رحلة البحث عن أسرار عطر العود التقليدي

رحلة البحث عن أسرار عطر العود التقليدي

حالما تصل إلى الأسواق القديمة في قلب دبي، تنتاب حاسة الشم لديك حالة من الهلع والضياع. فهنا، يختلط عبق العود بروائح التوابل والمنتجات التقليدية. وحالما تدخل أحد المراكز التجارية العملاقة، تعتاد حاسة الشم لديك مختلف روائح العود، التي تعبق في الأروقة، إذ تكثر الأكشاك التي تبيع كل أنواع عطور وبخور العود، التي قد يتمناها المرء. ففي الإمارات والدول الخليجية عموماً، العود رفيق دائم للمواطنين منذ سنوات طويلة، تعبق به المنازل والمساجد والأسواق والمتاجر. يدخل العود في عاداتهم وتقاليدهم، تستخدمه النساء عطراً، ويستخدم لاستقبال أو وداع ضيوف كل منزل إماراتي.

"شان كراسنا"، "أجاروود"، "أجيلاوود"، "أجار"... هذه بعض مسميات العود في العالم، الذي يعتبر نوعاً من أنواع البخور والزيوت المعطرة المركّزة، التي تعود جذورها إلى جنوب شرق آسيا والهند، وتحوّلت اليوم، بفضل الطلب الكبير عليها، إلى جزء أساسي من سوق العطور، فتكثر الشركات المصنعة لها وتختلف الروائح والأنواع والأسعار.

سنحملكم في رحلة البحث عن جذور العود التقليدي، وطريقة تصنيعه، ومختلف أنواعه وفوائده، علّكم تصابون بحب "دخان الذهب".

جذور العود وطريقة تحضيره

oud-wood

يُعرف العود أيضاً باسم زيت العود وخشب العود، ويستخلص الزيت من قلب الخشب الراتينجي، المعروف غالباً باسم خشب العود، كما تنتجه الأشجار التي تنتمي إلى نوع شجر العود من عائلة المثانية.

ويُعدّ العود من أكثر الموارد الطبيعية كلفةً في العالم، فيُكلّف استخلاصه نحو ضعفَيْ سعر الذهب، وهو تذكار رائع تصحبه معك عند العودة إلى الوطن بعد زيارة دبي.

قد تعتبر شركة "أجمل" الرائدة في صناعة وتوزيع عطور العود من أقدم المعطّرين في الإمارات، انطلقت أعمالها عام 1951. يقول عبد الله أجمل، المدير العام للشركة: "في البداية، لم نكن نستخدم إلا العود والزيت المستخرج منه، المعروف بدخان العود. لكننا نوعّنا منتجاتنا عبر السنوات، من العطور بمختلف روائحها وأنواعها، إلى معطّر العود والداخون ومعطّرات الغرف".

ويضيف عن بدايات الشركة: "أطلق جدي المرحوم حجي أجمل علي الشركة. كان مزارعاً وتاجر أرز، نشأ في شمال شرق الهند في ولاية آسام. حينها لم يكن يعرف إلا تجارة الأرز. كان سمع بالعود الذي ينمو طبيعياً في آسام، والمطلوب جداً وبأسعار جيدة. وبغية توفير دخل مستقر، قرر أن يخوض التجربة ممهداً الطريق لأجمل، التي تحولت إلى شركة بقيمة ملايين الدولارات".

يوضح أجمل كيفية استخراج هذه المادة: "العود منتج طبيعي يوجد في شبه القارة الهندية وفي حزام الشرق الأقصى، بدءاً من آسام مروراً بسريلانكا وكمبوديا وفيتنام وماليزيا وتايلند وأندونيسيا". ويتابع: "كنّا محظوظين لأن المؤسس كان يملك رؤية وأسس المشتل الخاص بنا عام 1979. عملية التكوين مثيرة للاهتمام. فيوجد نوع محدد من الأشجار التي تحمل العود، وهي من جنس "الأكويلاريا" و"جيرينوبس"، التي تنمو في آسيا. هذه الأشجار متى تُصاب، تُطلق أنزيمات لمكافحة العدوى. هذه الأنزيمات هي ما يُعرف بالعود. هي تنمو داخل الشجرة وحتى في أغصانها. وكلما نمت الشجرة كان المحصول أفضل. هذه العملية تتطلّب بين 25 و30 سنة". ويؤكد: "لهذا السبب كلما كانت الشجرة قديمة ازدادت قيمة المنتج. مثلاً لدينا نوعية محددة من العود تُستخرج من شجرة عمرها أكثر من 300 سنة وتبلغ قيمتها 275 ألف درهم (نحو 75 ألف دولار) للكيلوغرام الواحد".

بالفعل، أسعار العود الخيالية أحياناً تعود إلى قِدم الأشجار، وندرتها، إذ يقدّر البعض أن أقل من 2% من شجر "الأجار" تنتجها. فتُنتج العود شجرة واحدة من أصل عشر أشجار تقريباً تتعرض للشقوق بفعل الحيوانات والعواصف، وتتيح هذه الشقوق دخول الحشرات والبكتيريا، ما يحث الشجرة على الدفاع عن نفسها بإنتاج الأجسام المضادة في شكل عود. ولا بد من الإشارة إلى أن ما يزن 70 كيلوغراماً من الخشب، يُنتج 20 ملليلتراً من المنتج الصافي فقط.

أقوال جاهزة

شارك غردقصّة إحدى أكثر المواد كلفةً في العالم، يُكلّف استخلاصها نحو ضعفَيْ سعر الذهب... العود

شارك غردرحلة بحث عن جذور العود التقليدي، وطريقة تصنيعه، ومختلف أنواعه وأسعاره.. علّكم تصابون بحب "دخان الذهب"

وعندما سألنا التجار في أسواق دبي القديمة، أكدوا لنا أن أسعار منتجات العود تُعيّن بحسب النوعية، مشددين على أن الكمبودي غالباً ما يكون الأغلى.

روائح عدة لأنواع مختلفة

Oud-being-burned

تختلف نوعية العود وروائحه باختلاف مصدره، لكن طريقة استخراج دهن العود مماثلة.

يعتبر العود الهندي من أفضل الأنواع وأكثرها جودة، ويتميّز برائحته العطرة، وثمنه المرتفع، والإقبال الكبير على شرائه. ويوازي العود الكمبودي في جودته العود الهندي، ويمتاز بكثافته العالية، ومتانته، وثقله، ويشتهر بشكلٍ كبير في دول الخليج العربي، وأسعاره تتفاوت بحسب متانته. أما العود اللاوسي، فيبقى حكراً على الأغنياء، بسبب ارتفاع أسعاره نتيجة ندرته، ويتميّز برائحته القوية، التي تبقى لفترة طويلة على الملابس.

إضافة إلى هذه الأنواع، نجد العود البورمي الذي يعتبر من الأنواع الجيدة نوعاً ما، ويتميز برائحته الخفيفة. والعود السومطري الذي يتم استخدامه في المناطق الجنوبية من الجزيرة العربية واليمن. والعود الماليزي الذي له أصناف عدة، قد يكون أجودها الأسود المنقط، وعود الكلمنتان الأندونيسي المنشأ الذي يتميز برائحته القوية وبخوره الكثيف.

أما العود الجاوي ومصدره أندونيسيا، فيتميز باستخدامه في الأدوية بفضل فوائده الصحية. تُحضّر منه أدوية البلغم ومعقم الجروح وأدوية تطهير المسالك البولية. لكنه نادراً ما يُستورد لسرعة تلفِه.

عبق وفوائد جمّة

يجد العود غالباً معجبين به لرائحة عطره وبخوره، لكننا لا يمكن أن نغفل فوائده الصحية الكثيرة إذ يساعد بخور العود على تخفيف آلام الرأس والصداع، وتهدئة الأعصاب وتخفيف التوتر، ومحاربة الأرق. كما أن البعض يؤمن أنه يقي من الإصابة بالزهايمر، إذ يقويّ الذاكرة والأعصاب والدماغ. ينشط أيضاً الدورة الدموية، ويمنح الجسم النشاط والطاقة. وهو أيضاً مضاد فعال ضد السعال والزكام، ويقلل من أعراض الربو.

Oud-holders

عود بتوقيع أشهر دور العطور

قد يجد كثيرون أن رائحة العود قوية لدرجة لا يتحمّلونها، حتى لو أنهم "يقفرون" رائحته على بعد أمتار، إلا أن العود هو الأحب على قلوب آخرين. يقول أجمل: "نستهدف كل من يحبون الرائحة الطيبة، حتى لو أن زبائننا هم من الخليجيين بشكل أساسي. وتبقى أكبر سوق لنا في الإمارات تليها، عن كثب، السعودية". ويضيف: "لا بد من الإشارة إلى أن الوافدين يشترون أيضاً العود، وقد وصل حجم المبيعات إلى 300 مليون دولار نهاية 2015".

هذا الاهتمام بعطور العود وعائداته الكبيرة ليس حكراً على شركة "أجمل"، بل يمتد إلى معظم مصممي العطور المحلية، ووصل إلى أهم وأشهر دور العطور العالمية، التي لم تتردد في مزج العود لتُطلّ على زبائنها بأجودها.

نذكر من بين هذه الدور، "غوتشي" و"شانيل" و"روبرتو كافالي" و"ديور" و"أكوا دي بارما" و"لانكوم"، في خطوة لاستقطاب المزيد من الزبائن في المنطقة.

ويوضح أجمل هذه الظاهرة: "استهلاك العطور في المنطقة أكثر بخمس مرات من أي مكان آخر في العالم. فلمَ لا تستهدف العلامات التجارية العالمية هذه المنطقة؟ فمن أفضل من الخليجيين؟". ويتابع: "أظن أن سبب اختيار العود، يعود إلى أهداف تسويقية بحتة. يُباع العود بأسعار مرتفعة جداً، وهذه العلامات قادرة على بيع منتجاتها على هذا الأساس، لأن المستهلك يفهم أن العود باهظ الثمن".

ولكنه يعتقد أن المشكلة في هذه العطور العالمية، تكمن في عدم استعمال العود الحقيقي.

باميلا كسرواني

صحافية لبنانية عملت في مجال الصحافة المرئية والمسموعة وتعمل في الصحافة الإلكترونية بين دبي ولبنان. تحمل ماجستير في الإعلام من جامعة السوربون الفرنسية.

كلمات مفتاحية
الإمارات

التعليقات

المقال التالي