قانون الجمعيات الجديد: وداعاً للمجتمع المدني المصري؟

قانون الجمعيات الجديد: وداعاً للمجتمع المدني المصري؟

أضحى العمل المدني في مصر أمام أزمة كبيرة، بعد موافقة مجلس النواب على قانون الجمعيات الأهلية، وسط اعتراضات شديدة من مؤسسات حقوقية ورسمية، فضلاً عن نشطاء وأعضاء في البرلمان. جميعهم يرون أن القانون سد منافذ العمل الأهلي، وفتح باباً خلفياً لشل نشاطه، كما خالف نصوص الدستور والمواثيق الدولية.

وقد أطلق القانون يد الحكومة والأجهزة الأمنية للتحكم في أنشطة منظمات المجتمع المدني، ما قد يساهم في توقف أو تجميد أو تقليص أنشطة 47 ألف جمعية محلية، و100 أجنبية تعمل في مصر، إلى حين توفيق أوضاعها مع اشتراطاته.

اعتراضات دولية ومطالبات بوقف التمرير

اعتبر المقرر الخاص المعني بالحق في تكوين الجمعيات والتجمع السلمي في الأمم المتحدة، ماينا كياي، أن القانون يدمر المجتمع المدني في مصر لأجيال قادمة، ويحول منظماته إلى دمية في يد الحكومة. فقد صيغ عن عمد للحد من قدرته على العمل، وخنق قدرته على التعبير بحرية. وطالب في بيان له السلطات المصرية بالتوقف فوراً عن اعتماده في حين انتقدت مديرة قسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش، سارة ليا ويتسن، تعجيل مجلس النواب في اعتماد قانون من شأنه حظر ما تبقى من جماعات المجتمع المدني المستقلة في البلاد. لافتةً إلى أنه سيكون من المضحك القول إن مصر تسمح بعمل المنظمات غير الحكومية حال إقراره، لأنه سيجعلها تحت رقابة الأجهزة الأمنية.

وحسب بيانها على موقعها الرسمي، طالبت المنظمة الرئيس السيسي بـ"رفض مناورة مجلس النواب، وتأكيد حقه في صياغة قانون جديد بمشاركة المنظمات المصرية، وبما يتوافق مع الدستور والقانون الدولي".

الجهاز القومي باب خلفي للتأميم

تنص المادة 70 من الباب السادس على أن يتولى كيان جديد يدعى "الجهاز القومي لتنظيم عمل المنظمات الأجنبية غير الحكومية"، البت في كل ما يتعلق بتأسيس وعمل ونشاط المنظمات الأجنبية غير الحكومية في مصر، وطرق تعاونها مع المؤسسات والجهات الحكومية وغير الحكومية داخل البلاد، والتمويل الأجنبي للجمعيات والمؤسسات الأهلية المصرية. كما يتحكم في منح الموافقات للمنظمات الأجنبية غير الحكومية، على ممارسة نشاط أو أكثر داخل مصر، والبت في طلب تجديده أو تعديله أو إلغائه، مع التصريح بإرسال أو نقل أو تحويل أموال أو تبرعات إلى أي شخص، أو منظمة أو هيئة أو مؤسسة أو جهة فى الداخل أو الخارج.

ويتولى الجهاز أيضاً التصريح بالحصول على تمويل أو أموال من الخارج، أياً كانت طبيعتها سواء من شخص مصري أو أجنبي طبيعي، أو اعتباري، أو من جهة أجنبية، أو من يمثلها في الداخل، أو يعمل لصالحها، أو بإرسال أموال لها أياً كانت طبيعتها أو تمويل إلى أشخاص أو منظمات في الخارج. كما تلقي إخطارات التمويل المحلي للجمعيات والكيانات الخاضعة لأحكام هذا القانون من الجهة الإدارية.

وفي هذا السياق يرى نائب رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان، عبد الغفار شكر، أن إخضاع الجمعيات لسلطة الجهاز القومي باب خلفي لشل النشاط الأهلي في مصر. إذ يضع قيوداً كثيرة على عمل المنظمات المصرية والأجنبية، ويدفع معظم العاملين فيها إلى الانصراف عن النشاط التطوعي.

وأضاف شكر لرصيف22 أن المجلس أبدى 24 ملاحظة على مواد القانون، للمطالبة بمراجعتها. إذ يحمل بعضها شبهة عدم دستورية لتعارضه مع المواثيق الدولية، مشيراً إلى أن المجلس لا يملك وسائل تصعيد لأنه هيئة استشارية، تبدي رأيها وتوصياتها في ما يعرض عليها أو يحال إليها من السلطات، كما تتلقى الشكاوى وتدرسها قبل إحالتها إلى جهات الاختصاص.

قيود وعقوبات و"مجلس حرب"

تعطي المادة التاسعة الجهة الإدارية حق وقف قيد الجمعيات، إذا تبين لها خلال 60 يوم عمل من تاريخ الإخطار أن من بين أغراض الجمعية نشاطاً محظوراً أو مؤثماً، وفق قانون العقوبات أو أي قانون آخر، أو أن بيانات وملحقات الإخطار غير مستوفاة أو غير صحيحة.

ويقول رئيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، وعضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، حافظ أبو سعدة، إن المادة تحايلت على مواد الدستور التي تنص على إنشاء الجمعيات بالإخطار، كما أنها مخالفة لفلسفة القانون التي تعتمد على تحرير العمل الأهلي وتعزيز استقلاله. وأبدى اعتراضه على إطلاق يد الجهة الإدارية في وقف نشاط الجمعيات أو المؤسسات لمدة سنة، أو طلب حلها أو عزل مجالسها. كما استنكر وضعها تحت سلطة وزارة الدفاع، وجهاز المخابرات، في ما يشبه مجلس حرب. وهو ما يؤكد سعي الدولة لتدجين العمل الأهلي والنظر بعداوة إلى القائمين عليه، برأيه.

أقوال جاهزة

شارك غردقانون الجمعيات الجديد قد يساهم في توقف أو تجميد أو تقليص أنشطة 47 ألف جمعية محلية، و100 أجنبية تعمل في مصر!

شارك غردنحن أمام أسوأ قانون لتنظيم العمل المدني في مصر، بشهادة الحكومة والمنظمات المحلية والدولية العاملة في المجال

وأشار أبو سعدة إلى أن وضع عقوبات تصل إلى الحبس لمدة 5 سنوات وإجبار المنظمات الأجنبية غير الحكومية، على دفع 300 ألف جنيه عند طلب التصريح، وطلب تجديده أو تعديله، سيدفع عدداً كبيراً منها إلى وقف نشاطه، ما يعني وقف مشروعاتها المقدمة للفقراء، معتبرا أن لا أمل في التصعيد ضد القانون في ظل رغبة أمنية وحكومية في إقراره.

مستقبل غامض للعمل التنموي

وأبدت "مزن حسن"، الناشطة الحقوقية البارزة ومؤسسة مركز "نظرة" للدراسات النسوية، تخوفها على مستقبل مؤسستها، والمؤسسات المماثلة لها، إذ لن يترك لها القانون مساحات للعمل التنموي والخيري لوضعه قيوداً لا يستطيع أحد العمل وفقها، بحسب وصفها. منها الحبس سنة لكل من عاون أو شارك منظمة أجنبية في ممارسة نشاط أهلي دون الحصول على تصريح.

وأضافت لرصيف 22: "الاعتراضات لم تشمل المنظمات المدنية فقط، بل خرجت من مؤسسات الدولة نفسها، إذ أكد وزير الشؤون القانونية ومجلس النواب، المستشار العجاتي، خلال جلسة عامة للبرلمان، أن الحكومة لديها ملاحظات على القانون المقدم من رئيس لجنة التضامن عبد الهادي القصبي، كما أن طريقة إخراجه في 10 أيام فقط بدون حوار مجتمعي، مع طرحه للتصويت في ساعة ونصف، يؤكد أننا أمام أسوأ قانون لتنظيم العمل الأهلي في مصر، بشهادة الحكومة والمنظمات المحلية والدولية العاملة في المجال".

توفيق الأوضاع أو الحل

تنص المادة الثانية من القانون: "على جميع الكيانات التى تمارس العمل الأهلي وفق التعريف المنصوص عليه أياً كان مسماها، أو شكلها القانوني، أن توفق أوضاعها وفقاً لأحكامه خلال سنة من تاريخ العمل به، وإلا قضت المحكمة المختصة بحلها، وتؤول أموالها إلى صندوق دعم الجمعيات والمؤسسات الأهلية المنصوص عليه فى القانون المرافق. ويقف بقوة القانون كل نشاط يمارس بالمخالفة لأحكام هذه المادة".

في هذا السياق، يقول رئيس مؤسسة ماعت لحقوق الإنسان، أيمن عقيل، إن القانون من شأنه تحويل العاملين في المجتمع المدني إلى موظفين لدى الدولة إذ يحدد الجهاز القومي أنشطتهم ويتحكم في عملهم وفقاً لما أسمته المادة 14 بـ"خطة الدولة واحتياجاتها التنموية وأولوياتها"، أو بما لا يضر بالأمن القومي أو النظام العام أو الآداب العامة أو الصحة العامة، وهي تعبيرات فضفاضة، تضع الكثيرين أمام نيران العقوبات.

تصعيد حقوقي وتهديدات بالمقاضاة

وكشف رئيس مؤسسة ماعت أن مجموعة من منظمات المجتمع المدني أطلقت حملة جمع توقيعات لإرسال مذكرة إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، لمطالبته باستخدام حقه الدستوري في إرجاع القانون إلى مجلس النواب، لإعادة صياغته بما يتوافق مع المواثيق الدولية، مؤكداً اعتزام مؤسسته اللجوء إلى محكمة القضاء الإداري، للدفع بعدم دستورية القانون، والمطالبة بوقف تنفيذه حال تصديق الرئيس عليه.

الكرة في ملعب السيسي

وناشد تكتل 25 - 30 في مجلس النواب الرئيس السيسي عدم إصدار القانون، وإعادته إلى البرلمان مرة أخرى، لمزيد من الدراسة والمناقشة، للتمكن من صنع تشريع يدفع بالعمل الأهلي والمدني والتطوعي خطوات إلى الأمام وليس إلى الخلف، بحسب تعبيره، موضحاً في بيان له أنه كان من الواجب استدعاء النواب المعترضين أمام اللجنة، التي أقرت القانون لبيان وجهة نظرهم. فالتعديلات عليه حدثت بشكل سريع.

وأشار التكتل إلى أن الأعضاء تسلموا تعديلات القانون صبيحة مناقشتها، فلم يتمكن الجميع من دراسته الدراسة الواجبة، في الوقت الذى صودر حقهم في إبداء آرائهم داخل الجلسة.

وأكد عضو التكتل النائب هيثم الحريري لرصيف22 أن إقرار القانون وضع الكرة في ملعب الرئيس، الذي يجب عليه تبرئة ذمته منه وعدم الموافقة عليه احتراماً للدستور، لافتاً إلى أن مواده حملت روحاً عدائية واضحة تجاه العاملين في المجال المدني، ما يُعدّ رسالة مفادها أن "لا حاجة لحرية العمل الأهلي بعد الآن".

كلمات مفتاحية
المجتمع المدني مصر

التعليقات

المقال التالي