رسالة من آدم، شاب عربي يعيش مع فيروس نقص المناعة البشرية بسلام ووئام

رسالة من آدم، شاب عربي يعيش مع فيروس نقص المناعة البشرية بسلام ووئام

اسمي آدم. عمري 27 عاماً. لبناني. في شهر فبراير 2015 اكتشفت أنني مصاب بفيروس نقص المناعة البشرية. كنت أعيش نهاية علاقة حب. وقعت في حيرة كبيرة في ذلك اليوم. فكّرت بالانتقام من الشخص الذي نقل الفيروس لي. كنت بحاجة أن يبقى إلى جانبي بعض الوقت. لئلا أقع وأستسلم. لأشعر بالسماح.

كنت أجري الفحص بانتظام، ولكن في ذلك اليوم أتت النتيجة إيجابية. ردة فعلي الأولى كانت قاسية جداً. كثرت التساؤلات في رأسي، كيف ستتحول حياتي بعد اليوم؟ كيف سأتعايش مع الفيروس؟ ماذا أفعل الآن؟

اتصلت بصديق لي، وأخبرته عن اكتشافي الأخير، كي لا أشعر أنني وحيد في ذلك الثقب الأسود. لا لم أفكر بمصارحة عائلتي، وبعد مرور حوالي سنتين، ما زال الأمر سراً عنهم. الأمر دقيق تعرفون، علي أن أختار الأشخاص الذين أثق بهم قبل أن أصارحهم، الأشخاص الذين لن يحكموا علي، والذين لن يبالغوا بردة الفعل وبالاعتناء بي. أشعر اليوم أنني محاط بمجموعة أشخاص مقربين مني يدعمونني بشكلٍ ممتاز، حتى ولو سمعت مرةً تعليقاً مزعجاً لا محل له من الإعراب.

الانتقام من الشخص الذي نقل لي الفيروس كانت فكرة تراودني، جملة بسيطة مثل "آسف فعلت هذا بك" كانت لتريحني، أو مجرد أن يبقى إلى جانبي في الفترة الأولى، لا أكثر. الانتقام، الانتقام في أي وسيلة؟ ولكن إذا فكرتم فيها أكثر، فما النفع منه؟ ألن تكون النتيجة مؤذية لي فقط؟

الانتحار؟ غير وارد. الاستسلام أيضاً. فأنا إنسان يعيش حياة صحية حتى الآن، وأعرف كيف أعتني بنفسي، لمَ التخلي عن الحياة إذاً؟

أقوال جاهزة

شارك غرد"لم يأخذ الفيروس مني شيئاً" يقول آدم، الشاب المتعايش مع فيروس نقص المناعة البشرية

شارك غرد"تتساءلون عن حياتي الجنسية؟ نعم لم أزل أقيم علاقات جنسية” آدم يحاول هدم الأفكار المسبقة التي نملكها عن فيروس نقص المناعة

لنتحدث عن العلاج. نعاس، تعب، غثيان... فقط في المرحلة الأولى منه، وبعد مرور شهرين عادت الأمور لطبيعتها السابقة. ما زلت أشعر أحياناً بالقليل من النعاس عند أخذ الدواء، ولكن الأمر محتمل، بما أنه لا يمنعني من إكمال يومي بشكلٍ طبيعي. المنبّه يرن في الساعة نفسها كل يوم لآخذ الحبة، هكذا تعودت حتى ولو أعرف أنني لن أنساها. آخذ حبة الدواء أينما كنت، في المنزل، مع الأصدقاء، في الشارع، في المول، في البار، فهي مجرد حبة دواء. كما لو أنكم تأخذون حبة بانادول حين يؤلمكم رأسكم. الأمر يتحول إلى روتين بسيط، لا قلق يراودني على صحتي، جسمي ما زال نفسه.

تتساءلون عن حياتي الجنسية، مثل الكثيرين، نعم ما زلت أقيم علاقات جنسية، ولكن بوتيرة أخف. سبق أن أخبرت الطرف الآخر عن وضعي، ومرت الأمور على خير. فقد أصارح الشخص الآخر عندما أشعر أنه يتقرب جداً مني، فهو يستحق أن يعرف. ولكن أشعر أيضاً بعدم الحاجة لأن أخبر آخرين، إذ أقوم بعلاقة جنسية آمنة معهم طبعاً، باستخدام واقٍ ذكري. لا أخاف على الآخر حين أمارس الجنس معه، لأنني أعرف أنني لن أنقل الفيروس له بفضل الدواء الذي آخذه باستمرار، وبحرصي على استخدام الواقي الذكري مهما كلف الأمر.

ما يقلقني بالأحرى هو فكرة الآخر، ماذا لو رفض إقامة علاقة مع شخصٍ "إيجابي"؟ ماذا لو لم أصارح الشخص الآخر بوضعي وعرف ذلك الأخير عن وضعي من مكانٍ ما، ولم يتقبل الأمر؟ ماذا لو صارحت أحداً وهرب مني؟ أفكر دوماً في هذا، في شعور الشخص الآخر ومشاعره، هل أصارحه أم لا، هل الأمر يخصني أنا فقط ما دام الشخص الآخر محمياً كلياً بفضل العلاج والوقاية.

لم يأخذ الفيروس مني شيئاً. على العكس جعلني إنساناً أكثر نضجاً ووعياً عن نوعية الحياة التي أعيشها. ما زلت أملك الأحلام نفسها التي كنت أحلم بها قبل اكتشاف أنني "إيجابي". بل تعلمت أيضاً أن أركز على الأشياء الهامة لأتمكن من تحقيقها بوقتٍ أسرع، وتعلمت أن أكون سعيداً بكل بساطة، بعيداً عن الأمور المعقدة. أرى الحياة بوضوحٍ أكبر.

لم أتغير، ولكن بالنسبة للمجتمعات العربية أنا إنسانٌ من نوعٍ آخر. هل تعلمون أني أخشى طلب الفيزا للسفر إلى بعض البلدان العربية خشيةً أن يطلبوا إجراء فحص فيروس نقص المناعة البشرية، ويرفضون طلبي؟ أصحابي يعيشون في دبي ويحاولون دعوتي دوماً لأشاركهم جزءاً من حياتهم، لكنني أختار أن لا أذهب وأن لا أخاطر، كي لا أشعر بالتمييز. اضطررت مرة للسفر إلى كردستان بداعي العمل، وطلبوا مني إجراء الفحص للحصول على الفيزا، لكنني تمكنت من تفادي ذلك بفضل الإجراءات التي قمت بها مباشرة من هناك لتفادي تلك الخطوة.

أقول للآخرين الذين يظنون أن العيش مع إنسان "إيجابي" هو أمرٌ خطير، تثقفوا أكثر عن الأمر، حاولوا أن تجمعوا معلومات كافية عن الفيروس وعن العلاج، وآمنوا بالعلم، وبما استطاع أن يحققه لجعل حياة شخص "إيجابي" أكثر صحة، وضمان الوقاية في الوقت نفسه.

أقول للأشخاص الذين يخشون مصادقة "إيجابي" أو الوقوع في حبه، غيروا رأيكم. الإنسان "الإيجابي" هو إنسان قبل كل شيء. كلٌ منا لديه مشاكله الصحية، وذلك لا يردعني عن التقرب من إنسان يعاني من آلام في الرأس أو من آخر يعاني من مرض السكري، فلمَ إذاً قد يخشى أحد الاقتراب من شخص "إيجابي"؟ الأمر لم يعد مشكلة كبيرة اليوم مع العلاج المتوفر، فأين المشكلة؟

أناشد المجتمعات العربية أن تعمل على وضع قوانين توفر المساواة من كافة النواحي. افتحوا مجال المعرفة للمواطنين، أعطوهم المعلومات الكافية ليتمكنوا من مساعدة أنفسهم وغيرهم، أطلقوا حملات توعية حقيقية، واحذفوا الفيروس من خانة التابوهات. تحدثوا عن الأمر، واعطوا للمصابين مساحةً آمنةً ومريحةً ليتمكنوا من مصارحة أقاربهم والتحدث عن المرض بشكلٍ علني. فقد حان الوقت للتحدث عن فيروس نقص المناعة البشرية بكل تجرد.

مركز الصحة الجنسية "مرسى"

بالتعاون مع مركز الصحة الجنسية "مرسى" في بيروت، المركز الوحيد في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الذي يؤمّن خدمات شاملة متعلقة بالصحة الجنسية لكافة الفئات الاجتماعية، تمكنّا من دفع آدم إلى كتابة رسالة صريحة موجهة إلى الجمهور العربي، من المصابين وغير المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية. لعلّ "الإيجابية" تجلب بعض الإيجابية الحقيقية لحالة التمييز التي تعيشها مجتمعاتنا. قد يكون أحد أفراد عائلتكم، أحد أولادكم أو أصدقائكم، مصاباً بالفيروس ولا يجد وسيلة سهلة لمصارحتكم بحالته. ربما حان الوقت لنعطيهم الفرصة للتعبير عن أنفسهم كي لا يشعروا أنهم مختلفون، وأنهم يحملون عار العائلة والمجتمع، وأن الحياة لم تعد ملكهم. كلنا معرضون للإصابة، والتمييز بحق "الإيجابيين" هو تمييز بحق أنفسنا.

تشير البيانات المتوفرة لدى "مرسى" إلى ارتفاع عدد الإصابات بفيروس نقص المناعة البشرية في فئة الشباب، لا سيما ممن تراوح أعمارهم بين 18 و24 عاماً. لذلك تركّز الجمعية في حملتها هذا العام على أهمية استخدام الواقي الذكري وضرورة إنشاء تربية جنسية شاملة للشباب. ومن خلال الشراكات العديدة التي تقيمها "مرسى" مع جمعيات تحمل القيم نفسها، ومع وزارة الصحة التي طوّرت البرنامج الوطني لمكافحة الإيدز في لبنان، يقترب اليوم الذي سيصبح فيه "الإيجابيون" أكثر من مجرد أشباح في المجتمع.

لإقامة فحص فيروس نقص المناعة البشرية مجاناً والحصول على استشارة طبية وتلقي إرشادات نفسية واجتماعية فعّالة في بيئة صديقة وآمنة، زوروا موقع مرسى.

كريستين أبي عازار

صحافية لبنانية تعمل في مجالي الإعلانات والصحافة المكتوبة. متخصصة في الشؤون الاجتماعية والثقافية في منطقة الشرق الأوسط. عملت سابقاً في مجلة ماري كلير Marie Claire العالمية بنسختها العربية.

التعليقات

المقال التالي