فتاوى أردنية لا تتوافق مع حقوق الإنسان

فتاوى أردنية لا تتوافق مع حقوق الإنسان

على الرغم من أن الأردن ملزمة قانونياً بالاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان الموقعة عليها، تظهر بعض الفتاوى في المملكة التي لا تتوافق مع هذه الحقوق والالتزامات. ويرى خبراء ومراقبون أن بعض الفتاوى التي تصدر من دائرة الإفتاء العام الأردنية "تستند لمدارس فقهية قديمة"، وهذا ما يعرقل مسيرة تطبيق مفاهيم حقوق الإنسان ولا يجاري تطورات العصر. ويعتبر خبراء آخرون أن الفتاوى التي تستند إلى نصوص قرآنية ومدارس فقهية حديثة، لا تتعارض ومعايير حقوق الإنسان التي وقّعت عليها الأردن، بل تحميها وتحرص على تطبيقها.

صدرت دراسة أخيراً تقوم على منهجية مراجعة الشكاوى الصادرة عن دائرة الافتاء والمنشورة على موقعها الإلكتروني، أعدها الخبير الحقوقي رياض صبح بدعم من منظمة فريدريتش إيبرت Friedrich Ebert الألمانية. وعمل صبح على مسح 2198 فتوى، 630 منها لها علاقة بحقوق الإنسان، وعلى تحديد ما يتفق منها وما لا يتفق مع هذه الحقوق.

اعلان


ورصدت الدراسة مجموعة واسعة من الفتاوى التي تتناول الحقوق المدنية والسياسية، وبينت أن 58.3% منها لا تتفق مع المعايير الدولية و41.7% تتفق.

وكان عدد الفتاوى التي تتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية 219 فتوى، 28% منها لا تتفق مع حقوق الإنسان، و72% تتفق. إضافة إلى 210 فتاوى تتعلق بحقوق الفئات الأكثر عرضة للانتهاك، 49.5% لا تتفق مع حقوق الإنسان، و50.5% تتفق.

أي أن نسب الفتاوى التي تتفق والمعايير الدولية 45%، مقابل 55% لا تتفق.

وتأتي أهمية الدراسة في القيام بمسح تحليلي لكافة الفتاوى، وتقديمها للناس، للتمييز بينها، بحسب رياض صبح. ويقول: "قمت باستعراض كل الفتاوى المنشورة منذ بداية العام الحالي حتى آخر شهر يونيو بجهد فردي".

حقوق المرأة

ومن الفتاوى التي لا تتفق مع حقوق الإنسان، في ما يتعلق بحقوق المرأة والمساواة مع الرجل، تلك المتعلقة بجواز عمل المرأة، إذا أنها تشير إلى شرط عدم الاختلاط مع الرجل، وعدم توفر من يعيل المرأة من جهة أخرى، كشرط لعملها. وصدرت فتوى أخرى تعتبر أن المرأة لا يليق بها تولي القضاء والولاية العامة.

ويرى الخبير الحقوقي العمالي "أحمد عوض"، أن هناك حاجة لمراجعة بعض المرجعيات الفقهية التي يستند إليها بعض المفتين، فقد تطورت تلك المرجعيات التي أصبحت غير صالحة للتطبيق في العصر الحالي.

كما أنها لا تأخذ بعين الاعتبار متطلبات الحياة، منها قضية اختلاط المرأة بالرجل في العمل، في الوقت الذي كانت تتطور فيه مدارس فقهية، نظراً لأن المرأة، وفي عصور قديمة، بدأت تختلط بالرجل في عدة مجالات.

أقوال جاهزة

شارك غردفتاوى أردنية بعدم جواز الاختلاط بالرجل، وعدم جواز عمل المرأة في حال وجود معيل... أين يعيش هؤلاء؟

شارك غرددراسة تبين أن 55% من الفتاوى الصادرة عن دائرة الإفتاء العام الأردنية لا تتوافق مع حقوق الإنسان والمعايير الدولية!

وأكد عوض أنه يفترض أن تستند المرجعيات المتعلقة بالعمل لحاجات المجتمع ومتطلباته، وأي تجاوزات خارج نطاق هذه المعايير يعتبر انتهاكاً يجب مقاومته، وعدم منع نصف المجتمع من المشاركة في العمل.

وفي ما يتعلق بعدم جواز تولي المرأة القضاء والولاية العامة، أشار عوض إلى أن الواقع يثبت عكس ذلك، فالمرأة قادرة على لعب جميع الأدوار من أصغر مهنة لأكبر مهنة، لافتاً إلى أن القدرات هي التي تحدد من يصح ومن لا يصح في تولي أي منصب.

حقوق في الحياة الثقافية

لا تنسجم فتوى منع تمثيل الصحابة في الأعمال الدرامية، مع حقوق الحياة الثقافية، التي يتفق معها نقيب الفنانين الأردنيين ساري الأسعد. ويقول الأسعد: "يوجد رموز دينية لستُ مع تجسيدها في الأعمال الدرامية لعدة أسباب أهمها أنها ذات قدسية خاصة".

لكن للمخرج السوري "حاتم علي"، رأياً معاكساً. وهو المخرج الذي تعرض لانتقادات واسعة حين أخرج مسلسل عمر بن الخطاب، لأنه برز شخصية الخليفة عمر بن الخطاب بالصورة، من خلال تجسيد الممثل سامر اسماعيل لهذه الشخصية.

الانتقادات طالبت بإيقاف المسلسل، وبمنع ظهور الممثل اسماعيل في أي عمل درامي أو سينمائي. وعلق علي على هذه الفتوى بقوله: "برأيي لا يوجد نص صريح يمكن الاعتماد عليه في تحريم تجسيد الصحابة في الأعمال الدرامية، وأرجح أن هذا عرف مبني على مفاهيم خاطئة تعكس الجهل بطبيعة العمل الفني نفسه، كما تعكس عدم فهم قيمة الصورة بهذا العصر".

وأضاف علي في تصريح صحافي: "العمل الفني في النهاية وجهة نظر وصور وهو في الآخر مجرد تمثيل لواقعة تاريخية، كما حدث في مسلسل عمر، وبالتالي ليس هناك أي خوف من أن يخلط المشاهد بين الشخصية الحقيقية والممثل، حتى أن الأطفال يعون أنه تمثيل".

هذه الفتاوى بحسب علي، أعمق من أن تحرم تجسيد الصحابة في الأعمال الدرامية، فأبعادها تتجه إلى تحريم الفن نفسه، والموسيقى والتصوير والاختلاط.

الحق في الصحة

جاء في الدراسة أن هنالك مخالفات في صدور فتوى تحرّم وتقيّد تجميد الأجنة لغايات أطفال الأنابيب. فمقدمة الفتوى، التي تتحدث عن المحاذير، فيها الكثير من المبالغة والتقييد غير المبرر، خصوصاً عدم جواز عرض عورة المرأة لطبيب أو طبيبة إلا في حالة الخطورة على الحياة. إضافة إلى تحريم تجميد الأجنة، إلا لمدة محدودة، وهي شهر واحد فقط.

ويعلق مستشار الطب الشرعي الدكتور "مؤمن الحديدي" على هذه الفتاوى: "في القضايا الفنية والصحية يجب إشراك أرباب الفن والصنعة في شرح الأمور التي لها علاقة بالقضية". وفي ما يتعلق بفحص الأطباء للمريضات، وحصره بحالات الخطورة على الحياة، يوضح أنه أمر قديم، تم تجاوزه منذ فترة طويلة، فعملية الطب، وخصوصاً النسائية والتوليد، تتطلب إشراك الأطباء والتعامل مع المهارات التي يملكونها، أكثر من البحث الجندري في ما إذا كان المريض ذكراً أو أنثى.

وفي ما يخص تجميد الأجنة لمدة شهر واحد فقط، فهذا موضوع قابل للنقاش، بحسب الحديدي. إذ يقول: "أعتقد أن الخلاف يكون فقط في حالة وفاة الشخص المعطي للأجنة وليس حصرها بشهر واحد". ويشير إلى أن تجميد الحيوانات المنوية للشخص المانح خلال حياته ليس فيها مشكلة، المشلكة بعد وفاته، فقد يلحقها تبعات كثيرة، مثل تلك التي تتعلق بالميراث وإسقاط الزوجية وغيرها، معتبراً أنه في كل الأحوال، يجب أن تستند الفتاوى على ثلاثة أعمدة، هي الطب والقانون والقيم الدينية والأخلاقية.

أما الفتاوى التي تتفق مع حقوق الإنسان، فأجازت دائرة الإفتاء التبرع بالأعضاء، لكن بشروط تحمي من الاستغلال.

الحق في حرية الفكر والوجدان والدين

تحدثت الدراسة عن فتوى ترفض تسجيل البهائيين في بطاقة الأحوال الشخصية، إذ يتم إدراج البهائية في خانة الديانة. وهو أمر تعلق عليه "تهاني روحي حلمي"، وهي بهائية وناشطة في حوار الأديان، بالقول: "بالنسبة إلى تسجيل البهائيين في الأردن، فإن عدم الاعتراف بهم يؤثر على حقوقهم المدنية، وعدم معاملتهم بهذه الحقوق أسوة ببقية الأردنيين. فبموجب عدم الاعتراف، هناك حقوق منقوصة لم تقدم لهم، أهمها عدم إصدار شهادات زواج لهم من دائرة الأحوال المدنية".

بينما يؤكد "قدرت قمي"، أحد ممثلي البهائية في الأردن، أنه لدى مراجعة بعض المواطنين البهائيين لوزارة الداخلية في موضوع تجنيس زوجاتهم الأجنبيات، اللواتي استوفين جميع الشروط لتجنيسهن، اتضح أنهم ما زالوا يعانون من مشكلة استصدار شهادات الزواج، التي تقف عائقاً في تجنيس الزوجة الأجنبية المتزوجة من أردني.

وبموجب قرارات إدارية صادرة عن دائرة الأحوال المدنية والجوازات العامة، لا تزال عقود الزواج البهائية تُعتمد فقط لإثبات الزوجية، إلا أنه لا يتم تسجيلها في واقعات الزواج. وبالتالي، لا تصرف بموجبها شهادات زواج. كما أن عدم الاعتراف بالبهائيين يترك أموراً ذات طابع إنساني بحت، تخص المواطنة الكاملة في الحقوق والواجبات، عالقة في الأردن. وهذا أمر لا يقتصر على عدم الاستقرار العائلي فحسب، بل يتعداه إلى أحكام التوريث.

كيف كان رد دار الإفتاء؟

وعن صعوبات إنجاز الدراسة، قال صبح: "لم أتعرض لمعوقات لأن الفتاوى منشورة على الموقع الإلكتروني، إضافة إلى أنني تواصلت معهم، وكان هناك تعاون في الإجابة على الأسئلة".

وفي رسالة إلكترونية من مدير العلاقات العامة والتعاون الدولي في دائرة الإفتاء الدكتور حسان أبو عرقوب، جاء أن "الشريعة الإسلامية متوافقة وداعمة لحقوق الإنسان، والفتاوى الصادرة عن الدائرة جاءت معبرة عن أحكام الشريعة الإسلامية، وأتت بكلياتها وجزئياتها لتكريم الإنسان وتحقيق مصالحه والحفاظ على حقوقه". علماً أن الدراسة ما زالت قيد البحث في دائرة الإفتاء العام، مع الباحث نفسه، ومؤسسة فريدريش إيبرت الألمانية.

غادة كامل الشيخ

صحافية في جريدة الغد الأردنية، متخصصة في قضايا حقوق الإنسان، الحريات العامة، وقضايا الأسرى والمعتقلين.

التعليقات

المقال التالي