لماذا يلجأ شباب اليوم إلى التبصير؟

لماذا يلجأ شباب اليوم إلى التبصير؟

لماذا لم تتزوجي بعد؟ لمَ لم تنجبي حتى الآن. هل يحبكِ شريككِ؟ لماذا لم تجد/ي عملاً مناسباً؟ هل تفكّر/ين بالسفر والعمل خارجاً؟

كل هذه وغيرها من الأسئلة التي يطرحها المجتمع ضمن حياتنا اليومية، تضعنا تحت ضغوط كبيرة تُفقدنا أحياناً راحة البال. ذلك يدفع البعض منا إلى اللجوء لطرق عديدة ولربما غريبة، إما للتنفيس عن الذات، أو لإيجاد أجوبة لإسكات أفواه المجتمع.

زيارة البصارات باتت لا تقتصر فقط على شريحة معينة من الناس، بل أصبح زوار البصّارات هم من الشباب المتعلّمين والمتحررين من سطوة العادات والتقاليد. تتكلّم رنا ابنة الثلاثين عاماً عن تجربتها الخاصة، وتقول: "مررت في فترة صعبة، وكان حديث المجتمع خصوصاً عائلتي، يضعني تحت ضغط نفسي شديد، لأنني لم أتزوج بعد. أنا متصالحة جداً مع نفسي، ولدي الحرية الكاملة، ولكن عقدة المجتمع وتفاهاته، ممكن أن تحبطنا في بعض الأحيان، فأنا في نهاية المطاف أسكن مع أهلي ونحن جزء من هذا المجتمع".

من هنا، قررت رنا أن تأخذ بنصيحة قريبتها، وتزور بصّارة تسكن في منطقة راقية في بيروت، تقصدها العديد من الفتيات اللواتي ينحدرن من طبقة راقية. تقول: "كلفة هذه الزيارة لا تتعدى 15 دولاراً أمريكياً، ولدى زياراتي المتكررة لها أخبرتني بعدّة أمور صحيحة عن أشخاص موجودين في حياتي، يسببون لي عدم الراحة". وبالفعل أخذت رنا بنصيحتها وإبتعدت عن هؤلاء الأشخاص، وتعتقد أنها مذاك تحسنت أوضاعها النفسية. وتؤكد على أنها لم تكن لتتجرأ على اتخاذ هذا القرار لو لم تزر تلك البصّارة، التي أعطتها الشجاعة للابتعاد عن مصادر الطاقة السلبية في حياتها.

أقوال جاهزة

شارك غردالشباب: يريدون أجوبة سريعة وهم على عجلة لاكتشاف ما يخبئه المستقبل، فلا يترددون في اللجوء إلى البصارات

تميل مجتمعاتنا العربية للإصغاء إلى المنجمين، لا سيما أن عددهم زاد في السنوات الأخيرة، فباتت تتهاتف عليهم المحطات التلفزيونية، للحصول على أكبر عدد من المشاهدين. فمن منا لا يذكر موجة ميشال حايك، ثم مايك فغالي، للوصول إلى "قنبلة الموسم" ليلى عبد اللطيف، التي يزورها نساء ورجال من عدة بلدان عربية، ومنهم أصحاب مراكز ومناصب مرموقة وسياسية هامّة. يعود سبب "الجلقان" هذا، للخمول الذي يمر به العرب من أزمات اقتصادية ووضع سياسي متأزم، وأخيراً ليأس البعض للحصول على زوج أو زوجة.

وبحسب شركات الإحصاء اللبنانية، فإن عدد المشاهدة على كل محطة، تستقبل منجماً، يتعدى الـ70% من معدل المشاهدة اليومي، لا سيما في الحلقات المخصصة لرأس السنة، التي تستقطب نسب مشاهدة عالية جداً. ولوسائل التواصل الاجتماعي دور كبير في تداول هذه الموجة.

الكثير من الشابات يُردن أجوبة سريعة وهم على عجلة لاكتشاف ما يخبئه المستقبل، ومنهن من يمر بضغوط اجتماعية. لذلك، وبدلاً من اللجوء إلى شخص أو طبيب متخصّص، يفضلن زيارة قارئة الغيب (البصارة). ولا يقف الأمر عند الشابات فحسب، إذ هناك الكثير من الرجال والشباب الذين لا يرفضون زيارة البصارة، ويعود ذلك لأسباب عديدة. يذكر سامي أحدها فيقول: "نصحتني صديقتي بزيارة إحدى البصارات التي كانت تقصدها، لأنني كنت دائماً أشكي لها عن الوضع المالي الصعب الذي كنت أمر به، ولم يكن باستطاعتي أن أزور معالجاً نفسياً، ليخفف عني، بسبب التسعيرة الغالية التي يطلبها الأطباء النفسيون في لبنان، لذلك تشجّعت للذهاب". يؤكد سامي أن الأمر كان غريباً في البداية، لكن البصارة التي قصدها مع صديقته كانت شابة، وكان مكتبها في منطقة الأشرفية في بيروت، وأخذت ما يعادل 40 دولاراً أمريكياً على الزيارة.

"عندما دخلت مكتبها، رمقتني بنظرة كلها تفاؤل وربما هذا جزء من عملها، لتجعل زبائنها يشعرون بالراحة. سألتني ما هو اسمك، وماذا تريد أن تعرف بالضبط، فأجبتها طبعاً عن مصيري المالي، ورجوتها أنني لا أريد معرفة أمور أخرى، ربما خوفاً مني، أو تهرباً من أمور أعتقد بأنها أقل أهمية من وضعي المالي الحالي". وأوضح أنها نصحته أن يأخذ قرضاً شخصياً، لأنه سيحصل على رزقة ما قريباً، تجعله يسد هذا القرض الذي سيساعده في الوقت الحالي، وبالفعل تبنى سامي نصيحتها وأقدم على طلب قرض شخصي.

البصارة بديلاً عن المعالج النفسي

الكثير يرفضون زيارة أو استشارة طبية، ليس بسبب التوفير أو عدم قدرتهم المادية، ولكن لعدم تقبلهم فكرة أنهم بحاجة لمعالجة نفسية. لا بد من الاعتراف بأن مجتمعاتنا الشرقية بالمجمل، ما زالت في 2016 لا تتقبل فكرة اللجوء لزيارة طبيب نفسي أو مدرب حياة Life Coach، خوفاً من نظرة المجتمع. فهنا نكون قد فتحنا باباً جديداً لسؤال، هو: "لماذا يزور مدرّب حياة أو طبيباً نفسياً؟ لا بد أنه يشكي من اضطراب عقلي، يا حرام". علماً أن كل شخص معرض للضغوط، لا سيما في البلاد العربية، حيث الظروف الاقتصادية في تدهورٍ دائمٍ، وكذلك الأوضاع السياسية. وبكل هذه المعمعة والحيرة، وجد بعض الشبان والفتيات الحل في زيارة بصارة، لتعطيهما بعض الأجوبة وتبعث في نفسهما الطمأنينة.

تعدّد كارلا مطر، مدرّبة حياة وأخصائية نفسية، أسباباً عديدة لدى لجوء البعض لزيارة البصارة. أولاً كردّة فعل نتيجة عدم راحة نفسية، أو فترة عصيبة يمرّ بها الفرد، أو كطريق أسهل لتصديق ما هو خارج التحليل النفسي. ويمكن في الكثير من الأوقات، أن تكون مجرد حشرية لاكتشاف الغيب بطريقة غامضة وبسيطة. تؤكّد مطر أن ليس كل من يزور بصارة بحاجة إلى مراجعة طبيب نفسي، فهناك ما يسمى "مدرب حياة"، وهو من يساعد الناس لتخطي الصعوبات والمشاكل الحياتية، ويمكن للشخص أن يزور طبيباً نفسياً في حال تطوّر هذه المشاكل، وسيطرتها على أدائه وتعامله مع الآخرين.

تستكمل مطر: "العديد من الناس إما يبحثون عن الحب، أو هم على يقين بما لديهم وكل شيء مضمون لهم، ويوجد أولئك الغارقون في الشك، وفي رحلة البحث عن المجهول مثل تغيير عملهم، والتعرف إلى أشخاص جدد أو السفر واكتشاف أماكن بعيدة وجديدة، وهنا يأتي دور البصارة في إعطائهم الأجوبة".

تقول حنان المقيمة في قطر، إنها كانت تمر بأزمة عاطفية، وحاولت قدر المستطاع الخروج منها، لكن لا شيء أخرجها من حالتها. وتضيف: "سافرت إلى باريس، وتايلند، حتى أنني مكثت فترة مطولة في إسطنبول، وتعرفت هناك على بصارة أقنعتني بأنني سأجد شريك حياتي في لبنان، وهذا ما حصل". تعترف حنان بأنها في البداية صدقت كلام البصارة ليأسها، ولكن تعتبر أن كل شيء هو نتيجة القدر والظروف.

البصّارة عملة بوجهين، من ناحية قد تكون الحل الأنسب للكثير من الأشخاص، لا سيما للذين يريدون معرفة ما ينتظرهم في الغد ولو كانت هذه المعرفة مبنية على أوهام. ومن جهة أخرى، هي وسيلة لمواجهة اليوم بغدٍ من الممكن أن لا يأتي، ففي النهاية "كذب المنجمون ولو صدقوا".

التعليقات

المقال التالي