لماذا ترفض السعودية دعوات إلغاء نظام الكفالة؟

لماذا ترفض السعودية دعوات إلغاء نظام الكفالة؟

"ليس من حق أحد أن يوجّه سهام نقده إلى نظام الكفالة في السعودية، أو يعلّق عليه، فهو شأن داخلي بحت، ومسألة أقرها القائمون على أمور الوطن، إيماناً بأهميتها كونها أحد مظاهر الهوية السعودية، ولسنا هنا في مجال المقارنة بالدول المجاورة التي ألغت هذا النظام. فأهل مكة أدرى بشعابها. وإلا فلمَ لا تُسأل أمريكا لماذا لم تجد حلاً حتى الآن مع العمالة المكسيكية".

هكذا علقت "إيمان الألفي"، مهندسة سعودية مقيمة في أمريكا، حول أسباب عدم إلغاء السعودية لنظام الكفالة.

اعلان


يعد نظام "الكفالة" الصادر عام 1951، والذي يحدد العلاقة بين صاحب العمل والعامل داخل السعودية، من أبرز الملفات التي أثارت جدلاً في الأوساط العمالية والحقوقية والمجتمعية، الإقليمية والدولية، خلال السنوات الأخيرة. فضلاً عما تسبب به للمملكة من انتقادات لاذعة بسبب الإبقاء عليه.

يسمح نظام الكفيل للكفيل (صاحب العمل) بالتحكم في مكفوله (العامل الأجنبي)، بصورة تناقض ما أقرته مواثيق العمل، وحقوق الإنسان الدولية.

هذه جولة للوقوف على اتجاهات السعوديين حيال هذا النظام، من الناحية الحقوقية أو القانونية، وبيان إيجابياته وسلبياته وفق رؤية سعودية بحتة.

تعديلات دون جدوى

في ندوة عقدتها صحيفة "الرياض" السعودية منذ عدة سنوات في الدمام، لمناقشة نظام الكفالة، أكد الدكتور جاسم الرميحي، الأستاذ بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن، أن المسودة الأولى لهذا النظام مرت بالعديد من التطورات والتغيرات، التي هدفت إلى مواكبتها للأنظمة المعمول بها عالمياً، في مجال العلاقة بين العامل وصاحب العمل. منها القرار 166 لسنة 1421هـ، الخاص بإلغاء مصطلح "الكفيل والمكفول" واستبداله بـ"صاحب العمل والعامل"، وعدم أحقية صاحب العمل بالاحتفاظ بجواز سفر العامل، وإعطائه حرية التنقل. إلا أن هذه التطورات، لم ترقَ إلى المستوى المطلوب، فضلاً عن عدم ترجمتها على أرض الواقع.

الرميحي حمّل نظام "الكفالة" المسؤولية الكاملة عما يتعرض له العامل من انتهاكات صارخة لبعض حقوقه. فالكثير من البنود التي يتضمنها النظام تمس بشكل كبير كرامة المكفول، في ظل وقوعه تحت رحمة "الكفيل" صاحب العمل.

كما أن العامل الوافد مجبر على تحمل الكثير من الانتهاكات لأجل "لقمة العيش"، وحتى لا يفقد مصدر رزقه الوحيد. ما يوقع الوافد للعمل في المملكة تحت ضغط صاحب العمل. فيظل جواز السفر بحوزة الكفيل، ولا يحق للعامل المطالبة به، ما يعني فقدانه حرية التنقل إلا بأمر صاحب العمل. وبالرغم من تعديل القانون لهذه الجزئية في نظام الكفالة، فإن اللوائح شيء والواقع شيء آخر. وهو ما ذهبت إليه أيضاً "نوال البواردي" المستشار القانوني في هيئة حقوق الإنسان السعودية. فأشارت إلى أن جهل العامل بحقوقه وواجباته من جانب، وسادية بعض أصحاب العمل السعوديين من جانب آخر، وضع هذا النظام في القائمة السوداء، خصوصاً أن العقود المبرمة بين العامل وكفيله لا تتضمن سوى الأمور الظاهرية والشكلية فقط للعمل المتفق عليه، كالاسم ونوعية العمل والراتب المتوقع، بينما يصدم العامل في الواقع بأمور أخرى لا علاقة لها بما تم تدوينه داخل عقد العمل.

أقوال جاهزة

شارك غردعيوب لا ينكرها أحد لنظام الكفالة في السعودية، لكن المشكلة الكبرى هي في الفهم الخاطئ لفلسفة هذا النظام

شارك غردنظام الكفالة في السعودية: صاحب العمل يتعامل مع الوافد كأنه "عبد" وحين يطالب العامل بحقه، يكون رد الكفيل التهديد

وأفادت البواردي أن هناك بعض المعتقدات الخاطئة الراسخة في عقول بعض السعوديين، تلعب دوراً رئيسياً في تشويه نظام الكفالة، وتجعله محل انتقاد، أبرزها اعتقاد صاحب العمل أنه وحده دون غيره من يمتلك الحق في تحديد الكيفية التي يتعامل بها مع العامل، سواء كانت قانونية أو غير قانونية، آدمية أو وحشية، وأنه لا توجد جهة أو كيان له الحق في التدخل بينه وبين مكفوله، ما يولد حالة من الاحتقان المتبادل بين العامل وصاحب العمل، تتجسد في صورة انتهاكات بحق المكفول وتربص بحق الكفيل.

توازن سوق العمل

العديد من الآراء تميل إلى كفة تفضيل هذا النظام بصورة كبيرة، نظراً لما يتضمنه من انعكاسات إيجابية على المجتمع السعودي. وهو ما ذهب إليه "علي الزهراني"، الخبير والباحث بمركز أسبار للدراسات والبحوث بالرياض، الذي أكد على ضرورة الإبقاء على مفهوم (الكفيل - المكفول)، كونه أحد أبرز مقومات الحفاظ على التوازن داخل سوق العمل السعودي، بما يضمن تقنين أعداد العمالة الوافدة، وتحجيمها بما لا يهدر حقوق وفرص المواطنين السعوديين في الحصول على عمل.

الزهراني قال لرصيف22 إن استمرار العمل بهذا النظام، ساهم في إحداث توازن واضح بين سوق العمل والعمال، ما تكشف بصورة جلية في نظام "أبشر"، الذي طرحته وزارة الداخلية مؤخراً، والذي يتيح للهيئات الرقابية داخل المملكة التعرف على كل شركة وطبيعة عملها وأعداد العمال فيها، الأجانب والسعوديين، مع وضع إطار محدد طبقاً لنسبة السعودة بداخلها.

وأوضح أن الشركات التي تحقق نسب سعودة أكبر، تدخل ضمن النطاق الأخضر، الذي يعطيها بعض المميزات، والأقل تدخل تحت النطاق البلاتيني. ثم يمكن التعامل مع الشركات وفق هذه الآلية التي تسمح بالتحكم في سوق العمل وتغليب مصالح السعوديين. إذ يوجد نحو 9 ملايين عامل أجنبي في البلاد، 80% منهم يعمل بصورة غير قانونية.

أشار "عائض آل زريب"، صاحب إحدى المؤسسات الطبية العلاجية في المنطقة الجنوبية، إلى أن النظام الحالي يسمح بالتحكم في أعداد ومستوى العمالة الوافدة. وقال لرصيف22 إنه منذ الوهلة الأولى أعطى الأولوية للمواطن السعودي في تقلد الوظائف داخل مجمعاته الطبية، لافتاً إلى أنه لا يمانع مطلقاً في إنهاء تعاقده مع أي من العمال الأجانب في حال طلب مواطن سعودي العمل في الوظيفة نفسها، وبالرغم من عدم قانونية هذا الإجراء، فقد قال: مصلحة السعودي أولاً.

مزيد من البطالة

في المقابل، هناك من يرى أن النظام الحالي للكفالة، ألقى بظلاله القاتمة على الشباب السعوديين. فأتاح لصاحب العمل استقدام العمالة الأجنبية بأسعار رخيصة، مقارنة بالعمالة السعودية، ما تسبب في إغراق السوق بالملايين من العمال الوافدين غير المؤهلين، يقابله مزيد من البطالة بين السعوديين. وأشار "فهد العتيبي"، صاحب مؤسسة بالرياض، إلى أن الموظف السعودي لا يقبل غالباً ببعض الوظائف، فتزداد أعداد السعوديين غير العاملين. في المقابل، العمالة الوافدة تقبل بأي عمل وبأي راتب، ما يصب في النهاية في مصلحة صاحب العمل، موضحاً أن راتب الطبيب السعودي الحديث التخرج يراوح بين 15-20 ألف ريال، بينما راتب الطبيب الأجنبي لا يتعدى 7 آلاف ريال، علماً أن هناك فارقاً كبيراً في الجهد المبذول لمصلحة الوافد.

وأشار الإعلامي السعودي الدكتور "أحمد المرزوقي" إلى أن النظام بوضعه الحالي فتح سوقاً سوداء لتجارة التأشيرات، فيسعى البعض إلى بيع التأشيرات التي ليس له حاجة للمهن الواردة فيها، مقابل مبلغ مالي كبير، ما يترتب عليه زيادة في أعداد العمالة الوافدة دون عمل، ويدفع هذه العمالة إلى البحث عن فرص أخرى، ما يقلل من مساحة الرقعة الوظيفية أمام السعوديين.

ولفت المرزوقي إلى أن ثمن التأشيرة الواحدة المباعة للأجنبي قد يصل إلى 15 ألف ريال، بينما لا يدفع المواطن السعودي سوى ألفي ريال فقط مقابل الحصول عليها من مكتب العمل.

العامل يصرخ والكفيل يرد

"محمد لمعي"، مهندس تكييف وتبريد مصري بالسعودية، يؤكد أن صاحب العمل يتعامل مع العامل الوافد وكأنه "عبد" أو "خادم" عنده. مشيراً إلى أن كفيله امتنع أكثر من مرة عن إعطائه راتبه لأكثر من شهر، وحين طالبه بحقه، هدده إن حاول المطالبة بحقه مرة أخرى، بالحبس أو الترحيل إلى بلده، ما أجبره على القبول بواقعه.

وبحسب آراء بعض العاملين في المملكة، ليس هناك رقيب على الكفيل. أما القوانين والأنظمة، فلا تصب إلا في مصلحة أصحاب العمل.

تضخيم؟

في المقابل، يرى "حمود الشهري"، العضو السابق بجمعية حقوق الإنسان السعودية، أن هناك مبالغة في حجم تجاوز أصحاب العمل مع الوافدين. وقال لرصيف22 إن الكفيل هو من يدفع الثمن أولاً، فيتحمل كلفة استخراج التأشيرة وإقامة الوافد وتذكرة سفره، وفجأة يهرب العامل ويخسر صاحب العمل كل هذه المبالغ المدفوعة، فضلاً عن القوانين الصارمة التي تحول دون حصول الكفيل على أمواله المسروقة من قبل العامل حال هروبه.

وطالب الشهري بإعادة النظر في النظام المعمول به الآن بما يحمي حقوق أصحاب العمل من تجاوز العمال، ويفرض المزيد من القيود التي تضمن حق الكفيل في التمتع بجهود العامل الوافد، خصوصاً بعد تحمله نفقات حضوره وإقامته ودفع رواتبه.

ما البديل؟

وقال د. "صالح الربيعان" أستاذ الإعلام في جامعة الإمام بالرياض، لرصيف22، إن هناك عيوباً لا ينكرها أحد في نظام الكفالة، لكن يأتي في المقام الأول الفهم الخاطئ لدى البعض لفحوى ومضمون وفلسفة هذا النظام. وتساءل: هل يمكن أن تكون هناك صياغة أنظمة مختلفة تناسب كل فئة مهنية على حدة، فمثلاً يكون للعمال نظام، وللموظفين والأساتذة والأطباء والمهندسين نظام آخر أكثر مرونة؟

التعليقات

المقال التالي