5 خطابات دينية معاصرة تجدّد في الإسلام

تنتشر في هذه الآونة عبارة "تجديد الخطاب الديني"، ولا يجد علماء الأزهر فكاكاً من كتب التراث الممتلئة بمسوغات تكفير الآخر، واعتبار المرأة عورة حتى صوتها، ورفض النظريات العلمية إذا خالفت قولاً أو تأويلاً قدمه "إمام" قبل مئات السنين، بينما هناك خارج الحدود كثيرون شقوا طريقهم نحو خطاب جديد بالفعل، بعد أن أفنوا سنوات طويلة في التفكير خارج الصندوق.

ومن بين أصحاب الخطابات الجديدة 5 هم الأبرز حالياً، لا يزالون أحياء قادرين على النقاش، لكنهم فضلوا الابتعاد عن المهاترات والعمل في صمت، مكتفين بمخاطبة الناس مباشرة عبر الفضائيات المستقلة وموقع "يوتيوب" على الإنترنت.

محمد شحرور: العلمانية شرط الإسلام

ربما يكون منهج المفكر السوري المهندس محمد شحرور، النموذج الأكثر اكتمالاً، ويتطابق مع العلمانية لدرجة أنه لا يفرق بين المسلم والملحد إلا بما وقر في القلب من تصديق بوجود الله.

وقد قدم هذا الخطاب الديني الجديد في نحو 7 كتب، ولخصها في سلسلة حلقات ببرنامج الفكر المعاصر على التلفزيون السوري.

يقول شحرور إن محرمات الإسلام هي 14 بنداً فقط، وردت في سورة الأنعام بدءاً من قوله "قل تعالوا أتلُ ما حرم ربكم عليكم، ألا تشركوا به شيئاً ..."، وهي الوصايا العشر التي أتى بها النبي موسى، مضافاً إليها 4 محرمات ختم بها النبي محمد رسالة الإسلام، التي بدأت بالنبي نوح.

أي أن الإسلام عنده هو دين واحد شرطه الأساسي التصديق بوجود الله، وبقية الأديان إنما هي مجرد أنماط مختلفة من الشرائع والشعائر، وتدخل جميعاً تحت مظلة الإسلام، كما أنه لا مجال للحكم على أحد بالردة، بل إن الملحدين الذين يعلنون إلحادهم هم أيضاً مشمولون بالإسلام، وينالون درجة "الصديقين والشهداء" في الآخرة، إذا أتوا للإنسانية بشيء مفيد.

وذهب شحرور في تجديد الخطاب الديني إلى أن التصديق بصحة نظريتي "الانفجار العظيم" و"الانتخاب الطبيعي" جزء من الإيمان بالله أصلاً، على اعتبار أن المعرفة هي أساس وجود الإنسان على الأرض.

وفي هذا السياق يرى شحرور أن الآية التي تقول "أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون" هي تصديق للانفجار العظيم بالكيفية التي توصل إليها ستيفن هوكينغ. وفي المقابل فإن فناء الكون بيوم القيامة سيكون بالتئام ما سبق أن انفتق، مستأنساً بالآية القائلة "يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب".

أما بخصوص الانتخاب الطبيعي، فهو يعيد ترتيب وتأويل آيات خلق آدم، بحيث يظهر منها أن "آدم" هو اسم جنس وليس اسم شخص، وأن الله اختار من مجموعة البشر المسماة "آدم" رجلاً وامرأة، ومنحهما المعرفة ليتحولا من بشر إلى إنسان، معتبراً أن هذه المعرفة هي الطفرة التي تعرض لها الإنسان الأول وانفصل بها عن المملكة الحيوانية، ومن ثم فلا تعارض بين ما جاء به القرآن وما يقوله تشارلز دارون عن السلف المشترك بين الإنسان والقرد.

شحرور الذي يعتمد في استنباطاته على التفريق بين المفردات المأخوذة على معنى واحد في المصحف، توصّل إلى أنه لا يوجد في الإسلام ما يبيح تعدد الزوجات، إلا في حالة المرأة المعيلة، كما أن "المساكنة" بين الرجل والمرأة على الطريقة الغربية (المعاشرة دون عقد زواج)، هي جائزة شرعاً، ما داما ارتضيا ذلك، وحدد عورة المرأة بالجيوب، وهي ما بين الردفين وما بين الفخذين وما بين الثديين فقط.

أما الحدود فهي، اصطلاحاً عند شحرور، لا تعني العقوبات فقط كما هو شائع، بل من معناها الظاهر حدود قصوى ودنيا لكل شيء في التشريعات وحتى في الشعائر، فحدود الصيام مثلاً هي مواعيد الإمساك والإفطار، أما العقوبات ذاتها فهي تعزيرية طوال الوقت، فالإعدام مثلاً هو الحد الأقصى لمعاقبة القاتل، وللحاكم أن يخفف ذلك إلى السجن، والجَلد هو الحد الأقصى لمعاقبة الزاني، ثم إنه يعرّف الزاني بأنه الذي مارس الجنس علناً أمام الناس، ولو مع زوجته، وهو ما لا ينطبق تقريباً إلا على ممثلي البورنو والمشاركين في حفلات الجنس الجماعي.

أقوال جاهزة

شارك غردتبحثون عن تجديد الخطاب الديني؟ هؤلاء أبرز وجوهه اليوم

شارك غردمن مفكر سوري يعتبر أن العلمانية شرط للإسلام، إلى عالم سعودي يعتبر أن الجنة للجميع.. أبرز المجددين في الخطاب الديني

أما عقوبة السارق عند شحرور فهي قطع اليدين، لكن هذا القطع معناه منع يد السارق من السرقة مجدداً، سواء بسجنه أو بنفيه أو بمراقبته، وليس إطلاقاً ببتر كفيه، ودليله أن الله حين قال "ويقطع دابر الكافرين" لم يكن يقصد أن يبتر مؤخراتهم.

عدنان الرفاعي: السر في الأرقام

مهندس سوري آخر، هو عدنان الرفاعي، أدلى بدلوه في هذا المضمار، معتمداً على الإحصاء في نص المصحف للتوصل إلى الحقائق الدينية، فأفضى به ذلك إلى إنكار "الناسخ والمنسوخ" مثل سلفه محمد شحرور، لكنه لم يصل إلى مرحلة تحليل شرب الخمر مثله، غير أنه في المسائل الشائكة أنكر التعرض بالأذى للمرتد.

ولا يبدو الرفاعي مهتماً كثيراً بالنظريات العلمية الحديثة، لكن له رأياً طارفاً في مسألة خلق الإنسان، فهو يقر بأن آدم مخلوق من تراب، إلا أنه حين "تعلم الأسماء" كان نفساً بلا جسد.

ويرفض الرفاعي فكرة الدولة الدينية من الأساس، ذاهباً إلى أن الإسلام يحث على التطور في كل شيء، بما في ذلك العلاقات الاجتماعية ونظام الحكم السياسي، فما اتفق عليه المواطنون من طريقة لاختيار الحاكم وقوانين تحدد صلاحياته، ينبغي أن يلتزم بها الجميع، وعلى ذكر الدولة، فإن المفكر أورد في موقعه الرسمي مقالاً يصف فيه الجزية بالأكذوبة.

وفي ما يخص المرأة، خلص إلى أن ظهورها أمام الرجال له ثلاث مراتب من حيث إبداء الزينة أو إخفاؤها، لكنه ترك المسألة للتقدير البشري بحسب كل مجتمع.

وإن كان رفض التنازل عن جلد الزاني والزانية، فهو يقول بأن "قطع يد السارق" يحتمل بترها حسياً أو كفها معنوياً عن السرقة بالسجن أو الإقالة من الوظيفة، وفقاً للملابسات والظروف.

فرحان المالكي: الجنة للجميع

قائمة المجددين تضم باحثاً سعودياً أثار جدلاً واسعاً في المملكة وخارجها، هو حسن فرحان المالكي، وهو من هؤلاء الذين يلخصون الإسلام في مبدأ العدل والسلام، ويستخدمون المنطق في التعامل مع نصوص القرآن والأحاديث وبقية كتب التراث، وكانت السلطات السعودية أدخلته السجن لقوله بأن الجنة مفتوحة لجميع المحسنين حتى لمن ألحدوا، والنار مفتوحة للمسيئين حتى لو كانوا من الصحابة.

ويعتمد المالكي في دعوته تلك على مفهوم "التقوى" في القرآن، وهو كف الأذى عن الآخرين، ويرى أن مفهوم الإسلام هو العمل الصالح بما هو مسلم به من المعلومات الصحيحة، وهو ما ينطبق على جميع أتباع الديانات ما داموا لم يصلهم المقصد الأساسي للدين الإسلامي بشكل يجعلهم يصدقونه أولاً ثم يجحدونه.

ويهدف المالكي المتخصص في علم الحديث والتاريخ الإسلامي، إلى التخلص مما أسبغه الخلفاء على الدين من صبغة عسكرية، أدت إلى إنزال الدين إلى ظلمهم، بدلاً من الارتقاء به إلى العدل النبوي، ولفت إلى أن مجتمع الصحابة كان مائلاً إلى التعنت باعتراف القرآن نفسه، مبرراً موقف المسيئين إلى الإسلام بأنهم يرون من التراث الإسلامي كل قبيح.

لا يخوض المالكي في مسائل العلم الحديث معترفاً بضعف إلمامه بها، لكنه يركز مجهوده في إقامة الحجة على رواة الأحاديث الذين يتهمهم بأنهم تسببوا في تشويه الإسلام بما نقلوه من كلام يوافق هوى السياسيين، ويعارض المفاهيم الأساسية للقرآن، ويقول إن الفرصة لم تُتَح عبر التاريخ لمن يتدبرون القرآن حق التدبر.

المسعري: ممحاة على خط الوهابية

وإذا كان المجددون السابقون ابتعدوا بخطاباتهم عن المنهج الشائع، فإن أستاذ الفيزياء النووية الدكتور محمد المسعري، يبدو حريصاً على تهذيب هذا الشائع، فهو يسعى إلى دولة ديمقراطية تطبق منهاج النبوة، وفي الوقت نفسه يؤمن بأن الدين يسر لا عسر ويتعسّر بسبب تدخلات البشر بإيعاز من السياسيين أو أصحاب الأغراض.

لذا فإن المسعري يرد المسائل إلى حقيقتها بعد أن يبعد عنها آراء المتشددين، فنجده مثلاً يتخذ لقناته على يوتيوب راية سوداء مكتوباً عليها "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، وهي راية النبي محمد التي تستخدمها الجماعات الإرهابية مثل "القاعدة" و"داعش" و"أنصار بيت المقدس"، كما أنه ألف كتاباً أسماه "كتاب التوحيد" وهو نفس عنوان الكتاب الأشهر لمحمد بن عبد الوهاب.

ففي مسألة الردة، لا يرى المسعري أن هناك مسوغاً لقتل المرتد إلا إذا حمل السلاح في وجه المسلمين، بينما يؤمن بنسخ حكم رجم الزاني، ويقول بأن العقوبات عموماً تعزيرية، وأن نقاب المرأة ليس من الإسلام أصلاً، وينكر ختان الإناث، كما أنه لا يحرم مصافحة الرجل للمرأة، ولا يجد دليلاً على تحريم الغناء، ولا يرى وجوب صلاة الجماعة.

ولكونه عالماً فيزيائياً بالأساس، لا ينكر المسعري نظريات العلم الحديث، كالنسبية والانفجار العظيم والانتخاب الطبيعي (التطور) ويرى أن نصوص الدين لم تأت بما يخالفها، لكن هذه النظريات في المقابل لا تدحض شيئاً ثابتاً من الدين.

عدنان إبراهيم: الفلسفة زينة العقل

أما الغزاوي المهاجر، الدكتور عدنان إبراهيم، وهو يعد الأشهر بين هؤلاء المجددين إعلامياً، فهو ممن أدركوا أهمية الفلسفة لصلاح العقل، وهو يتناول كل ما يخص الدين من نصوص وأحكام وأحداث تاريخية بهذا المنظور، لذلك فهو قبل كل شيء يعلن أنه ليس متعاطفاً مع الفتوحات الإسلامية، معتبراً أنها كانت ذات أهداف "توسعية إمبراطورية" لا علاقة لها بالدين.

ويجزم عدنان إبراهيم بأن كتب الأحاديث ملأى بالأكاذيب، وأنها السبب وراء تكاثر التكفيريين، الذين يقدمونها على القرآن نفسه.

وفي المسائل المتعلقة بحقوق المرأة، قال بحجابها دون النقاب، لكنه لا يرى غضاضة في مصافحتها الرجال، بل إن ذلك لا يفسد الوضوء، معتبراً أن احتضانها وتقبيلها هو مما وصفه القرآن بـ"اللمم"، واستنكر منعها من قيادة السيارة، وجرّم ضربها، ودائماً ما يُبرز النصوص التي تحث على حسن معاملتها وإعطائها حقوقها.

ويعتمد عدنان إبراهيم على الفلسفة في التعامل مع الحلال والحرام عموماً، لأنه يرى أن الحكم الفقهي لا بد أن يخاطب الحس الإنساني في المقام الأول، ولذلك فهو ينتقد تحريم الغناء والموسيقى.

أما النظريات العلمية الحديثة، فهو يقول إنه على إلمام بها، ودائماً ما يحاول التوفيق بينها وبين القرآن بحسب فهمه، فهو مثلاً يقر بصحة نظرية الانفجار الكبير، ويعلن اتفاقه مع نظرية التطور أو الانتخاب الطبيعي بنسبة 98%، كما يدعو إلى التفكر في فرضية الأكوان المتوازية لتنطبق على عبارة "السماوات السبع" المتكررة في المصحف.

التعليقات

المقال التالي