2016 عام السينما العربية بلا منازع... قائمة بأفضل الأفلام

لا شكّ في أنّه العام الأفضل للسينما العربية. أفلام باحتراف عالٍ، مدركة لجديد الأساليب في هذا المجال. ترشيحات أوسكار. جوائز وحضور في جميع المهرجانات الكبرى (برلين، كان، فينيسيا، لوكارنو...). فعاليّة أكبر في التشبيك. منافذ أكثر للتوزيع والتمويل المشترك. هيمنة نوعيّة للسينما التونسية ثمّ المصريّة. جهود كبيرة بذلت لتحقيق ذلك.

إعداد قائمة بالأفضل ليس أمراً سهلاً، حيث تحكمه معايير الإنجاز والمحتوى من جهة، وذائقة الناقد من جهة ثانية. في هذه القائمة، تمّ التركيز على الأفلام التي حققت إنجازات مهمة عام 2016، بعضها وجد طريقه إلى الصالات من دون التقيّد بالسنة كموعد حصريّ للعرض الأوّل. لذلك، تضمّ القائمة أشرطةً من أواخر عام 2015، دون أخرى شاهدت النور للمرّة الأولى خلال مهرجان دبي السينمائي الذي اختتم هذا الشهر، من أجل منحها فرصة انتشار ومشاهدة وتقييم على مستوى أكبر العام المقبل.

1. السلام عليك يا مريم، فلسطين (2015)

الروائي القصير لباسل خليل افتتح العام بترشحه لأوسكار أفضل فيلم قصير، إضافةً إلى «ذيب» (2014)) للأردني ناجي أبو نوّار في فئة الفيلم الأجنبي. يبدأ الفيلم بحادث سيّارة تقلّ مستوطنين نهار السبت، ويتحوّل إلى ملهاة بلجوئهم إلى دير راهبات نذرن الصمت. استعمال الكهرباء أو الهاتف محرّم على اليهود هذا اليوم. إذاً: لا تواصل داخلي أو خارجي.

بلغة بصريّة مدروسة، وضبط درامي وتمثيلي، يحسن خليل اجتياز حقل الألغام. يتكلّم عن الاختلاف، ويلعب على المفارقات من دون الدخول في المعترك السياسي.

2. نحبك هادي، تونس

صاحب الإنجاز العربي الأبرز في مهرجان برلين السينمائي الدولي «برليناله» إذ فاز بجائزتين كبيرتين: أفضل أول فيلم طويل للمخرج محمد بن عطية، والدب الفضي للممثل مجد مستورة. كذلك شارك في أكثر من 15 مهرجاناً.

قبل زواجه بيومين، يتعرّف الشاب الذي يشبه اسمه (هادي) على «ريم» المختلفة عنه تماماً. يؤخذ بسحرها وانعتاقها. لأوّل مرّة، يعرف معنى النضوج وحريّة الاختيار، بعيداً عن التسلّط والوصاية وبطريركيّة المجتمع. بن عطيّة يقارب وعي الشباب التونسيين بعد الثورة، وتطلّعهم للتحرّر والصراخ بصوت مختلف. ويطالب بالتغيير الاجتماعي، فالسياسي وحده لا يكفي. يبرز فضل المرأة في التحوّل الحقيقي الذي مرّت به البلاد.

شريط مرهف، متقن الصنعة، يتصدّر «موجة» أفلام ما بعد الثورة التونسية، التي تضمّ آخر لافتاً هو «على حلّة عيني»» (2015) لليلى بوزيد.

3. آخر أيام المدينة، مصر

عن آخر أيام القاهرة قبل ثورة يناير، اضمحلال عناصر الهويّة، ألم الذاكرة، هجرة الحب، وأيضاً عن تداعي الزوايا وتهتّكك «وسط البلد» أمام عيني سينمائي يريد حفظ مدينته الأثيرة. عن مؤشرات أكيدة على انتفاضة قادمة، عن حتمية الثورة، عن تقاطع الحال والمصير مع بيروت وبغداد، ينجز تامر السعيد باكورته في الروائي - التسجيلي، عن نصّ كتبه بالاشتراك مع رشا سلطي.

انطلق الشريط من قسم «المنتدى» (يُعنَى بالتجارب الجديدة) في البرليناله، انتزع جائزة كاليغاري، ورجع بإشادات عالية. تابع بتتويجات، كان آخرها من مهرجان نانت للقارات الثلاث، ومهرجان الفيلم العربي في سان فرانسيسكو. عدول مهرجان القاهرة عن عرضه بعد الإعلان عن إدراجه ضمن البرنامج الرسمي، حرم منتظريه في المنطقة. المعركة السجالية، وتقاذف الاتهامات بين صنّاعه وإدارة CIFF، حوّلا الانتباه النقدي إلى مسار آخر. كل ذلك يجعل من «آخر أيام المدينة» خياراً حتمياً.

4. اشتباك، مصر

شريط المصري محمد دياب (كتبه بالشراكة مع شقيقه خالد دياب) الذي افتتح قسم «نظرة ما» في مهرجان كان السينمائي، بعد 17 عاماً على «الآخر» ليوسف شاهين، و4 على «بعد الموقعة» (2012) ليسري نصر الله، الذي حطّ في المسابقة الرسمية. الإقلاع المثالي أخذه إلى جولات دوليّة متواصلة، حقق فيها 12 جائزة حتى اليوم. «مهرجان دبي السينمائي الدولي» رشّحه إلى «رابطة هوليوود للصحافة الأجنبية HFPA»، للمنافسة ضمن الغولدن غلوب، ترافقاً مع «بالحلال» (2015) لأسد فودلادكار.

هذا واحد من أفلام اليوم/ المكان الواحد. يرجع به دياب بعد 6 أعوام على فيلمه الأول «678»، بالغاً ذروة أعلى في الاشتغال. تدور الأحداث في سيارة ترحيل مساجين من مؤيدين ومعارضين وجهاديّين وأبناء عشوائيات، إثر الإطاحة بالرئيس السابق محمد مرسي. مساحة تصوير مرهقة لا تتجاوز 8 أمتار مربعة، تمثّل مانفيستو الحالة المصريّة بكل التخبّط والتعقيد. دياب لم يشيطن أحداً. لعب على المشترك الإنساني القاطع، على اعتبار أنّه يتعامل مع بشر من لحم ودم، وليس مع نماذج سياسيّة تمتهن الخطابة وتنصاع للأدلجة. كذلك هزم التحدّي التقني الذي فرضه المكان ومحيطه، مقدّماً مستوى لافتاً في إدارة الممثّل.

5. ربيع، لبنان

لم تغادر أسئلة الهويّة والانتماء وهواجس ما بعد الحرب الأهليّة، السينما اللبنانية منذ انتهاء القتال عام 1990. «ربيع» للبناني فاتشي بولغورجيان، يُعمِل مبضعه من وجهة نظر مغايرة: كيف تبدو الأمور من عيني ضرير فاقد لهوّيته؟ ينهار عالم «ربيع» (بركات جبّور)، عندما يعلم أنّه ليس من يعتقد. هو ابن عائلة لا يعلم عنها شيئاً. يبدأ تجوالاً ريفياً للتعرّف على الذات والكيان من دون الحصول على جواب شافٍ.

فيلم بديع عن اغتراب الفرد داخل وطنه، عن الهويّة المشرذمة، عن التشوّه الذي يُخلَق مع المرء، عن الخلاص المسموح للأرواح النقيّة، والعصي على الملوّثين بأوحال الماضي. مزيج من «فيلم الطريق» و«فيلم الشخصية الواحدة»، التي تقوده في كلّ المشاهد. باكورة السينمائي اللبناني في الروائي الطويل، نافس على «المهر الطويل» في «مهرجان دبي السينمائي الدولي»، محققاً جائزة أفضل ممثّلة لجوليا قصّار في دور الأم. سمعة طيّبة سبقته من «أسبوع النقاد» في «مهرجان كان السينمائي»، إذ نال جائزة «السكة الذهبيّة»، التي تمنحها جمعية «موظفي سكك الحديد المحبين للسينما» في موازاة المهرجان.

6. آخر واحد فينا، تونس

الباكورة الروائية الطويلة للتونسي علاء الدين سليم، ولد في أسبوع النقاد بمهرجان فينيسيا، ليتعمّد بجائزة أحسن عمل أول في المهرجان (أسد المستقبل)، كأوّل عربي يحصل على جائزة رسميّة في الموسترا. لاحقاً، فاز بالجائزة نفسها في قرطاج، إضافةً إلى جائزة شبكة الشاشات العربية البديلة «ناس»، وجائزة الاتحاد العام التونسي للشغل.

سليم لا يمزح في أسلوبه الصدامي، وحواره شبه المعدوم. يقترح قناعاته لا أكثر. يبدأ من الهجرة غير الشرعية لشابب من جنوب الصحراء يُدعَى «جوهر السوداني»، قبل أن يذهب في مسارب أخرى حول تيمة الإنسان والطبيعة والذات والتكيّف والنجاة.

7. أخضر يابس، مصر

منذ اختياره للمنافسة ضمن مسابقة العمل الأوّل للأفلام الروائية الطويلة «صنّاع سينما الحاضر»، في مهرجان لوكارنو السينمائي، توجّهت الأنظار إلى شريط محمد حمّاد. عمل مينيمالي متقشّف بتمويل ذاتي من خلود سعد ومحمد الشرقاوي وحمّاد نفسه، قبل دخول Film Clinic (محمد حفظي) لدعم عمليات ما بعد الإنتاج، واشتراكه مع Mad Solutions (علاء كركوتي) في التوزيع. حمّاد وسعد والشرقاوي تقاسموا معظم المهن الفنيّة. مواقع التصوير محدودة. بطلة العمل (هبة علي) وأغلب الممثّلين غير محترفين، بل إنّهم من أقارب المخرج، الذي نال جائزة أفضل إخراج في مهرجان دبي السينمائي.

في فضاء القاهرة الميلانكولي، تعيش «إيمان» حياةً رتيبة. لا تختلف عن ملايين الفتيات المحافظات، اللواتي لا يعرفن من الحياة سوى الوجه الخشن والأعراف الثابتة. بين صمتها وصخب المدينة، وبين طعم الحلويات التي تبيعها ومرارة الواقع، تتراكب الأزمات الصغيرة بنجاح خانق. لا بدّ من انفجار «إيمان»، في فيلم يمجّد ضعف الكائن البشري، مع أداء خلّاب لهبة علي. «أخضر يابس» يقترح السينما في واحدة من أسمى حالاتها. صنعه بأبسط الإمكانات، ونجاحه النقدي، مصدر إلهام لشباب السينما المستقلة في مصر والبلدان العربيّة.

8. أبداً لم نكن أطفالاً، مصر (2015)

10 جوائز حصيلة التسجيلي «أبداً لم نكن أطفالاً» لمحمود سليمان، بدأت بأبرز جائزتين في مهرجان دبي 2015: أفضلل فيلم غير روائي، وأفضل إخراج. ذلك أنّ سليمان «يعايش» يوميات عائلة مصريّة فقيرة، مكوّنة من أمّ وأربعة أولاد، على مدى 13 عاماً. الزمن يمنحه قصصاً وتحوّلات مأسوية نادرة التوثيق، يكسبه مزايا الثقة مع شخوصه، وصولاً إلى اعتراف أحدهم أنّه مثليّ جنسياً. يحيله على تغيّرات عاصمة مزدحمة، ومصائر أبطال من القاع والشوارع الخلفيّة، وأسئلة الطفولة في كلّ لحظة. ببساطة، هذا درس في سحر الفيلم التسجيلي، وقواه الخارقة على الحفظ والتخليد، بناءً وسرداً وخاتمةً.

9. فيلم كتير كبير، لبنان (2015)

شريط محكم انطلق من «مهرجان تورونتو»، وحاز ذهبية مراكش على يد فرانسيس فورد كوبولا شخصياً. مناخ عصاباتي متبّل بالطائفية والعنف وتوحّش الإعلام، يجيد التعبير عن عبثية الواقع اللبناني وتناقضاته، بكوميديا من الطراز الرفيع. الحبكة مدهشة في ذكائها وطرافتها: تاجر مخدّرات يتحوّل إلى منتج سينمائي، ليهرّب شحنة بودرة داخل علب الخام، التي لا تمرّ بأجهزة الفحص في المطارات. الأمور تتطوّر، كما البلد الذي لا يمكن توقع الدقيقة التالية من أحداثه.

10. 3000 ليلة، فلسطين (2015)

دراما سجون للفلسطينية مي المصري، قائمة على قصص حقيقيّة لأسيرات فلسطينيات. المعلّمة «روضة البصير» التي صارت «ليال» (ميساء عبد الهادي في أداء لافت)، و«تيريز هلسة» التي تحوّلت إلى «سناء» (نادرة عمران) في الشريط. بعد سنوات من العمل الوثائقي منفردةً، أو مع زوجها السينمائي اللبناني جان شمعون، تخطو المصري فوق أرض مغايرة فنياً، لكنّها مكمّلة لمشروعها، خصوصاً في ما يتعلّق بالمرأة. تكتب السيناريو بنفسها، مراعيةً كسر الصور النمطية، والهروب من الميلودراما قدر الإمكان. نالت 20 جائزة دوليّة حتى اليوم.

«3000 ليلة» يعيدنا إلى المقاومة كما يجب أن تكون. بين 1980 و1988، لم يكن لأوسلو من وجود. إضراب المعتقل ينتزع حقوقاً. العمل الفدائي مفتوح أمام الجميع، ولا يُحتكَر باسم الجهاد الديني.

11. انشالله استفدت، الأردن

السينمائي الأردني محمود المسّاد من أهم الوثائقيين العرب، بشريطين لامعين، هما: «إعادة خلق» (2007) و«هذه صورتي وأنا ميت» (2010). نال جوائز مرموقة في مهرجانات صندانس وسان سيباستيان ودبي. اليوم، تدرّس أعماله في المناهج الأوروبيّة. جديده «انشالله استفدت»، الذي أبصر النّور في مهرجان تورونتو، يسجّل انعطافةً إلى الجانب الروائي، مازجاً بين كوميديا المفارقات وانكسارات الحياة. «أحمد» (أحمد طاهر) عامل بناء يتورّط في مناقصة تفضي به إلى السجن.

الجميل أنّ المسّاد لا يقدّم السجن على أنّه مكان سوداوي مرادف للنهاية. على العكس، يجعل منه فرصة ثانية للعودة إلى الحياة بمنظور مختلف. إثارة الضحك الصافي، والاعتماد على ممثّلين غير محترفين (ظهر طاهر في «إعادة خلق» بشخصيته الحقيقيّة)، يمكّنانه من رسم إسقاط ذكي على مفاهيم كبيرة: الديكتاتوريّة، والدولة المنخورة بالفساد، والفرد/ الضحيّة المتواطئ مع ذلك كله. من الذكاء أن تمارس النصب وتخرج سليماً، ليطمئن عليك الجميع: «انشالله استفدت».

التعليقات

المقال التالي