الوجه الآخر لصراع المآذن والصلبان في سماء مصر

الوجه الآخر لصراع المآذن والصلبان في سماء مصر

حينما تولي وجهك شطر القاهرة، المعروفة بمدينة الألف مئذنة، تجد كل شيء يسحرك، وتلمح كثيراً من المآذن التي تعانق صلباناً كبيرة، في لوحة فنية جميلة جداً. لكن لسكان العاصمة آراء متنوعة، فبعضهم يردد "كل مئذنة تحتضن صليباً"، وهذا دليل على التسامح وتقبل الآخر، فيما يعتبر آخرون أنه صراع على السماء، فهذا يُعلّي مئذنته لتفوق علو الصليب، وذاك يزيد أدوار الكنيسة ليصل الصليب إلى السماء.

يصف الكاتب أحمد صبحي منصور في ورقة بحثية رفضت نشرها جامعة الازهر، الأقباط بأنهم أكثر الناس تعرضاً للاضطهاد، منذ اضطهاد الرومان في حكم دقلديانوس وكراكلا، إلى الاضطهاد في فترات مختلفة في العصور الأموية والعباسية والمملوكية. فكانوا، ولا يزالون، يتحملون الاضطهاد ما استطاعوا، وورثوا حتى الآن صبراً على المكاره يدفعهم إلى المزيد من السلبية والسكون والمغالاة في الحذر وتوقع الخطر وطلب الأمن والأمان بأي وسيلة.

سان جوزيف: اتهامات "التبشير" تلاحق الكنيسة

الكنيسة الإنجيلية بالإسعاف (وسط العاصمة) أو كنيسة "سان جوزيف"، المعروفة باسم "كنيسة القديس يوسف"، يعود بناؤها إلى العام 1913، وقد بنيت في الأساس لخدمة الجالية الفرنسية، وفي العام 1975 وجهت أنشطتها لخدمة المصريين الإنجيليين. وعلى غير نمط باقي الكنائس المصرية، تتفرد تلك الكنيسة بتصميمها الذي يضاهي نمط الكنائس الموجودة في فرنسا وسويسرا، لذا لا يمكن تجديدها أو تغيير أي حجر فيها، كما أنها مسجلة ضمن سجل التراث المعماري المتميز بجهاز التنسيق الحضاري.

36137610

على بُعد أمتار من الشارع الرئيسي تقع جمعية الشبان المسلمين، وخلف الكنيسة، في شارع رمسيس، نجد "مسجد الجلاء" ويسمى الجمعية الشرعية بشارع رمسيس. يصف "مايكل"، وهو أحد الشباب الذين يقصدون الكنيسة، تداخل أصوات الأذان بالأجراس بـ"التشويش"، قائلاً: "لا نشكو من بناء الكنائس والجوامع وجهاً لوجه، فقد تعودنا تلك المشاهد منذ الصغر، وعندما كبرنا أدركنا ما يحدثه صوت أذان الذي يخترق الكنيسة أثناء دق الأجراس والبدء في الصلوات".

ويضيف لرصيف22: "لا نجزم أن المسلمين يتعمدون بناء المساجد قريبة من الكنائس أو في محيطها، لكن من المفترض أن تكون هناك مساحة تمكن كل فرد من أداء صلواته بدون أن تشوش عليه الأجراس وهو في مسجده، أو الأذان ونحن في كنيستنا".

العديد من الأحداث الطائفية كان سببها شروع مسيحيين في بناء كنيسة في منطقة ما، فرفض الأهالي الأمر بشكل قاطع. وبعد سقوط الضحايا في المواجهات الدامية التي تشتعل، يرجح البعض أن ينتهي الأمر غالباً بمئذنة كبيرة تواجه الصليب المعلق أعلى الكنيسة.

في الجهة الأخرى من الكنيسة، تجلس سيدة منتقبة تُدعى "انتصار" ويعرفها المارة بـ"أم معاذ"، أمامها طاولة عليها سبحات وكتيبات دينية مجهولة المصدر، علب بخور، سواك ومصاحف. لدى سؤالها عن سر اختيارها هذا المكان لبيع مقتنيات إسلامية، أجابت بحدة: "الكنيسة تتبنى عملية تنصير ونحن نعلم بذلك، فهم يقيمون معرضاً دائماً للكتب والروايات والأدوات المدرسية بأسعار رخيصة، ويذهب العائد المادي للعمل الخيري الخاص بالأقباط".

بالاستفسار عن علاقة ما تقوله بعملية "التنصير" التي تتحدث عنها، تقول: "كل المسلمين الذين يدخلون الكنيسة الإنجيلية لشراء ما يحتاجونه من أدوات مدرسية وكتب وأقلام، يخرجون بكيس أسود يحتوي على نسخة من الإنجيل واسطوانة مدمجة عليها قصة حياة السيد المسيح أو مريم العذراء، بزعم أنه هدية من الكنيسة وشبابها للتعريف بسيرة المسيح".

أقوال جاهزة

شارك غردصراع على السماء في مصر: مسجد يعلّي مئذنته لتفوق علو الصليب، وكنيسة تزيد طوابقها ليصل الصليب إلى السماء

شارك غردما الذي يفعله المسلمون في مصر عندما يعجزون عن منع بناء كنيسة؟ يبنون مسجداً في مقابلها في استعراض للقوة

وتضيف "ام معاذ": "نرفض هذه الأفعال التي يمكن أن تولد عنفاً وأحداثاً طائفية في غنى عنها"، مؤكدةً أنها تبيع الكتيبات الإسلامية والسواك والبخور بأسعار رمزية للتشجيع على اتباع سنة النبي والبعد عن عمليات التبشير التي يمارسها البعض، وانتهت بتشتت الشباب ليدخلوا في دوامة الإلحاد، بعدما شاهدوا أن المسلمين والمسيحيين يكفرون بعضهم بعضاً، وكل منهما يقول نحن فريق الحق وسوانا هم الضالون.

جامع ملاصق للكنيسة: وحدة وطنية؟

تم تدشين كنيسة "مريم العذراء" عام 1185 م، وقد كانت الكنيسة موجودة قبل هذه الفترة بمئات السنين، وتقع الكنيسة في منطقة مسطرد التابعة لمحافظة القليوبية جنوب العاصمة، واشتهرت بأنها بنيت في المكان الذي استحم فيه المسيح وغسلت فيه السيدة مريم ملابسها، وهي حالة استثنائية، يعتبرها المسلمون كنيستهم، بعضهم يقصدها ليتبارك، وآخرون يغتسلون بماء البئر بالداخل، أملاً في الشفاء من بعض الأمراض، وبعضهم يلجأ إليها لعقد جلسات عرفية وحل النزاعات بين المسلمين أو بين مسلمين ومسيحيين.

يقول القمص عبد المسيح بسيط، كاهن الكنيسة، إن مسلمين كثراً يشاركون المسيحيين في ترميم الكنيسة عن طريق الأموال التي يدفعونها، لافتاً إلى أن عدداً كبيراً من المسلمين يشاركون المسيحيين في صوم العذراء، وإلى أن كثيراً من المسيحيين يشاركون المسلمين في صوم رمضان، فلا يأكلون إلا بعد أذان المغرب.

وتابع: "الاحتفال بمولد العذراء نموذج حقيقي للوحدة الوطنية وليس مجرد شعارات، الصلوات فيه تستمر من الصباح حتى العاشرة مساء والجميع مطمئنون لشعورهم بأنهم في حماية إخوانهم المسلمين"، مشيراً إلى روح المحبة السائدة بين المسلمين والمسيحيين هناك.

ورفض "عبد المسيح" في تصريح صحفي الحديث بأي سوء عن الجامع الكبير الملاصق للكنيسة، مبيناً أن العاملين في المسجد يراعون عدم التدخل في صلوات الكنيسة، وخلال الثورة كان المسيحيون يحرسونه وكذلك توجه المسلمون لحماية الكنيسة. وقد أصبح بديل العمدة في المنطقة. ولذلك يذهب إليه الأهالي من مسيحيين ومسلمين لتسوية النزاعات في ما بينهم لتأكدهم أنه لا يحابي أحداً.

"الإسلام يحب ما قبله"، هكذا برر الشاب محمد الغريب، خريج كلية دار العلوم المعروفة بدراساتها الدينية، والذي يداوم في المسجد، ليؤذن ويقيم الصلوات إذا غاب إمام المسجد الكبير، بناء المساجد في مواجهة الكنائس، قائلاً: "لا ننكر أننا ضد بناء الكنائس، فنحن دولة اسلامية وعليهم القبول بذلك، وليعلم الجميع أن بناء الكنائس في المذاهب الأربعة لا يجوز، وهناك إجماع على ذلك".

وأوضح لرصيف22 أن عدداً كبيراً من المسيحيين يضجرون من فتح مكبرات الصوت وإذاعة بعض التواشيح قبل الأذان والصلاة، لأنها تتزامن مع بعض الحفلات والمسابقات التي تنظمها الكنيسة للأطفال في الإنشاد وغير ذلك".

"استعراض القوة"

يقول الدكتور محمد صلاح، أستاذ علم الاجتماع الديني بكلية الآداب في جامعة القاهرة، إن أزمة المسيحيين في مصر تتلخص في قلة عدد الكنائس مقارنة بعدد المسيحيين وعدد المساجد أيضاً، وهذه الأزمة ليست وليدة اليوم ولكنها ترجع إلى عدة عقود، لافتاً إلى بناء المساجد في مقابل الكنائس أو في محيطها يصنف كنوع من العناد الشخصي واستعراض القوة، لإشعار الطرف الآخر بشيء من القوة، وتوجيه رسالة مضمونها: "إننا قادرون على التشويش عليكم ومراقبة ما يجري في كنائسكم".

ويضيف لرصيف22: "يواجه المسيحيون صعوبات كثيرة في انشاء الكنائس، فيضطرون إلى عمل حيلة بشراء قطعة أرض على مساحة كبيرة ويزعمون أنها لأي غرض آخر، وبين ليلة وضحاها يفاجأ الناس بالصليب الكبير أعلى المبنى، فيكون إيذاناً بما يشبه حرب الشوارع بينهم وبين المسلمين الذين يحاولون التصدي لهذا العمل، معتبرين أنه استخفاف بعقولهم. وإن لم يتدخل الأمن يسارعون هم إلى بناء جامع كبير في محيط الكنيسة، حتى لو علموا أن أحداً لن يصلي فيه، وهذا نوع من رد الكيد".

واستطرد: "هناك غموض في الشعائر المسيحية بالنسبة للمسلمين، دائماً يتخيلون أنها مكان للتدابير والإرشادات والتآمر، ولذلك يكون بناء المسجد هو الحل الأنسب لكشف الغموض، وكنوع من التشويش على الطقوس والصلوات المسيحية، فضلاً عن منع تسمية المكان بشارع الكنيسة".

الأهالي يرفضون السكن في "شارع الكنيسة"

وتنضم كنيسة "مار بولس الرسول"، مطرانية شبرا الخيمة، إلى النماذج السابقة. بُنيت الكنيسة في عمارتين ملتصتقين، إحداهما من 6 دور والأخرى من 11، وتم دمجهما عام 1996، وتقع تحديداً في شارع "الشعراوي" بمنطقة بهيتم، شبرا الخيمة.

من المفارقات أن "شارع الكنيسة" كما يصفونه يحمل اسم الشيخ محمد متولي الشعراوي، وهو الأمر الذي استدعى بناء جامع من طابقين يحمل اسم "الشعراوي" نظراً لرفض الأهالي القاطع وصف عنوانهم بأنه "شارع الكنيسة"، وكنوع من تعويض ارتفاع المئذنة، يضع إمام المسجد مكبرات صوت ضخمة بجوار المئذنة ليغطي صوته على صوت الصلوات في الكنيسة المواجهة له.

فصل آخر في الصراع على السماء تظهره رواية سكان شارع البصراوي بمنطقة إمبابة التي تقع شمال القاهرة، حيث بنيت "كنيسة رئيس الملائكة ميخائيل" منذ حوالي خمسة عقود، في شارع جانبي سمي باسم الكنيسة، أعقبها تشييد زاوية صغيرة للصلاة، وظلت الأمور مستقرة بين الأهالي الذين اعترضوا على اسم الشارع ثم هدأوا.

ومنذ عامين، أعلن أحد السكان عن نيته في بيع قطعة أرض يملكها، تبعد عن الكنيسة 50 متراً، وهنا بدأت المعركة بين المسيحيين الذين قرروا شراءها لبناء ملحق للكنيسة يكون أشبه بدار المناسبات، والمسلمين الذين زاروا صاحب الأرض لكي يبيعها لهم لتشييد مسجد ومستوصف خيري، مما اضطره إلى طرح الأرض في المزاد وبيعها لمن يدفع أكثر. وبعد معاناة، نجح المسلمون في اقتناص الأرض، وبناء مُجمع إسلامي كبير من عدة طوابق، الأول والثاني منه مصلى للرجال والنساء، والطوابق العليا مستوصف خيري ودار مناسبات ودار تحفيظ قرآن.

يقول القس "لوقا راضي" راعي "كنيسة مار يوحنا المعمدان" بأسيوط، إن الدولة مسؤولة عن تقنين الشكل الهندسي والإبداعي في الدولة، ومن الأولى أن تعير اهتماماً خاصاً لدور العبادة لمنع تقارب الكنائس والمساجد، مما يسفر عن انفعالات ومشادات قد تصل إلى أحداث طائفية، مشيراً إلى أن هناك نوعاً من التعلم غير السليم وتوجهات كلها تؤدي لرفض الآخر واتباع العنف منهجاً في التعامل، مطالباً بحظر بناء دور العبادة دون تراخيص، حتى لا يحدث شحن عكسي للمواطنين ومضايقات من تزامن الصلوات.

ويؤكد لرصيف22 أن المتشددين لا يسمحون ببناء كنيسة بجوار المسجد أو في محيطة، بينما اعتدنا نحن بناء الجوامع ملاصقة لكنائسنا، موضحاً أن الكنائس القائمة حالياً سيأتي وقت وتتهالك ومن ثم تحتاج إلى اعادة بناء أو ترميم، وفي هذا الحال يخشى أن لن يسمح المسلمون بإعادة ترميم الكنائس المجاورة للمساجد.

كلمات مفتاحية
مصر

التعليقات

المقال التالي