"سجن بره السجن": 3 نشطاء يروون تفاصيل حياتهم في ظل التدابير الاحترازية

"سجن بره السجن": 3 نشطاء يروون تفاصيل حياتهم في ظل التدابير الاحترازية

اتخذت السلطات القضائية في مصر بعض الإجراءات التي تمكن أجهزة الشرطة، من مراقبة النشطاء الذين اتهموا بالتحريض على التظاهر ضد الدولة، على خلفية العديد من القضايا، أبرزها اتفاقية تيران وصنافير وجماعة 25 يناير.

واستخدمت المحكمة صلاحياتها في وضع بعض القيادات الشبابية تحت التدابير الاحترازية، لقياس مدى التزامهم بجدول المراقبة، والحضور إلى أقسام الشرطة التابعة لهم 3 مرات أسبوعياً، إلى حين النظر في تجديد التدابير مرة كل 45 يوماً.

اعلان


يوضح أحمد عبد النبي، المحامي في مؤسسة حرية الفكر والتعبير، أن الهدف من التدابير الاحترازية هو الحفاظ على سير التحقيقات، وتخفيف وطأة الحبس الاحتياطي، لما فيه من أضرار اقتصادية واجتماعية على المتهم.

ويقول عبد النبي لرصيف22 إن تطبيق التدابير على بعض نشطاء قضية تيران وصنافير وجماعة 25 أبريل، هدفه تحجيم نشاط الأفراد وتقييد حريتهم، لكنها في كل الأحوال، أفضل من الحبس الاحتياطي. ويضيف: "الشخص الخاضع لهذه التدابير يمارس حياته بشكل طبيعي، لكن لا يستطيع مغادرة محل إقامته أو المحافظة، ولا يتخلف عن زيارة القسم كي لا يصدر قرار بالحبس مرة أخرى".

لا يكترث عبد النبي، الذي يتبنى قضايا عدد من النشطاء البارزين، لمراقبة النشطاء خلال التدابير الاحترازية، ويؤكد: "كل صاحب رأي في مصر تحت المراقبة لا النشطاء وحدهم".

زيزو عبده: الحياة تحت وصاية "الأخ الأكبر"

لا يحتاج زيزو عبده، القيادي في حركة 6 أبريل، سوى بضع دقائق داخل جنبات قسم بولاق الدكرور، ليشعر بأن آلة الزمن عادت به إلى سجن الجيزة المركزي، الذي قضى فيه فترة الحبس الاحتياطي على ذمة التحقيق في قضية تحريضه على التظاهر. فيستدعي خلالها مشاهد العنابر ووجوه العساكر والمساجين، التي ألفتها مخيلته في فترة حبسه. يعيش زيزو هذه الحالة 3 مرات أسبوعياً، كلما ذهب إلى القسم لتسجيل حضوره، في دفتر المراقبة، بين السادسة والعاشرة مساءً في أيام الأحد والثلاثاء والخميس، ضمن الإجراءات الاحترازية التي قررتها المحكمة في القضية.

زيزو-عبده

هكذا تعطلت حياة زيزو، أو بحسب تعبيره، توقفت في المنتصف، فلم يعد يشعر بهواء الحرية، الذى كان يتنفسه عقب خروجه من السجن في المرات الأربع السابقة. وقال: "أعيش شبه حياة بين السجن والحرية. حياتي ملأى بالهواجس نتيجة عدم الأمان والخوف من المجهول".

قضى زيزو 45 يوماً تحت مظلة التدابير الاحترازية، التي حددتها المحكمة. ومنذ خروجه من السجن، بعد حبس احتياطي 5 أشهر، تسيطر عليه الأفكار القديمة. يضيف: "أشعر أنني غير متزن وعصبي باستمرار، فالتدابير الاحترازية تربطك بالحياة القديمة، التي عشتها وتعيقك عن العيش بإيقاع حياتك السابق". يصمت زيزو ليفكر في التعبير المناسب لوضعه الحالي، ليستقر على "محبوس بره السجن".

لم يعد يتحكم زيزو في إيقاع حياته كما أوضح، وهذا ينطبق على علاقاته الاجتماعية والمهنية والسياسية أيضاً. إذ يشعر دائماً أن "الأخ الأكبر"، يراقبه، سواء في محيط سكنه بحي بولاق في الجيزة، أو دائرة انتشاره في منطقة وسط البلد، وأحاديثه عن السياسة تلاشت تماماً، حرصاً منه على إنهاء الوضع الحالي.

يقول: "عند خروجي من السجن، تلقيت تحذيرات من مأمور مباحث القسم، بعدم مزاولة النشاط السياسي الاعتيادي، سواء من خلال آرائي الشخصية أو العمل الحركي، علماً أن هاتفي وحسابي على فيسبوك تحت المراقبة باستمرار".

ويتابع: "خضت تجربة الحبس الاحتياطي والاعتقال لفترات طويلة في عهد جميع الأنظمة، لكن وجودي خارج السجن هو ضمانة لي بالحياة ولو منقوصة، فأنا مثل الغريق الذي تعلق بالقشاية".

أقوال جاهزة

شارك غرد3 نشطاء مصريين يروون تفاصيل حياتهم في ظل التدابير الاحترازية... من القسم إلى المنزل وبالعكس

شارك غرد"علشان تتكلم في السياسة في مصر حاول أن تكون وحيداً بلا أسرة أو زوجة وأطفال"

حالياً لا يفكر القيادي في حركة 6 أبريل، إحدى أقدم الحركات الاحتجاجية في مصر، في شغل وظيفة ثابتة في أي شركة خاصة، خصوصاً في ظل وضعه القانوني المؤرق: "أبحث عن العمل في مجال خاص بي. فمن يقبل بشخص ينقطع عن العمل لأسباب احترازية؟".

ربما تؤثر تجربة الإجراءات الاحترازية في حياة الناشط السياسي إلى درجة لم يكن يتخيلها لنفسه، فحلم الهجرة الذي لم يخطر على باله قط، وظل رافضاً له في السنوات الماضية، بات أهم أهدافه التي يعتزم تحقيقها في المستقبل القريب.

هيثم محمدين: عزلة التدابير

كانت الساعة تشير إلى التاسعة والنصف مساءً، حين هاتفنا هيثم محمدين، القيادي البارز في حركة الاشتراكيين الثوريين، بينما جاء الصوت الآخر عبر الهاتف بطريقة لا تخلو من القلق والحيطة: "ممكن نتكلم بعد ساعة ونص. مش هينفع دلوقتي خالص". كان هيثم يتحدث من داخل قسم شرطة الصف، على أطراف جنوب القاهرة، حيث يقضي آخر 30 دقيقة له في دفتر المراقبة لهذا اليوم، كعادة أيام الأحد والثلاثاء والخميس، التي يقضي ثلثها الأخير في قسم الصف.

هيثم-الاشتراكي

بنبرة هادئة ومتقطعة، بدأ هيثم يتحدث عن تجربة التدابير الاحترازية: "أنا مش فرحان بإخلاء سبيلي بالتدابير، لأنها حبسة بره الحبسة".

بالنسبة إلى هيثم (35 عاماً)، فإن "البقاء داخل السجن لقضاء فترة الحبس الاحتياطي أفضل كثيراً من الإفراج عن جسدك، فقط دون أفكارك وحريتك" إذ إنه لا يستطيع التأقلم مع الوضع الحالي، دون عمل ثابت أو ممارسة طقوسه اليومية بين المحكمة واللقاءات الاجتماعية.

يشير محمدين إلى أنه لم يسعَ للتواصل مع أصدقائه منذ خروجه في شهر أكتوبر، بهدف عدم التنقل خارج ضاحيته النائية. كما لم ينتظم في عمله بأحد مكاتب المحاماة حيث كان يعمل لدى القبض عليه قبل تظاهرات 25 أبريل، المناهضة لاتفاقية تيران وصنافير مع السعودية.

هيثم-محمدين

يوضح المحامي العمالي: "جزء كبير من يومي يضيع في النوم ولقاء بعض الأصحاب قبل التوجه إلى القسم، الذي يبعد عني مسافة ساعة"، لافتاً إلى أنه لا يستطيع مزاولة عمله، خشيه من إهماله حضور بعض الجلسات المسائية في أيام المراقبة بقسم الشرطة.

وما هو الفرق بين التدابير الاحترازية وفترات الحبس الاحتياطي؟ يجيب محمدين: "كنت أعلم أنني متهم في قضية معينة، لكن موقفي سليم قانونياً وأمارس حياتي بشكل طبيعي، بعكس أن تكون مراقباً بصفة مستمرة".

لم يتأذَّ محمدين من هذه التجربة إلا في موقفين، أولهما وجوده في القسم لمدة 4 ساعات أمام أهالي منطقته، والموقف الآخر هو طلب أصدقائه رؤيته في بعض المحافظات، التي كان دائم الترحال إليها، مثل السويس والإسكندرية والمحلة، لكنه اعتذر بسبب خوفه من كسر التدابير.

حمدي قشطة: الأسرة وحدها تكفي

لم يصدر هاتف حمدي قشطة، القيادي بحركة 6 أبريل وحزب الدستور، رنيناً صاخباً طول فترة اللقاء الذي جمعنا في أحد المراكز الثقافية وسط البلد. فبقي محافظاً على العادات التي اكتسبها خلال فترة الحبس الاحتياطي، حين كان يمرر هاتفه الصامت دائماً إلى عنابر السجن.

حمدي-قشطة-الدستور

في الأسبوع الذى تلى تخلية سبيله، على ذمة قضية التحريض على التظاهر في قضية تيران وصنافير، لم يفتح قشطة هاتفه لاستقبال مكالمات التهنئة من أصدقائه. بينما كان يتحسس طريقة نومه على سرير شقته، بعدما كان يحشر مع 9 آخرين فى زنزانة عرضها 4 أمتار.

بدأ قشطة، 32 عاماً، يستأنف حياته بعد أسبوعين قضاهما بين دفتر المراقبة في قسم الهرم في الجيزة، أيام السبت والاثنين والأربعاء، ولقاء الأصدقاء في أضيق الحدود. "قهر التدابير الاحترازية أقوى من السجن نفسه"، يقول قشطة جملته ثم يرتشف شفة من القهوة، وهو يتفحص حوائط المركز الثقافي الذي كان يلتقي فيه مع زملائه بحركة 6 أبريل. ويضيف: "الموضوع يشبه من أعطاك قلماً بدون حبره".

لم يتأثر قشطة بالتدابير في حياته العملية، خصوصاً أنه يدير تجارة خاصة بالأسرة فى مجال الاستيراد.
يحافظ قشطة على شعار "عمر السجن ما غيّر فكرة"، الذي طالما دوت أصداؤه في ميادين الثورة خلال السنوات الماضية. فهو يعتقد دائماً أن تجربة الاحتجاز لا تغير من اقتناعات الأفراد في حياتهم.  ويقول: "أصعب موقف تعرضت له في التدابير حين طلب أحد الرفاق إعادة نشر فيديو لتعذيب شخص داخل قسم شرطة على صفحتي في فيسبوك. ترددت كثيراً قبل المشاركة، لعلمي أن حسابي مراقب. لكنني في النهاية شاركته اتساقاً مع مبادئي بالوقوف في صف المظلومين".

لا يخفي العضو في حزب الدستور، الذي أسسه الدكتور محمد البرادعي بعد ثورة 25 يناير، مراجعته لمواقفه السياسية خلال الفترة الماضية. فلا يزال السؤال الذي طرحته ابنته عن تفضيله حب البلد على حب أسرته يجول برأسه حتى الآن. يوضح: "علشان تتكلم في السياسة في مصر حاول أن تكون وحيداً بلا أسرة أو زوجة وأطفال".

ويختم قشطة: "الدولة لم تعد تسمح بممارسة السياسة سواء بالرأي أو الاحتجاج، وعلينا، نحن كتنظيم سياسي قائم على الحراك الجماهيري، مراجعة مواقفنا من جديد".

التعليقات

المقال التالي