كيف عرّت مجزرة اسطنبول وجوه "الوحش" فينا؟

كيف عرّت مجزرة اسطنبول وجوه "الوحش" فينا؟

اعتداء على ملهى ليلي في إسطنبول ومسلّح يفتح النار على المحتفلين بمطلع العام الجديد، فيقتل العشرات ويصيب آخرين بالجروح وبحالة من الهلع. يبدو المشهد "مثالياً" للتغطية الإعلامية. تتوارد الأخبار العاجلة بالجملة، كل وسيلة تسعى لرصد حالة الضحايا المنتمين إلى الجنسيات التي تعنيها. في لبنان مثالاً، تتضارب الأنباء حول عدد الضحايا، وأحوال الجرحى. تسرع الكاميرات لرصد ردة فعل عائلاتهم، ويُفتح الهواء على مصيبة شقيقة تتمرّغ أرضاً، وصراخ أب مفجوع وأخ منكسر، ليصبح الجميع شاهداً على أرواح تتكسّر وألم مباح. تدخل الكاميرا عنوة بين العين والدمعة، بين الفاجعة والصرخة، وتخرج مزهوة بما قدّمته في سبيل “الرايتنغ" Rating.

ليس الإعلام وحده الذي سقط في هفوات إنسانيّة قاتلة، لقد عكست تعليقات كثر على الجريمة اتهاماً غير مباشر للضحايا، فبدا المشهد مرآة لعفن كثير يُخزّنه هذا المجتمع.

1- كمن ينتظر "جثة من غيمة"

كان المشهد الإعلامي فاقعاً في لبنان، الذي دفع في الاعتداء ثلاث ضحايا وعدداً من الجرحى. مراسل في منزل الضحية، مراسل في المطار، مراسل في الطائرة، آخر في إسطنبول. بدت المجزرة أقرب للمهزلة. تظهر شقيقة إحدى الضحايا لحظة تلقيها الخبر، تبكي "طفلها الصغير" الذي ربّته بعد وفاة والدتهما. تعليقات الصحافيين من المنازل تبدو نافرة، كما استصراحهم للسياسيين والصراخ يمزّق خلفيّة "الكادر". في مكان آخر يتبلّغ الأهل خبر وفاة ابنتهم من القنوات الإعلاميّة، ليعودوا ويسمعوا أنها في عداد الجرحى. تُثبّت عدسة الكاميرا على وجه أب مكلوم، ينوح ويبكي ابنته الشابة التي فقدها بعد وفاة والدتها بالسرطان قبل أربعة أشهر. تبرّر بعض القنوات قائلة إن أهل الضحايا سمحوا بالتصوير، لكن من يمتلك القدرة على الرفض وهو في قمة تفجّعه الإنساني؟ ذهبت إحدى القنوات للتركيز على طائفة الضحايا، فبدا الأمر أشبه باستهداف للطائفة نفسها، علماً أن جنسيات كثيرة وطوائف متعددة سقطت في الملهى التركي على يد القاتل الذي تبنته "داعش”.

حضرت المطالبات بقانون يضبط القنوات المتفلّتة. قد لا يكون الأمر بهذه البساطة، إذ لا يوجد قانون غربي أو عربي، واضح وصريح في هذا الشأن. يُترك الأمر للمراسل وللمعايير الأخلاقية كما للمسؤولين في الوسيلة الإعلامية. هي إذا قصة ثقافة جماعية تجعلنا لا نرى هذا الاستسهال في تغطية مصائب عائلات اعتداء إرهابي باريسي على سبيل المثال، لا بل نرى أناساً عاديين يهرعون لتغطية الضحايا قبل وصول الإعلام، بينما يكون عدم احترام خصوصية عائلات الضحايا فاقعاً في معظم تغطيات الاعتداءات الإرهابية في العالم العربي.

2- إدمان الأذى

في حوار له مع "الشبكة الدوليّة للصحافيين"، يقول محرّر الشبكات الاجتماعية والمحتوى الإيجابي فرغوس بيل، إن متابعة المشاهد المؤذية تتحوّل في وقت لاحق إلى إدمان. وهذا ما يبدو عليه الحال لدى بعض وسائل الإعلام وبالتالي لدى الجمهور. يشير بيل إلى الأدرينالين الفائض الذي يحظى به الصحافي أثناء تغطيات أحداث دامية فيُعميه عن أخلاقيات المهنة، ما يترك المسؤولية أكبر على الجالسين خلف مكاتبهم في تحديد ما يمكن نشره من عدمه.

أقوال جاهزة

شارك غرد5 أمثلة من تفاعل مجتمعاتنا مع جريمة اسطنبول، تظهر كم العفن الذي نخزّنه

شارك غردالاستسهال في تغطية مصائب عائلات اعتداء اسطنبول، والسخرية من الضحايا لوجودهم في ملهى ليلي من الأساس.. نماذج من وحشيتنا

يلعب مركز “دارت" Dart للدراسات، التابع لجامعة كولومبيا، دوراً في توعية الصحافيين بشأن كيفية التعامل مع أناس في لحظة "تروما". في أحد أدلة التوعية، يُقدّم نصائح بضرورة ألا يُشكّل الصحافي مصدراً لإزعاج ذوي الضحايا، من دون أن يعني ذلك ألا يمارس عمله، ولكن ألّا  يعتقد أن كونه صحافياً يجعله محصّناً ضد ردود الفعل الغاضبة. المحظوران الأساسيان في وجه الصحافي هما: عدم انتهاك الحيّز الخاص للأشخاص وعدم اقتحام المنازل دون إذن أصحابها، والثاني هو التدخل في مشاهد الألم من أجل الحصول على صورة أقسى. كما ينصح الدليل الصحافيين بعدم التوقف عند ردود أفعال الموجودين في مكان الحادث ولا سيما ذوي الضحايا، فالصدمة تجعلهم يتصرفون بخلاف طبيعتهم المعتادة، وعليه لا يمكن التعويل على تصريحاتهم لبناء القصة. هذه التصريحات تُؤخذ فقط إن لم يكن بالإمكان تجنّب تصويرها، لكن يجب ألا تكون الخبر، فعبارات الألم والغضب لا تُعدّ تصريحاً واعياً.

3- الموت ولا "الفضيحة"؟

توزعت جنسيات الضحايا على دول عدة، وحظي العالم العربي بالحصة الأكبر من الفاجعة. بحسب التصريحات الرسمية الصادرة من بلدان عربية عدة، قتل 5 سعوديين وأردنيان وثلاثة لبنانيين وثلاثة عراقيين وتونسيان ومغربيان وكويتي وليبي وفتاة من فلسطينيي 48، إلى جانب أجانب هما هنديان وبلجيكي - تركي وكندي.

شغلت جنسيات بعض الضحايا رواد مواقع التواصل الاجتماعي، فبدأت حفلات الشماتة ليبدو وكأن "الفرح" الذي كانوا "يرتكبونه" في ملهى "لا رينا" الليلي يستحق الموت. اتهم البعض الضحايا بـ"العربدة والسكر" معتبراً أن موتهم لا يستأهل الحزن.

ولأن "الفضيحة" سهلة الفتك بأهالي الضحايا في المجتمع العربي، خرج عدد منهم ليبرّر وجود أبنائه في المكان. والد المحامية السعودية التي قضت قال إنها كانت هناك في رحلة عمل مع خالها وكانت تنتظره في مكان الحادث. آخر وجد نفسه مضطراً ليشارك فيديو حول موقع الحادث قائلاً إنه "مجمع محترم للعائلات" فيه مطاعم و"ملهى ليلي صغير" ملحق به. حاولوا التبرير بأن من كانوا هناك ليسوا بالضرورة جميعاً من رواد هذا الملهى الليلي.

البعض هزىء بالسعوديين الذين لم تُسجّل بينهم أي وفيات في موسم الحج ليقتلوا في ملهى ليلي، وبـ"من ماتوا مخمورين يحضنون العاريات" بدل الوجود على الجبهات، وهزىء آخرون بـ"الفتاة التي ذهبت لترقص وتثمل بعد موت والدتها بأربعة أشهر".

 

تعيد هذه التعليقات تسليط الضوء على خوف الأهالي من "الفضيحة" أكثر من موت فلذات أكبادهم. يختصر التعليق أدناه ما يطلبه المجتمع للموت "بشكل محترم"

4- بازار "الشهداء"

من بين ما ظهّره حادث إسطنبول كان الجدل بشأن توصيف "الشهيد". من يستحق أن يحمل لقب شهيد؟ وكيف يتم توظيف المصطلح سياسياً؟ وهل لقب الضحيّة أقل منزلة؟ وقد جرى انتقاد من استخدم مصطلح "الشهداء" لوصف ضحايا الملهى الليلي بينما وصف ضحايا آخرين في اعتداءات أخرى بـ"القتلى".

وبطبيعة الحال لم يخلُ الأمر من شماتة وعبارات نابية اسُخدمت بحق المحتفلين باعتبارهم "ثُلّة من الكافرين مستحقي الموت"، كما حسمت أصوات أخرى توجههم إلى النار مباشرة. في المقابل، عاب عدد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي على الملتهين بهذا النقاش، وطالبوا باحترام الموت والاستمتاع بالحياة بأقصى قدر ممكن، وعدم الخوف من الإرهاب والتكفيريين أو التمثل بهم.

5- "تركيا تدفع ثمن جرائمها"؟

لم يكن الهجوم الإرهابي الذي ضرب فجر العام الجديد مفاجئاً، فتركيا كانت قد تلقت عدداً من التهديدات بالانتقام على وقع التغيير الذي طرأ أخيراً في سياساتها الإقليميّة. وهي تهديدات كانت قد تجهّزت لها الشرطة التركية بإجراءات استثنائية، لم تستطع تفادي ما حصل. التحليلات السياسيّة ركزت على استهداف تركيا سياسياً وأمنياً، وتطرقت إلى ضرر كبير لحق بقطاع السياحة بينما تُعتبر تركيا، وتحديداً اسطنبول، من أبرز الوجهات السياحيّة لا سيما بالنسبة للعرب. قد تُعدّ تلك التحليلات مشروعة في السياق السياسي، لكن محللين كثراً ذهبوا إلى أبعد من ذلك، فبدأوا الشماتة بأردوغان الذي جعل من تركيا "عشاً للإرهابيين الإسلاميين" واعتبروا أن "السحر قد انقلب على الساحر"، بعدما دعمت أنقرة الجماعات المسلحة.

لا يختصر ما تقدّم المشهد كاملاً، لكنه يعطي نبذة عن مشاهد أصبحت تتكرّر مع الاعتداءات الإرهابيّة، التي تجري مقاربتها وفق مجموعة من المعايير التي تُناسب التوجهات السياسية والإعلامية وحتى الإنسانيّة لكل جماعة على حدة. يبدو أن فيرغوس بيل كان على حق، فإدمان الأذى قد استفحل والموت ظُلماً أصبح وجهة نظر.

 

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي