لا حرية تعبير على شبكات التواصل الاجتماعي

لا حرية تعبير على شبكات التواصل الاجتماعي

لا أحد يستطيع أن ينكر المكانة الكبيرة التي اضطلعت بها مختلف شبكات التواصل الاجتماعي، في مجتمعاتنا، في السنوات الأخيرة. اعتبر كثيرون أن هذه المواقع تتمتّع بفسحة من الحرية، وتُشكّل منفذاً للناس من أجل التعبير عمّا يجول في خاطرهم.

إلا أن هذه الحرية لا تبدو مطلقة بحسب آخر تقرير لـ"فريدوم هاوس"، وهي منظمة حقوقية أمريكية حول حرية الانترنت. فقد جاء في التقرير الذي شمل تقييم 88% من مستخدمي الانترنت في العالم، أن 35% منهم لا يتمتعون بالحرية المطلقة، مقابل 29% لديهم حرية جزئية و24% يتمتعون بالحرية الكاملة. وأشار التقرير إلى أن حرية الانترنت تراجعت للعام السادس على التوالي بسبب ازدياد عدد الحكومات، التي تستهدف تطبيقات مواقع التواصل الاجتماعي، في خطوات للحد من الانتشار السريع للمعلومات، تحديداً خلال التظاهرات المناهضة للحكومة. ولم تسجل إلا 14 دولة فقط تحسناً إجمالياً.

ماذا عن تصنيف الدول العربية؟

لم تنجح أي من الدول العربية، التي شملها التقرير، في أن ترتقي بلائحة الدول التي تتمتع بحرية كاملة على الانترنت، بل تراوحت الدول الـ11 بين الحرية الجزئية (تونس، المغرب، لبنان، الأردن، ليبيا)، والحرية المعدومة (مصر، السودان، الإمارات، البحرين، السعودية، سوريا).

ولا بد من الإشارة الى أن التقرير، الذي شمل 65 بلداً، يقيس معدل الحرية في هذه الدول، بمنحها درجة عددية من 0 (الأكثر حرية)، إلى 100 (الأقل حرية). وتم تقسيم الدول إلى مجموعات، من الحرية المطلقة (0-30 نقطة) إلى الحرية الجزئية (31-60)، وصولاً إلى انعدام الحرية (61-100). ويتم هذا التصنيف استناداً إلى ثلاث فئات: العقبات للنفاذ إلى المعلومات أو بعض المواقع والتطبيقات، والقيود على المحتوى، وانتهاكات حقوق المستخدم.

تونس التي حصلت على 38، كانت البلد العربي الذي يتمتّع بأكبر قدر من الحرية على الانترنت. وكانت حرية الانترنت في تونس في 2015-2016، طُبعت بالتصديق على قانون جديد لمكافحة الإرهاب الذي كان له تداعيات متباينة على حرية التعبير والخصوصية الإلكترونية. ومنح القانون الحصانة للصحافيين ضد المحاكمة، لرفض الإفصاح عن مصادرهم عند إعداد التقارير عن الإرهاب.

وتلتها المغرب مع درجة 44 بتراجع عن العام الماضي نقطة واحدة، إذ تم حجب كل خدمات الصوت عبر بروتوكول الانترنت VoIP في يناير الماضي، مثل "واتساب" و"سكايب" (عزا البعض السبب إلى المنافسة مع شركات الاتصالات التقليدية). أما لبنان، فحافظ على معدل 45 للعام الثاني على التوالي، في حين تراجعت الأردن نقطة واحدة، لتحصل على معدل 51، وليبيا تراجعت نقطتين عن العام الماضي لتحصد 58.

أما الدول العربية الأخرى، فرأى التقرير أنها لا تتمتع بالحرية نهائياً. فحصلت  مصر على معدل 63 والسودان على 64 والإمارات على 68، وشهدت كل من البحرين (71)والسعودية (72) تحسّناً طفيفاً (نقطة واحدة) مقارنة بالعام الماضي.

أقوال جاهزة

شارك غردانتبه أنت مراقب! لا حرية تعبير على وسائل التواصل الاجتماعي...

وحصلت سوريا على أسوأ نتيجة، على صعيد انعدام الحرية على الانترنت، مسجلةً 87 نقطة على غرار العام الماضي. وتبقى سوريا، بحسب التقرير، إحدى أسوأ البيئات القامعة والخطيرة لمستخدمي الانترنت بين 2015 و2016. وقد تكون ذروتها مع أول إعدام لمدوّنة من قبل المتطرفين والاعتقال التعسفي لناشطين في التكنولوجيا من قبل النظام.

ما هي المواضيع المحظورة؟

شكّل موضوع انتقاد السلطات أكثر المواضيع التي تخضع لرقابة في الدول العربية، إصافة إلى مواضيع أخرى مثل تداول الأخبار والآراء عن النزاعات، والمعارضة السياسية، والتعبئة من أجل قضايا تهمّ الرأي العام، والاتهامات بالفساد والأقليات والتجديف.

ونذكر أن السودان والسعودية حجبتا أي محتوى يتعلق بالمثليين الجنسيين، في حين لاحقت البحرين العديد من الناشطين بسبب تغريدات حول الديمقراطية، من بينهم الشيخ علي سلمان، الأمين العام لأحد أكبر أحزاب المعارضة، جمعية الوفاق الوطني الإسلامية (على الرغم من أنه كان في السجن).

وقد شكلت الصور وسيلة فورية وسريعة وفعالة لنشر المعلومات على الانترنت، ما جعلها عرضة للرقابة. ومن بين الأمثلة الكثيرة، ذكر التقرير الشاب المصري، عمرو نوهان، الذي حُكم بالسجن ثلاث سنوات بتهمة "قلب نظام الحكم"، من قبل محكمة عسكرية، بعد أن نشر صورة على فايسبوك تُظهر الرئيس عبد الفتاح السيسي مع أذني ميكي ماوس. كما ضرب مثالاً بتوقيف المصور الصحافي علي عابدين في أبريل الماضي، بعد تغطيته تظاهرات مناهضة لنقل الجزر المصرية للسعودية.

والأسباب؟

شهدت منصات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر، رقابة متزايدة في السنوات الأخيرة، إلا أن نزعة أخرى ظهرت أخيراً، تطال تطبيقات التواصل بالصوت والرسائل مثل "واتساب" و"تيليغرام"  و"سكايب". ورأى التقرير أن هذه التطبيقات تم حجبها لسببين أساسيين: التشفير ونموذج أعمالها شبه المجاني.

فقد دفع تشفير العديد من تطبيقات التواصل، الذي يمنحها ميزات الأمن والخصوصية، الحكومات إلى فرض قيود على هذه الخدمات، التي كانت تُعوق مهمة المراقبة. وفي دول عدة، لجأ الأفراد إلى هذه التطبيقات لمشاركة آرائهم، لا سيما أنهم يتمتعون بحرية تعبير أكبر من مواقع فيسبوك أو تويتر. حتى أن الناشطين والمدافعين عن حقوق الإنسان، استخدموا تطبيقات مثل "فايبر" و"تيليغرام" و"واتساب"، لمشاركة معلومات حساسة أو إطلاق حملات توعية، أو تنظيم التظاهرات.

أما السبب الثاني، فمردّه إلى أن هذه القيود فُرضت من أجل حماية سوق شركات الاتصالات الوطنية والتقليدية، لا سيما في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. فعلى سبيل المثال، ذكر التقرير أن الإمارات حجبت خدمات الصوت على الانترنت في "واتساب" و"فيسبوك مسنجر" و"سناب شات"، في خطوة منها لحماية أرباح شركات الاتصالات المملوكة من الدولة. أما السعودية (ينطبق الأمر أيضاً على دول خليجية أخرى)، فقد طلبت من شركة "آبل" بيع هواتفها من دون خدمة "فيس تايم".

وشدد التقرير على أن القيود على شبكات التواصل الاجتماعي، وأدوات التواصل الإلكترونية، هي تهديد واضح لحق المستخدمين الأساسي، بالنفاذ إلى الانترنت لا سيما أن مجلس حقوق الإنسان، التابع للأمم المتحدة، كان قد صادق على قرار تاريخي في يوليو 2016، لتعزيز وحماية حقوق الإنسان على شبكة الانترنت، باعتبار ذلك حقاً من حقوق الإنسان. وطالب القرار الدول والهيئات الأخرى بمنع التشويش والإغلاق المتعمّد لخدمات الإنترنت.

باميلا كسرواني

صحافية لبنانية عملت في مجال الصحافة المرئية والمسموعة وتعمل في الصحافة الإلكترونية بين دبي ولبنان. تحمل ماجستير في الإعلام من جامعة السوربون الفرنسية.

التعليقات

المقال التالي