاة من شاب أجنبي، وهم بذلك يعارضون الإجراءات الصعبة.

يوافقهم الرأي من يرون أن الرجل والمرأة متى ارتضى أحدهما الآخر، فإن زواجهما مشروع، ويجب عدم وضع صعوبات أو شروط تحول دون ذلك.

من أين جاءت هذه القوانين؟

التبريرات والتعليلات الاجتماعية لهذه القوانين كثيرة، لكن من الصعب جداً الحصول على معلومة تبيّن الأسباب التاريخية الكامنة وراء صدور القرار بتنظيم زواج السعوديين والسعوديات من غيرهم.

يقول باحث متخصص في التاريخ السعودي، وصاحب أبرز الكتب التي ترصد التغيرات الحاصلة في المملكة، فضل عدم ذكر اسمه: "من الصعب الوصول إلى معلومات دقيقة لأسباب جعل الزواج من أهل بلدان أخرى أمراً صعباً". ويضيف: "هذه القرارات جاءت إثر بعض المراحل التاريخية بسبب ظهور مشكلات متنوعة. والرأي فيها يتشكل من خبرات شخصية، ومعلومات شفهية متداولة في الماضي".

ويرجّح بعض الخبراء القانونيين أن الأسباب وراء بعض هذه الشروط، تعود إلى أن حصول غير السعودي على الموافقة الرسمية للزواج من سعودية، يعني تمتّعه ببعض الامتيازات المباشرة وغير المباشرة. فزوج السعودية يُعامل معاملة المواطن السعودي في نسبة السعودة (برنامج نطاقات لاحتساب العمالة)، بالإضافة إلى تمتّع أبناء المواطنة من أب غير سعودي، ببعض الحقوق الممنوحة لأقرانهم السعوديين، في مجالات الصحة والتعليم مثلاً (بند 4 من القرار الملكي الرقم 406)، وكذلك بالنسبة إلى العمل.

وعند التقدم بطلب الزواج، يوقّع غير السعودي تعهداً بعدم أحقيته في المطالبة، هو وأبناؤه من بعده، بالحصول على الجنسية السعودية، على الرغم من أن القانون يضمن له ولأبنائه هذا الحق، حال استيفائه الشروط القانونية.

بأي حال من الأحوال، لا يُسقِط توقيع التعهد هذا الحق القانوني كما يرى الخبراء، إلا أن عدم الوعي لدى الموقعين يحول دون تحصيل حق المطالبة بالتقدّم أولاً.

أسئلة بلا إجابات

هل هناك سبب وحيد وراءها أم دوافع متعددة ساهمت في تشكيلها؟ وإذا كانت هذه القوانين مشرّعة كحلٍّ لمسألة العنوسة في السعودية، فهل يمكن القول إن هناك أزمة ثقة في أهلية الفتيات السعوديات؟ هل وُضعت هذه القوانين لحماية المواطن والمواطنة من الآخرين، إثر عدد من الحوادث التاريخية، والتي استلزمت بدورها سنّ هذه الإجراءات؟ أو أنها مسألة الدم الأزرق، الذي يعتقد بأن اختلاطه بغيره نقصان في حقه؟

أحمد بادغيش

مدون حجازي، مهندس نظم صناعية، مهتم بالفلسفة والفنون. @BdGhasha

كلمات مفتاحية
الزواج السعودية

التعليقات

المقال التالي