"كل ولا تدفع"... هكذا نواجه غلاء الأسعار في مصر

"كل ولا تدفع"... هكذا نواجه غلاء الأسعار في مصر

لم يكن من الصعب ملاحظة قلة الأعداد المترددة إلى ذلك المتجر الكبير، الذي اعتادت الفئات المتوسطة وفوق المتوسطة ارتياده، وملاحظة إحداهن تمسك بطفلها وتسأل العامل على استحياء أن يبيعها السلع التي انفرجت عبواتها وتعد "هالكة" بسعر أقل من المغلفة، وآخر يلح على أحد العمال أن يأتيه في الخفاء بعدد أكبر من عبوات السكر المدعم، الذي يباع بسعر أقل، "فلقمة عيشه تعتمد عليه"، إذ يعمل صانع حلويات شرقية في محل صغير.

كان ذلك يحدث، والزبائن يترددون من حين إلى آخر على منضدة العرض الخاصة بأحد أنواع المكسرات، ليملؤوا أيديهم ويأكلوا منه دون الاكتراث لكاميرات المراقبة، أو للعمال حول السلع والمنتجات. حكايات مصرية مبكية مضحكة من هنا وهناك، عن كيف يواجه قسم من المجتمع المصري الضيقة المادية الحالية، آملاً بغدٍ أفضل.

يأكلون ولا يدفعون

يقول محمود سالم، عامل في أحد فروع محالّ كارفور مصر: "بعد ارتفاع الأسعار أصبح 50% من مريدي المكان يأتون للنزهة، والبعض الآخر ليأكل ما لا يمكن دفع ثمنه، دون أن يحاسب عليه، ويلقي الأغلفة في الخفاء، أو يتركها في عربات التسوق، ونجده نحن العمال في آخر اليوم. والقلة الباقية تأتي لتشتري الضروريات فقط، على الرغم من أن هناك فئة تأتي لتشتري ببذخ الكماليات، هذه الفئة لا تنتظر عروضاً على السلع، تشتري من دون حساب. لم تعد العروض تجذب الأعداد السابقة نفسها، ولم يعد بإمكاننا التخفيض أكثر".

"مافيش لبس للشتا السنة دي"

تقول فاطمة السيد أحمد (52 سنة)، عاملة نظافة في هيئة حكومية: "هابطل آخد أنسولين، وهاكتفي بالبرشام على قد الفلوس، ومش هانجيب لبس شتا السنة دي، وهاناكل اللحمة مرة في الشهر. لو ربنا سهلها، وأهي ماشية بالبركة".

توضح فاطمة كيف أنها تحصل على راتب 971 جنيهاً (57 دولاراً) شهرياً، ولديها ثلاثة أبناء في مراحل التعليم المختلفة، وزوجها يعمل مياوماً، كما أنها تعاني من مرض السكر، الذي يتطلب نظام علاج دائم يكلفها نصف راتبها. إضافة إلى مساهمتها في متطلبات البيت من مأكل ومشرب. ترى فاطمة أن الحل في البحث عن عمل إضافي إلى جانب عملها، لتوفر مصروفات المدارس، خصوصاً أن أبناءها لن يحضروا الامتحان دون دفع المصروفات تبعاً لقوانين المدرسة.

"ومالها الداية!"

وفي سياق محاولات التوفير نفسها، يعرب مختار السيد، بائع للملابس في أحد المحالّ بوسط البلد، عن خوفه الشديد على زوجته وجنينهما، إذ اقترب موعد وضع الزوجة الحامل، وارتفعت أسعار الأدوية غير المتوفرة أساساً في الصيدليات، كما ارتفعت تكاليف الولادة في المستشفيات.

يقول: "بقيت بتعب ما ارضاش أروح لدكتور، وآخد أي مسكن ولا أسبرين عشان أعرف أروح الشغل، ما هو أقل دكتور دلوقتي كشفه بيدخل في 200 جنيه (11 دولاراً) من غير الدوا، وهو أوفر على قد ما أقدر". يرى مختار أن الأمر لو بقي على حاله، لا بيع ولا شراء بسبب الحالة المادية العامة للناس، سيأخذ زوجته ويسافر لقريته في الصعيد، لتلد كما ولدته أمه بمساعدة الداية، وليس في مستشفى متخصص مرتفع التكاليف، وإن زاد الخطر عليها وعلى الجنين، فليس لديه حل آخر.

"لو جبنالك الدوا حنموت من الجوع لآخر الشهر"

تؤكد دعاء سمير، صيدلانية: "ملامح الأزمة اتضحت لي منذ لحظاتها الأولى، لأن الأدوية من السلع التي تأثرت بها، فمع غلاء أسعار الدواء في مصر اختفت أنواع كثيرة، خصوصاً الحيوية منها، ولم تعد موجودة في الصيدليات، مثل أدوية منع الحمل وعلاج السكر، وفواتح الشهية، وبعض أدوية مرضى القلب. وأصبح من البديهي عندما يطلب أحد المرضى نوعاً من الأدوية أن أعطيه شريطاً واحداً من العلبة، دون أن أسأله هل يريد العبوة كاملة أو لا".

أقوال جاهزة

شارك غردامرأة ستقصد قريتها للولادة على يد الداية بدل المستشفى، وموظف حكومي سيبدأ بقبول الرشاوي... لا حلول أخرى للكثير من المصريين

تستطرد دعاء: "من أكثر اللحظات بؤساً حين أتت إحدى المريضات مع زوجها لصرف وصفة كتبها لها الطبيب، وبمجرد أن علم الزوج بكلفة شريط واحد من كل عبوة، قال بعد تفكير: "يكفي نوعان فقط من الأنواع الأربعة"، وحين نظرت له الزوجة في عتاب رد هامساً: ما هو لو جبنالك الدوا كله، العيال هايموتوا من الجوع لآخر الشهر".

تضيف: "هذا كله فضلاً عن أسعار أدوات التجميل والمنشطات الجنسية، التي زادت بنسبة تجاوزت الـ60%، ما اضطر الكثير من الفتيات لاستخدام أدوات تجميل مجهولة المصدر، معظمها يسبب أمراضاً جلدية على المدى البعيد، كذلك اتجه الكثير من الرجال إلى الوصفات الشعبية لتحسين أدائهم الجنسي".

"أخشى أنني سأضطر لتقبل الرشوة"

يعترف ممدوح سالم، موظف إداري في مؤسسة حكومية، أنه وقع في مأزق حقيقي، بعد ارتفاع الأسعار. يقول: "قبل ارتفاعها كانت بالفعل مرتفعة على فئتنا، فئة الموظفين الحكوميين، فكنت استغنيت منذ سنوات عن المصيف والملابس الجديدة لي ولزوجتي واكتفينا بالضروريات لأطفالنا، حتى الفاكهة لم تكن تزورنا سوى مرتين أو ثلاث على الأكثر في الشهر. أصبحنا نعتمد في طعامنا على النشويات وبعض البقوليات، قبل أن ترتفع أسعارها، مثل العدس الذي قفز من 14 (¾ الدولار) جنيهاً إلى 26 (1.5 دولار)، والفول الذي تضاعف ثمنه من 12 إلى 24 جنيهاً، وبدأت ألاحظ أن صحة أطفالي تتأثر بسرعة. وبعد هذا السعار الجنوني الذي حدث للأسعار لا أعرف عما سأستغني؟

يضيف: "يقول لي أحد الزملاء الذين يقبلون الهبات والرشوة، إنه يجب علي أن أغير نظرتي للحياة، وأقبل الرشوة لقاء تسهيلي مهمات العملاء، لكن ضميري ما زال يمنعني من مسايرته. ومع الضغوط التي أراها، والخلافات التي زادت حدتها بيني وبين زوجتي، واحتياجات أطفالنا، سأضطر إما للتنازل عن ضميري، وإما عن صحتي مقابل العمل 18 ساعة يومياً لأجد ما يسد رمقنا".

وداعاً للطبقة الوسطى

يقول الباحث خليفة المحرزي، المستشار في مركز الحوار للدراسات والبحوث، إن ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية الأساسية، سيؤدي إلى مشكلات اجتماعية وشخصية عديدة، تطال معظم أفراد الأسرة، وتهدد بزعزعة الاستقرار النفسي والعاطفي لديهم. كما يشير إلى أن سوء التغذية، ورداءة المسكن، يؤثران على سلامة الفرد من الناحية الجسدية والنفسية، وقدرته على التكيف الاجتماعي.

وأوضح المحرزي، في دراسة له عن تأثير التضخم الاقتصادي على الأسرة، أن الغلاء أفرز العديد من المشكلات الاقتصادية، مثل زيادة معدل التضخم وارتفاع نسبة الإفلاس الشهري بين ذوي الدخل المحدود من المواطنين، وزيادة لجوء الأفراد إلى العمل بأكثر من وظيفة لسد الاحتياجات الأساسية.

وطالت الآثار السلبية لزيادة الأسعار وارتفاع معدلات التضخم الجانب الاجتماعي، فأدت إلى انتشار الظواهر السلبية مثل سبل الكسب غير المشروع، وزيادة الأمراض النفسية، وارتفاع نسب الطلاق، وتأخر سن الزواج وتفشي ظاهرة التسرب المدرسي بين الطلبة.

كذلك لفت إلى أنه من الأهمية بمكان، شعور الأسرة باستقرارها المادي وكفاية دخلها وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها الاجتماعية، تجاه أبنائها، حتى لا تهتز قيمها الأخلاقية نتيجة لحرمانها من الضروريات المادية اللازمة لاستمرار حياتها اليومية. وقال إن العزوف عن الزواج وتكوين الأسر الجديدة بسبب عدم القدرة على تحمل تكاليف المعيشة، يزيد من بروز بعض الظواهر الاجتماعية كالعنوسة والانحرافات الأخلاقية، ومشاكل أخرى لا حد لها.

كما أكدت دراسته أن ارتفاع الأسعار يعمل على توسيع الفجوة بين الطبقة المتوسطة وفوق المتوسطة، خصوصاً مع انضمام الطبقة المتوسطة إلى الطبقة الفقيرة.

التعليقات

المقال التالي