ومن قال إن الكذب خطيئة؟

ومن قال إن الكذب خطيئة؟

هناك مثل قديم يقول: "الكذب جرعة مسكنة ضدّ الحقائق المؤلمة"، ومثل آخر يقول: "إكذب كذبة كبيرة ثم حاول تبسيطها وكررها، في النهاية ستصدقها". أقاويل كثيرة وأمثلة مختلفة تناولت موضوع الكذب عبر التاريخ، منها من اعتبره خطأ ودعا لتجنبه، واعتماد الحقيقة أسلوباً للمخاطبة في جميع الأحوال، كالمثل القائل: "الحقيقة العارية أفضل دوماً من أجمل كذبة لباساً"، أما آخرون فاعتبروا أن جرعة الصراحة الزائدة مضرة لصاحبها، ومفسدة للعلاقات بين البشر، لأنها تتحول إلى وقاحة في بعض الأحيان. فتُرجمت تلك الأفكار من خلال أمثال، منها: "لا تبالغ في المجاملة حتى لا تسقط في بئر النفاق، ولا تبالغ في الصراحة حتى لا تسقط في وحل الوقاحة"، و"الصراحة والكرم، لو لم يصحبهما الاعتدال أدّيا بصاحبهما إلى الخراب".

ويقول الكاتب البريطاني مالكوم ماغيريدج: "البشر لا يصدقون الكذب لأنهم مجبرون على ذلك، لكن لأنهم يريدون ذلك".

للأدب العربي أمثلته أيضاً عن الكذب والصراحة، وهو يعبّر بطبيعة الحال عن ثقافة الشعب. يقول محمود درويش: "الخطابة هي الكفاءة العالية في رفع الكذب إلى مرتبة الطرب، وفي الخطابة يكون الصدق زلة لسان". أما الأديب جميل صدقي الزهاوي فقال: "الكذب راقك أنه متجمّل والصدق ساءك أنه عريان".

وللدين رأيه أيضاً عن الكذب. رغم اعتباره "من قبائح الذنوب، وفواحش العيوب"، يبيح الدين الإسلامي الكذب في ثلاث حالات: الكذب للإصلاح بين المتخاصمين، والكذب على الأعداء في الحروب، والكذب لإرضاء الزوجة، كما أشار موقع Islamqa الذي فسّر أن الكذب ليس محرماً لذاته، بل لما يترتب عليه من المفاسد. فإذا كان الكذب سيؤدي إلى دفع مفسدة أعظم، أو جلب مصلحة أكبر، صار جائزاً حينئذ. وأضاف أن الكذب في ما يتعلق بالزوجين له حدود وقيود، فلا يُحَمِّل أحد الطرفين مسؤولية ليست عليه، أو يسقط عنه أخرى. يقول الحافظ ابن حجر: "واتفقوا على أن المراد بالكذب في حق المرأة والرجل إنما هو في ما لا يسقط حقاً عليه أو عليها، أو أخذ ما ليس له أو لها... واتفقوا على جواز الكذب عند الاضطرار كما لو قصد ظالم قتل رجل وهو مختف عنده فله أن ينفي كونه عنده ويحلف على ذلك ولا يأثم". هذا في حال ساهم الكذب في إنقاذ روح.

أما الكذب في الحالات الأخرى، فهل هو فعلاً وسيلة إنقاذ أم حالة اجتماعية مرضية يستخدمها الشخص للهروب من تحمل عواقب أفعاله أو خوفاً من خسارة من يحب؟ وهل تكون الصراحة مؤذية بالفعل أم أن العبرة في أسلوب الكلام والوضوح مع الذات أولاً؟

الكذب عند العرب "بروتوكول" اجتماعي؟

"كذبت كي لا أؤذي مشاعره/ها"، عبارة نسمعها كثيراً خلال جلساتنا، إذ يقوم الشخص بتبرير لجوئه إلى الكذب لإرضاء الشريك أو الصديق أو الابن. فيرضى عنه الآخير، ولا يحصل خصام. اختلاق قصة أو تغيير وقائعها لتتمايل مع ما يريد الآخر سماعه أمر ليس في غاية السهولة، ولا هو ميزة لدى الجميع، لأن الإنسان كي يستطيع أن يكذب يحتاج لقدرات ذهنية، وتفكير جيد وذاكرة قوية ومنطق متطور وخيال واسع، وتبريرات جاهزة، وقدرات نفسية وانفعالية، مثل التحكم بمشاعره وتعابير وجهه وتصرفاته، وتكييفها حسب الوضع الذي يخلقه عندما يكذب. وهذه القدرات اللازمة للكذب يجب أن يرافقها استعداد الشخص أخلاقياً وتربوياً للكذب. إذاً الشخص الذي يقنعك بكذبته هو الذي أتقن "فنّ" الكذب، أما الذي استطعت كشفه فهو من لم يقدر على استثمار جميع قدراته العقلية والنفسية.

أقوال جاهزة

شارك غردثقافة المداراة وإخفاء الأمور التي ما زالت تعتبر تابو حاضرة جداً في ثقافتنا العربية، ما يهيئ أرضية خصبة للكذب...

شارك غرديدعونا المجتمع العربي للكذب الدائم في كل المسائل التي يرفضها... فكلما كذبت أكثر أحسنت التصرف

ما يميّز المجتمعات العربية عن الكثير من المجتمعات هي ثقافة المداراة، وإخفاء الأمور التي ما زالت تعتبر تابو، ما يهيئ أرضية خصبة للكذب. لكن الكذب هنا ليس فقط بتغيير قصة أو تزييف معلومة، بل يتعمم إلى خلق شخصية أخرى، لا تشبه الشخص لكنها أكثر تلاؤماً مع أفكار المجتمع والعيش فيها. يتخذ حينها الكذب منحىً متقدماً يصل حدّ الانفصام التام أو الميتومينيا أي المبالغة في الكذب الدائم. يدعونا أحياناً المجتمع للكذب في هويتنا أو حياتنا الجنسية، وفي مسائل أخرى يرفضها المواطن العربي، لكنه لا يتجرأ على التعبير عنها خوفاً من نظرة الآخر والأحكام الأخلاقية التي قد تلاحقه. فيفضل البعض عيش حالة إنكار مطلق لحقيقة يرونها ويعرفونها جيداً، فقط من أجل إرضاء الأهل أو البيئة، ولو كانت على حساب المسح الكامل لشخصية الإنسان ومعتقداته. فيصبح حينها الكذب أسلوب إيتيكيت اجتماعي. فكلما كذبت أكثر أحسنت التصرف.

الصراحة الشاقة

الكذب صفة لدى غالبية الأطفال، وإن كانت طبيعية في صغار السن نتيجة الغموض القائم في ذهنهم، وعدم التمييز بين الحقيقة والخيال. يكذب الطفل للفت نظر الأهل، إما إيجابياً، باختلاق قصص بطولية وهميّة، أو سلبياً بالتهرب من فعل قام به. والسبب ضعف الثقة بالنفس الناتج عن شخصية هشة في عمر صغير خوفاً من الحصول على قصاص. الأسلوب هذا يتطور مع تعلم الشخص مبادئ أخلاقية ودينية عن أهمية الوضوح والصراحة مع الآخرين، من خلال تعاليم تبدأ في البيت، ثم المدرسة والمجتمع. مبادئ تبقى متعارضة مع المخاوف الاجتماعية التي ترافق نمو الشخص واكتشافه لذاته، فعوضاً أن يقول الحقيقة مهما ترتب عليها يكون الكذب المخرج الأفضل.

يغفل الأهل تعليم طفلهم أن الصراحة ليست مرادفة للوقاحة، وأنه يستطع قول ما يريد بأسلوب سلس، وبعيد عن التجريح، بدل أن يلجأ إلى الكذب الذي سرعان ما يكشف، فيصبح موضع شك وتجنب من قبل المحيطين به. يعتبر الكثيرون أن في اعتماد الصدق مجهوداً كبيراً، ونتائج غير مضمونة، فخوفاً من إنهاء علاقة يكذبون أو "يجملون" فيخفون مشاعرهم أو أفعالهم. هكذا، تصبح حياتهم مجموعة أكاذيب صغيرة، اقتنعوا بحاجتها، وأقنعوا الآخرين بصدقها. لكن الحقيقة أن في الصراحة مجهود أقل لأنها وببساطة، لا تحتم على الشخص قول ما لا يريد أو الإقدام على تصرف لا يراه مناسباً وهو سيبقى محاطاً بأشخاص اختارهم هو وبأفكار تشبهه فعلاً ولا تُفرض عليه. يبقى الخوف في معظم الأحيان من المحاكمة الأخلاقية التي يشتهر الكثيرون في مجتمعاتنا العربية باعتمادها، فهم يحبّذون الكذب وسماع ما يرضيهم، ويرفضون الصراحة، لأنها تحملهم مسؤولية لم يتعوّدوا تحمّلها.

الكذب داء في كل المجالات

نكذب في البدء على أنفسنا، باختيار مهن لا نحبها فقط لأن الأهل رأوا ذلك مناسباً. نكذب في اختيارنا شريك حياتنا معتبرين أن حلم العمر تحقق، سرعان ما نهرع بعدها إلى محاكم الطلاق، في مجتمع باتت نسب الطلاق فيه مخيفة. نكذب على أولادنا ليناموا ويأكلوا ويدرسوا، وعلى تلاميذنا في المدارس أن المواد العلمية أساس النجاح وأنه لا حاجة لتوعية جنسية... وفي الفتاوى الدينية عن الجنس والحرام والحلال، والتعاطي مع المرأة. وفي برامجنا التلفزيونية، أن إعلامنا حرّ وكلمتنا حرّة، وفي السياسة والدين والحب والزواج وأمور الحياة الأخرى...

أين نحن اليوم من الصراحة؟ هل نكذب على الآخرين أم أننا فعلياً نعيش في كذبة صدقناها حتى أصبحنا غير قادرين على التمييز بينها وبين الحقيقة؟ وهل يجب مصارحة أنفسنا أولاً "هل نحن اليوم في الوضع الذي نريد، هل نحن قادرون على الشعور بما نريد وفعل ما نريد؟ أم أننا مسيرون بأكاذيب وجدت لأن الشخص لا يريد مواجهة الحقيقة واستيضاح ما هو واقع بدل التخفي"؟ تبقى العبرة بأسلوب المخاطبة وإيصال الرسالة، مهما كان محتواها صعباً، عوضاً عن العيش في كذبة تدفع بالشخص إلى حالة مرضية، تمنعه من تمييز الواقع. فالكذب كالسرطان خبيث يتفشى في عروق الشخص، ولا يكتفي بحدث واحد بل يمتد إلى تفاصيل حياته كلها.

ستيفاني غانم

أخصائية في علم النفس العيادي والتحليل النفسي. تقدم فقرة أسبوعية ضمن برنامج “ببيروت” على قناة LBCI الفضائية.

التعليقات

المقال التالي