كيف يعيش المتحوّلون جنسياً في مصر؟

كيف يعيش المتحوّلون جنسياً في مصر؟

لم تفقد ندى القاضي الأمل في مساعيها الحقوقية لإتمام الخطوات الرسمية لتحولها جنسياً إلى أنثى. فعلى الرغم من التعقيدات الدينية والطبية، التي تعرقل مسيرتها، تبدو قريبة من أجندة منظمات المجتمع المدني الداعمة لـ"مضطربي الهوية الجنسية" في مصر.

تتعدد أساليب القاضي للبحث عن منفذ لإجراء جراحة التصحيح الجنسي، بغية التخلص من البصمات الذكورية، التي تركها "عمر" في حياتها. فهي تخضع لعلاج هرموني لتثبيت الجنس الذي أرادته لنفسها، وتبحث في الوقت نفسه عن فرصة للجوء الجنسي بإحدى الدول من بوابة المجتمع المدني.

منذ فترة ليست قصيرة، سجلت ندى (19 عاماً)، وهي تعمل رسامة حرة، نفسها ضمن برنامج المبادرة المصرية للحقوق الشخصية لدعم الترانسجندر، الذي يعتمد بشكل أساسي على تقديم الدعم القانوني للمتحولين جنسياً، ونقل تجاربهم للمنظمات الحقوقية المختصة في قضايا الـ"LGBT"، اختصاراً لـL=lesbian مثلية، G=gay مثلي، B=bisexual ثنائي/ة الميل الجنسي، وT=transsexual متحول/ة الجنس أو النوع الاجتماعي.

ندى القاضي ندى القاضي

تقول ندى: "أتواصل مع بعض المنظمات داخل مصر وخارجها لدعم قضيتي، وأحياناً أتلقى وعوداً بتوفير فرصة اللجوء، فهدفي الأساسي هو التحول الجنسي الكامل، سواء داخل مصر أو خارجها".

لم تكن فكرة اللجوء الجنسي ضمن أولويات القاضي في البداية، لكن تعنت الأزهر ونقابة الأطباء، الجهتين المخول لهما إصدار تصريح عمليات التصحيح الجنسي في مصر، بجانب المضايقات التي تتعرض لها باستمرار في محيط دراستها ودوائرها الاجتماعية، كلها أسباب دفعتها للتفكير في الهجرة.

هذا مسار ضمن مسارات كثيرة يسلكها المتحولون جنسياً في مصر، للدفاع عن قضيتهم. البعض يلجأ لمنظمات حقوقية مهتمة بقضايا الجندر تدافع عن حقوقه وتساعده على التعايش مجتمعياً، وآخرون يشكلون مجتمعاً مغلقاً، يتسم بالسرية والخصوصية يتقاربون فيه من خلال شبكة التواصل الاجتماعي. وغيرهم، أوفر حظاً، لاحت لهم الفرصة لبدء حياة جديدة في مجتمعات أكثر تحرراً وتقبلاً من مجتمعنا الشرقي.

التسلط الرسمي

لا يوجد في مصر منظمة رسمية تخصص نشاطها لدعم المتحولين جنسياً، لكن قلة منها، تتبنى قضيتهم من الجانب القانوني والنفسي تحت فئة النوع الاجتماعي. وهو ما تقدمه الناشطة داليا عبد الحميد، مسؤولة ملف النوع الاجتماعي في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، في البرنامج المخصص للمتحولين، الذي أشارت إليه ندى.

تقول عبد الحميد لرصيف22 إن هناك شريحة ليست كبيرة تلجأ للمنظمات الحقوقية، لمساعدتهم في مشاكل العلاج وعمليات التصحيح الجنسي، وتغيير الأوراق الرسمية في بعض الأحيان، والدفاع عنهم في الحملات التي تشنها أجهزة الشرطة على أماكن تجمع المثليين.

وتوضح أن مباحث الآداب لا تفرق بين المثليين والمتحولين جنسياً في حملاتها، ورغم عدم وجود عقوبة على ممارسة المثلية الجنسية، تنسب الشرطة لهم محاضر بممارسة الرذيلة وإشاعة الفجور. مشيرةً إلى أن الشرطة ألقت القبض على 200 شاب بين 2013 و2016 في حملات متفرقة.

وتضيف أن المبادرة يقتصر عملها على توثيق الانتهاكات، التي يتعرض لها المتحولون في أقسام الشرطة، والتواصل مع أطباء نفسيين متخصصين لمتابعة الحالات. لافتةً إلى أن بعض المنظمات تخشى العمل مع قضايا تلك الشريحة، بسبب الوصمة الاجتماعية ووضعها تحت الهجوم المستمر من الدولة والإعلام.

وتتجلى مظاهر رفض تعاطي الدولة بأجهزتها المختلفة مع قضية المتحولين جنسياً، في رفض رقابة المصنفات الفنية فيلم "جمهورية خونيثكا"، الذي ينقاش قضية المتحولين جنسياً، بدعوى أنها ظاهرة غير موجودة بالشارع المصري.

هناك من يعمل في المجتمع المدني ولا تعتريه مخاوف الوصمة السيئة التي تتحدث عنها داليا. فبحسب وصف سارة الجوهري، الباحثة في المؤسسة العربية للحقوق المدنية والسياسية "نضال"، هذه الشريحة تشكل أسرة كبيرة في عالم موازٍ على الإنترنت.

أقوال جاهزة

شارك غردقصة ندى القاضي (عمر سابقاً) ومحاولاتها للخروج من مصر، لأن الأمل الوحيد أمام المتحولين جنسياً في عالمنا العربي هو الهرب

تشرح الجوهري أن هناك العديد من تطبيقات التعارف الإلكترونية المشهورة مثل Grindr يتم التعارف من خلالها على الأشخاص المتحولين. لكن بعضها مخترق من الأجهزة الأمنية، لإسقاط شبكات جنسية في قضايا الفجور.

مجموعات مغلقة

بخلاف التطبيقات الإلكترونية، يوجد غروب سري آخر على فيسبوك باسم TRANS، يضم 200 شخص من مضطربي الهوية الجنسية يتفاعلون حول القضايا المتعلقة بهويتهم. لكن كعادة هذا المجتمع، رغم ما يظهره من انفتاح على العالم وقضاياه المعرفية، يبدو منغلقاً على نفسه إلى حد كبير، فلا يستطيع أحد أن يتسلل إليه بسهولة، لخوفه من إفشاء أسراره وابتزازه في قضايا جنسية. وهو ما كشفته لقاءاتنا مع أعضائه، إذ لم تخل من القلق والحذر من أهداف الموضوع نفسه.

لا تعتبر سارة نفسها ناشطة في مجال حقوق الـ"LGBT"، بقدر إيمانها بأنها تدافع عن أصدقائها، ما عزز لديها فكرة إنشاء كيان رسمي يعبر عن المتحولين جنسياً، تحت مسمى ego، الاسم الذي اختارته لجمعيتها، التي تقدمت بطلب لترخيصها إلى وزارة التضامن الاجتماعي، ولم يتم إشهارها بعد.

تقول سارة: "معاناة أصدقائي مع الأزهر ونقابة الأطباء في تحديد هويتهم الجنسية واستصدار الأوراق الرسمية والتشهير بهم قضائياً وإعلامياً، كلها أسباب دفعتني لإطلاق الجمعية الجديدة، لدعم الترانس في كيان شرعي تعترف به الدولة".

يتمثل شكل التفاعل داخل هذه المجموعات، في تقديم استشارات طبية ونفسية، عن كيفية مواجهة المضايقات التي يتعرض لها الترانس، وذلك يتم من خلال جلسات عمل في أماكن مغلقة أو "أون لاين"، توضح الجوهري لرصيف22.

وكما ساهمت شبكات التواصل الاجتماعي في التواصل بين مجتمع الترانس كأفراد، مثلت أيضاً إحدى الأدوات الأساسية للتواصل مع الجمعيات والروابط، التي تهتم بقضايا الترانس على مستوى الوطن العربي. أشهر تلك المنظمات "بداية"، الداعمة لحقوق الجندر بمختلف أنواعهم في منطقة وادي النيل (مصر والسودان)، ورابطة "ترانس العرب"، وهو مشروع يهدف إلى إيصال صوت ترانس العرب للعالم.

حاول رصيف22 التواصل مع ممثلي "بداية" في مصر، لكنهم رفضوا الحديث بدعوى عدم احترام الإعلام لحقوق المتحولين جنسياً، ودأبه المستمر على تشويههم، في حين أن ممثلاً عن رابطة ترانس عرب، تحدث إلينا مشترطاً إخفاء هويته، عبر فيسبوك.

يقول الشاب إن الرابطة توفر الدعم النفسي فقط للمشاركين من خلال نشر القصص والصعوبات التي تواجههم، كما ينصحونهم بأن يكونوا حذرين في تعاملاتهم مع المجتمع القريب لهم، لأن غالبية المجتمعات الشرقية، تنبذ الترانس مجتمعياً وقانونياً، والبعض يُجرم، والآخر يقتل مثل العراق وسوريا، وفقاً للمتحدث.

ويشير إلى أن الرابطة لا تشجع الشباب على الهجرة واللجوء الجنسي، لكنه يقر في الوقت نفسه بأنه الحل الوحيد أمامهم، في ظل رغبتهم في مجتمع يحترم شخصيتهم ويعطيهم حقوقهم. ولفت إلى أنهم يواجهون أيضاً تحديات في الهجرة، لأنهم بدأوا العلاج الهرموني من تلقاء أنفسهم دون إشراف طبي، فيتغير جسدهم وجنسهم تدريجياً، لكن أوراقهم تبقى كما هي، وهذا ما يمنعهم من السفر لأنهم بجسد رجل وأوراق أنثى والعكس.

لا تملك الرابطة إحصاء بعدد المصريين المشاركين في أنشطتها، فبحسب ما يوضح الشاب، جميعهم يمتلكون أكثر من 5 حسابات على شبكات التواصل الاجتماعي، يتفاعلون من خلالها مع الصفحات والتطبيقات، بغية الإفلات من مراقبة الأمن أو المتحرشين لحساباتهم.

تعاني رابطة ترانس عرب كغيرها، من تضييق أجهزة الشرطة على أصحاب الميول الجنسية المختلفة، وغياب المنظمات الداعمة لهم في الوطن العربي، باستثناء لبنان، الذي يكاد يكون الدولة العربية الوحيدة التي تسمح بتأسيس كيانات من هذا النوع. وتعتمد الرابطة بشكل أساسي على إرسال الشكاوى لمنظمة الأمم المتحدة.

تتشعب الروابط التي تمثل المتحولين وغيرهم ممن يعانون رُهاب اختلاف الميول الجنسية، إلى الحد الذي يعبر عن مجتمع بعينه أو شريحة طبقية ما، مثل مجموعة "AUC LGBTQ"، التي أسسها طلاب الجامعة الأمريكية بالقاهرة في فبراير 2013، بهدف طرح أفكارهم دون مواربة، في محاولة لتنظيم كيان يحتوي على هواجسهم.

تشير سارة الجوهري إلى أنها تنظم ورش عمل بشكل دوري مع أعضاء رابطة AUC بفرع الجامعة الأميركية في ضاحية التجمع الخامس، لتهيئة المناخ الصحي للمعيشة دون توتر، خصوصاً أن هناك حالات تعاني من اضطهاد مجتمعي بسبب الكشف عن هويتهم الجنسية.

تشارك ندى القاضي في مثل تلك التطبيقات والروابط، فهي ترى فيها وسيلة لتفريغ الطاقات، والبحث عن مكان دافئ، يحتوي على صراعاتها المستمرة مع المجتمع، وبنظرة أكثر براغماتية، تنتظر فرجاً بالهروب إلى مكان آخر حال التزام تلك المنظمات بوعودها في تسهيل إجراءات الهجرة.

الهرب كان الحل

بعكس ندى، لم تعلق كارلا ثروت آمالاً على المنظمات الحقوقية كثيراً، قبل هروبها إلى ألمانيا، لإجراء جراحة جنسية كاملة، تحولت على إثرها من كيرليس إلى كارلا، لتنجح في استخراج أوراق رسمية في حلتها الجديدة، سهلت إجراءات الحصول على حق اللجوء إلى ألمانيا.

كارلا وزوجها كارلا وزوجها

ولدت الفتاة العشرينية في محافظة سوهاج، حيث العادات والتقاليد المحافظة جداً، والتي لا تعترف بمصطلح التحول الجنسي. وكشف أمرها لأهلها، عندما بلغت 19 عاماً، دفعها إلى الهروب من غضب الأهل والزواج في مجتمع آخر، يظهر تسامحاً كبيراً في التعامل مع أصحاب الميول الجنسية المختلفة، بحسب ما توضح لرصيف22.

تقول كارلا بعد سنوات من استقرار أوضاعها وانخراطها في حياة جديدة خالية من الصراعات نوعاً ما: "لا يوجد وجه مقارنة بين حقوق المتحولين جنسياً في مصر وألمانيا، أو في مجال حقوق الإنسان عموماً. هنا يعيش بإنسانية وتسامح مع أي وضع حتى لو كان مختلفاً عنهم".

تبدو نصيحة كارلا واضحة إلى جميع من يمرون بظروفها نفسها، وهي البحث عن وسيلة للسفر، وإجراء الجراحة خارج البلاد. يظهر ذلك في تعليقات أصدقائها على فيسبوك، بأنها باتت مصدر إلهام لهم في إمكانية النجاح والظفر بحياة جديدة، غير آبهة بالتهديدات التي تتلقاها من حين لآخر عبر حسابها الشخصي.

عيادات "بير السلم"

تتحكم الظروف المادية بشكل كبير في مصائر المتحولين جنسياً، فالقادرون مالياً ينعمون بفرصة أفضل في السفر، أما غير القادرين فيبحثون عن عيادات "بير السلم"، في ظل أزمة الرخصة الطبية من الأزهر ونقابة الأطباء، وفقاً لعادل رمضان، الباحث في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية.

يشير المحامي بالمبادرة، إلى أن العيادات الصغيرة تحتضن بعض المحاولات الفاشلة لإجراء الجراحة الجنسية، والتي تنتهي بمعاقبة الأطباء المخالفين للائحة. ولفت إلى أن الدولة مسؤولة عن إجراء هكذا عمليات لأنها تُجبر الناس على اللجوء إلى ذلك.

ويختتم رمضان بالحديث عن إشكالية أخرى تواجه المتحولين، وهي عدم تغيير الأوراق الرسمية، فتتباين مواقف القضاة في قضايا تغيير الجنس وفقاً لشخصية القاضي وخلفياته النفسية والاجتماعية.

التعليقات

المقال التالي