من "عبادة تقلا" إلى "عبادة مريم": رحلة في القصص الدينية المسيحية

من "عبادة تقلا" إلى "عبادة مريم": رحلة في القصص الدينية المسيحية

لقرون طويلة، في بدايات المسيحية، لم تكن القديسة مريم كرّست بعد على أنّها المرأة الأولى في رموز هذه الديانة. امرأة أخرى، وعذراء أخرى احتلت الصدارة، وما زالت حاضرة بكثافة في العبادات والحماسة الدينية للمسيحيين، لا سيما في منطقة الشرق الأدنى. فمن هي هذه العذراء الأخرى، ولماذا سادت عبادتها لقرون قبل أن تتراجع لمصلحة "مركزية مريم"؟

ما زالت القديسة تقلا تحظى بالمرتبة "الشعبية" الأولى بين الجماعات المسيحية في الشرق الأدنى، مباشرة بعد السيدة مريم العذراء، سواء من ناحية التعبّد لها أو الاقتداء بها أو في أشكال حضورها في المخيلة الجمعية، كونها الشهيدة الإمرأة الأولى في الكنيسة، وكونها استشهدت عدّة مرّات ونجت عدّة مرّات وظهرت بعد موتها عدّة مرّات، الأمر الذي حوّل مساحة واسعة من جغرافيا آسيا الصغرى وبلاد الشام ومصر إلى شبكة أماكن حج وزيارة مرتبطة بهذه القديسة، من أهمّها المغارة المعروفة بـ"آيا تقلا" أو "مريمليك" في ناحية مرسين بتركيا، إذ يسود الاعتقاد بأنّ تقلا تنسّكت في هذه المغارة، أو أنّها ووريت الثرى فيها، ودير مار تقلا في "سلفكيا الشام"، أي معلولا، وأيضاً قرب مغارة يعتقد أنّ تقلا اختبأت فيها. الحج إلى تقلا، في مواضع حضورها المختلفة، كان الحج الأول في المسيحية.

لا تحظى تقلا بهذه الدرجة من الشعبية خارج منطقة الشرق الأدنى اليوم، وإن بقيت الكنائس المبنية على اسمها تحلّ في المرتبة الثانية بعد تلك المبنية على اسم والدة يسوع المسيح، على امتداد العالم.

مساوية للرسل... أم "رسولة"؟

بيدَ أنّ تقلا في القرون المسيحية الأولى، لم تكن تكتفي بالمرتبة الثانية بعد مريم بنت يواكيم، أمّ المسيح، بل احتفظت لفترة طويلة نسبياً بالمرتبة الأولى، من حيث التبجيل والتعبّد وانتشار مغامراتها العجائبية في الأدب الشعبي، فكانت نموذجاً لـ"العذراء المطلقة"، والشهيدة التي تستشهد عدّة مرّات متتابعة. الانزياح من "عبادة تقلا" إلى "عبادة مريم"، كمركز لحضور المرأة في منظومة الرموز المقدّسة المسيحية، سيبدّل من سمة الديانة المسيحية نفسها.

ما زالت الكنائس الشرقية حتى اليوم تنظر إلى الشهيدة تقلا كـ"مساوية للرسل"، وإن كانت هذه المقولة غدت مع الوقت مبهمة وغامضة، في حين أنّها كانت توصيفاً لدين شعبيّ معيوش بحماسة، على امتداد قرون، بحيث نظر إلى تقلا على أنّها تتويج لـ"التقليد الرسولي" في المسيحية، الذي يبدأ مع حواريي المسيح، ويستكمل ببولس الرسول. من تنظر اليها الكنائس الشرقية اليوم كـ"مساوية للرسل"، كانت مرشحّة في القرون الأولى للمسيحية، لتكريسها كـ"رسولة". فقط بعد أن تطوّر لاهوت آباء الكنيسة بشكل يسيطر فيه على حماسة التعبّد الشعبي لتقلا، مقصياً المرأة من وظائف "الكهنوت"، ومكتفياً لها بحقها في "الترهبن"، حدثت النقلة النوعية باتجاه إعطاء الدور المركزي لمريم وليس لتقلا.

العذراء المطلقة التي لم تتزوج ولم تلد

فلو عدنا بالزمن إلى القرنين الثاني والثالث بعد المسيح، وتحدّثنا مع مسيحيي آسيا الصغرى أو سوريا عن "العذراء" لفهموا من كلامنا أنّ المقصودة في الحديث هي تقلا، بنت مدينة أيقونية (قونية في تركيا اليوم) التي قرّرت بعد وفود بولس على مدينتها، واستراقها السمع إليه من شباك غرفتها، أن تهجر خطيبها الأمير، وتعدل نهائياً عن فكرة الزواج، وتنذر نفسها للبتولية.

أقوال جاهزة

شارك غردامرأة أخرى، وعذراء أخرى، سبقت السيدة مريم إلى قلوب المسيحيين... تعرّفوا إليها

لكنّ هذه البتولية، في الأدب الديني الشعبي الذي ساد لقرون، لم ترتبط فقط بالعريس السماوي، وإنّما ابتُدِع إطار قصصي للحب العذري المطلق بين تقلا وبولس، إذا ما عدنا لنص "أعمال تقلا وبولس" الذي جاب الشرق بلغاته المختلفة طويلاً، وتعتبره الكنيسة منحولاً أو مزيفاً، لكن طابعه المنحول هذا لم يكن كافياً لدرء انتشاره، وما زال يمارس تأثيره على الصورة المتخيلة عن تقلا، بشكل أو بآخر.

هذا النوع من الأدب الديني الشعبي كان يتقصّد إمتاع السامعين بشكل واضح، كما يذكّرنا بارت ارمان في كتابه عن "المسيحيات المندثرة، النصوص المنحولة والمزيفة والمراقبة". بما أنّه كانت هناك مرويات شائعة بين الوثنيين تبرز أبطالاً كثيري الأسفار والمغامرات والتجارب قبل وبعد موتهم، ويمارسون السحر والتشويق بأساليب هروبهم الفجائي من الكارثة المحدّة، وانفصالاتهم المؤلمة عن محبّيهم، ولقاءاتهم المبهجة بعد ذلك، فقد وجد التقليد الأدبي الشعبي نفسه بين المسيحيين الأوائل أيضاً.

الأدب الشعبي الغرائبي، والفقمات المتوحشة

في هذا النص، تفسخ تقلا خطبتها، رغم غضب خطيبها وزجر أمّها، ويؤدي عملها هذا الى سجن بولس، فتتسلّل إلى زنزانته، رغم الحراس، وتسهر ليلتها معه، راكعة عند قدميه، وتقبّل أصفاده. كانت صدمة ثانية لخطيبها لمّا رآها هكذا في الصباح، فتم جلد بولس وطرده من المدينة، فيما خرجت والدة تقلا تطالب بإعدامها. أضرمت النار حولها ولم تمسسها، ثم أطفأت العناية الإلهية النار بالرعد والمطر. أخلي سبيل تقلا بعد ذلك فراحت تبحث عن بولس كما في كل فصول الحكاية، ولما عثرت عليه طالبته بأن ترافقه في السفر، وقصّت شعرها كي يسهل قبول رفقتها له في رحلاته الكرازية (التبشيرية)، لكن بولس رفض اعطاءها سرّ العمادة، لأنه لم يكن متأكّداً من إيمانها بعد.

حتى إذ وصل بولس وتقلا إلى أنطاكيا كانت محنة جديدة. يفتن بها شاب من الوجهاء يدعى اسكندر، ويتعقبها بين الأزقة، ويحادث بولس في الأمر، فينفي الأخير معرفته بالفتاة. يحاول اسكندر هذا التقرّب منها عبثاً، وحين تصدّه يهمّ باغتصابها، فتتمكن من ضربه وتمزيق معطفه، وتذلّه أمام الناس. وفيما يختفي بولس - الذي أنكرها - من الحكاية الغرائبية، تقتاد هي إلى السجن مرة جديدة، وتترك للسباع والجوارح، وهنا تتدخّل العناية لإنقاذها مجدّداً. تنحني اللبوة لها بدلاً من افتراسها، ثم تنقض اللبوة نفسها على دب حاول افتراسها. تفلت عليها حيوانات كثيرة فتهرب منها لبركة مليئة بالفقمات الآكلة للبشر. ومرة أخرى تنجو تقلا وتحاط بغمام من السماء يستر عريها، بل أنّها تعمّد نفسها بماء بركة الفقمات المتوحشة ، لتصير حكاية "أعمال تقلا" فيما بعد مرتكزاً للاتجاهات التي أباحت للمرأة أن تشرف على العمادة، وعلى الوظائف الحبرية بشكل عام، في مقابل التيار الغالب الذي حصر الوظائف الحبرية بالرجال، معتمداً على رسائل بولس في العهد الجديد.

العائلة أم التبتل؟

مارس هذا النص الغرائبي تأثيره في الأدب والدين الشعبيين لفترة طويلة، وينبهنا بارت ارمان أن الصنف يحاكي المرويات الوثنية الشعبية، لكنه عملياً يقلبها رأساً على عقب. بخلاف المرويات الوثنية الشعبية، يدعو هذا النوع من الأدب الديني في "أعمال تقلا" إلى الحب المطلق والعذرية المطلقة، وليس إلى الحب الشبقي، الذي ينظر اليه كشرك ينبغي تفاديه. يحث الراوي على إفلات السامعين من الحياة الدنيا ومحدّداتها الاجتماعية والمنطقية.

بالتوازي، هذا الأدب القصصي الشعبي لم يكن من السهل تأطيره في الموضوعات التي ستتعاظم أهميتها لاحقاً في تاريخ المسيحية، وخصوصاً مفهوم العائلة. فتقلا، ليست فقط في هذا الأدب، بل حتى في روايتها المعتمدة كنسياً اليوم، ليست رمزاً للعائلة، بل هي بالأحرى ترمز الى قطع صلات الرحم، فسخ الخطبة، الامتناع عن الزواج والإنجاب، هذا بخلاف مريم التي ستتحول إلى مركز "العائلة المقدّسة" (مريم ويوسف ويسوع)، التي سيتوجب على المسيحيين محاكاتها.

"التقلاويات" داخل وخارج العائلة

لكن، ستيفان ديفيس في كتابه "عبادة القديسة تقلا"، يظهر لنا كيف عملت المسيحية على احتواء هذه "العذراء المطلقة" (تقلا) في الإطار العائليّ الذي سيجري تكريسه بعد ذلك. فأثاناسيوس الأول، بابا الأسكندرية في القرن الرابع الميلادي، سيحيل في رسالته "عن العذرية" على تقلا، وعلى محورية محاكاة سيرتها من قبل "التقلاويات"، أي المؤمنات اللواتي ينذرن حياتهن لاقتفاء أثر القديسة الشهيدة والكون مثلها، وهو هنا يتحدث عن أخويات نسائية. لكن نصاً آخر ينحل على أثاناسيوس وكان له أثره لفترة طويلة، يطالب كل عائلة مسيحية بأن تنذر بنتاً من بناتها للعذرية الدائمة داخل المنزل، وأنّ ذلك سيعود على أفراد العائلة كلهم بالبركة، وأنّه إن لم تتوفر مثل هذا الفتاة "التقلوية المنزلية"، فيجب الاستعاضة عنها بخادمة تؤدي هذا الدور.

توحي تقلا بتقليد "مسيحي نسويّ" في العصر القديم، خصوصاً أنّها عمّدت نفسها، وواجهت سلطة أمّها وخطيبها ومجموعة من الحكام الطغاة، كما أن "أعمال تقلا" تقابل بين جرأتها في أنطاكية، وبين تخلّي بولس عنها، ليعود النص ويتحدّث عن تلاقيهما بعد ذلك أيضاً. كما يفرد هذا النص مكانة بارزة لبنات أنطاكية المنتفضات على المدرج دفاعاً عن تقلا، وللبوة التي أنقذتها من الدببة والأسود.

كانت تقلا واحدة من المؤمنات المبكرات بالمسيحية ممن أعطت لهن هذه الحركة الدينية الجديدة آنذاك مسوّغاً للسفر، قبل أي شيء آخر. جابت المدن والقرى، بداعي التبشير، لتصوغ "جغرافيا" الشرق الأدنى على وقع خطواتها والأساطير المنسوجة حولها. القسم الأكبر من هذا التراث القصصي ضاع مع انقلاب الدهر، لكن مخطوطات عديدة حفظت أيضاً، لتشهد على الفترة التي بدأت، مسيحياً، برواج "عبادة تقلا"، ثم انتهت بتصدّر "عبادة مريم"، مع بقاء تقلا محفورة في الوجدان الشعبي لمسيحيي الشرق، وإن يكن من دون التقليد "النسويّ" الجامح الذي تعكسه "أعمال تقلا”.

التعليقات

المقال التالي