آن أوان أن نتحمّل مسؤوليتنا تجاه ظاهرة الإسلاموفوبيا

آن أوان أن نتحمّل مسؤوليتنا تجاه ظاهرة الإسلاموفوبيا

منذ إعلان خبر نجاح ترامب، سادت حالة من الفزع والغضب بين كثير من المسلمين المقيمين في أمريكا، وأيضاً كثير من مسلمي العالم، الذين اعتبروا وصول ترامب انعكاساً قوياً لظاهرة الإسلاموفوبيا. وبالرغم من أن هناك عوامل كثيرة ساهمت في نجاح المرشح الجمهوري، أهمها أن المرشحة المنافسة له لم تحظ بثقة غالبية الأمريكيين، ولكن هذا لا يمنع من أن وصول ترامب يعكس فعلاً وجود خوف من الإسلام والمسلمين لدى نسبة كبيرة من الأمريكيين.

والسؤال هنا هو: ما هي مسؤوليتنا كعرب وكمسلمين، تجاه هذا الخوف المتنامي؟ وهل الحل هو أن نظل نشتكي من الغرب الذي يضطهدنا دون مبررات؟ أو أن نظل نردد أن ما يحدث من داعش وأخواتها لا يمثلنا ولا يمثل الإسلام وينتهي الأمر عند هذا الحد؟

عملياً، كثير من المنظمات الإسلامية التي تعمل في الغرب تتبنى هذه الرؤية، وهي أن الحل لظاهرة الإسلاموفوبيا هي طمأنة الغربيين أنه لا يوجد ما يستدعي الخوف منه في الإسلام أو الفكر الديني الإسلامي. وأن كل الإرهاب الذي يتنامى حول العالم لا علاقة له من قريب أو بعيد بالتعاليم أو التراث الديني. وكل ما عليهم فعله أن يصدقوا ذلك، ويفتحوا حدودهم وبيوتهم وأذرعتهم للمسلمين، من دون أي خوف، وتنتهي المشكلة عند هذا الحد.

تخيلوا أن ديانة جديدة ظهرت في أيسلندا اسمها النباتية. من مبادئها أن أكل اللحوم والمنتجات الحيوانية من بيض وألبان يهدد البيئة، ويسارع بتطور ظاهرة الاحتباس الحراري (وهو بالفعل كذلك)، وبالتالي يهدد الكوكب كله بكوارث مناخية ضخمة. وبناءً عليه يحرّم الدين النباتي أكل أي منتج حيواني سواء لحوم أو أسماك أو دواجن أو حتى شرب اللبن الحليب. حتى هذا الحد، الدين الجديد لا ينبغي أن يزعجنا في شيء، أليس كذلك؟ فهم أحرار أن يأكلوا أو لا يأكلون ما يشاؤون وفقاً لمعتقداتهم. ولكن ماذا لو علمنا بظهور تيار داخل هذا الدين، تيار يقوده مجموعة من رجال الدين النباتيين، وتتبعه أقلية صغيرة. هذا التيار يطالب أتباع الدين النباتي بقتل أي شخص يأكل اللحم أو الدجاج، بحجة حماية الأرض من الفناء. بأمانة، هل ستشعرون بالأمان لو زاركم أحد أتباع هذا الدين، وطلب منكم أن يبيت ليلته في منزلكم؟ ماذا لو قام بالليل وأنتم نائمون ليشرب بعض الماء ليجد لحوم مطبوخة في ثلاجتكم، ألن تخافوا أن يؤذيكم أنتم وأولادكم الصغار وأنتم نائمون؟

ماذا لو جاء من يقول لكم إنه عملياً، معظم من يؤمنون بالنباتية لا يؤمنون بإقامة حد القتل على آكلي اللحوم. وأن هؤلاء الذين يأخذون حد قتل آكل اللحم بجدية لا يتعدون الواحد في الألف فقط من أتباع الدين النباتي. هل ستقبلون وقتها أن يبيت هذا الشخص في بيتكم؟ عملياً احتمال أن يذبحكم في الليل لا يتعدى الواحد في الألف، مقابل احتمال 999 في الألف، أنه سيبات في منزلكم ولن يؤذيكم.

أقوال جاهزة

شارك غرد الحل للإسلاموفوبيا ليس طمأنة الغربيين أنه لا يوجد ما يستدعي الخوف في الإسلام...

شارك غردنصرخ في وجه الغرب "أوقفوا الإسلاموفوبيا"، بينما نبتسم في وجه شيوخ التطرف ونطلب منهم بصوت منخفض وبأدب أن يكفوا عن تطرفهم

نعم غالبية المسلمين لا يؤمنون بالفكر التكفيري. لكن الحقيقة أنه من الصعب أن نطالب "جو السباك" Joe the plumber، وهو تعبير كان يستخدمه أوباما ورومني في انتخابات 2012، للتعبير عن المواطن الأمريكي البسيط، الذي ربما لم يذهب للجامعة، ومعلوماته عن العالم الخارجي ليس بهذه الدرجة من التعقيد. ليس من المنطقي أن نطالبه أن يفهم الفرق بين الإسلام الوسطي والإسلام الوهابي المتشدد، وبين الأحاديث الصحيحة والأحاديث الضعيفة، وبين فتاوى ابن تيمية المليئة بالتكفير، وأفكار محمد عبده المستنيرة. فهو من الأصل لا يتكلم العربية ومعلوماته عن الإسلام ربما لا تتعدى معلوماتنا كعرب عن الكونفوشيوسية. وبالتالي علينا أيضاً أن نقدر ونتفهم مخاوفه.

سؤال آخر يحتاج إلى إجابة صادقة: أيهما يغذي الإسلاموفوبيا أكثر في رأيكم؟ الحكم على الشيخ ولد امخيطير في موريتانيا بالإعدام لأنه كتب مقالاً لم يرق لرجال الدين، أو مقال يكتبه صحفي أمريكي يقول إنه لا مكان للشريعة الإسلامية في أمريكا؟ أيهما يسيء لصورتنا كعرب ومسلمين أكثر، قتل الكاتب الأردني ناهض حتر بسبب أنه شارك صورة على صفحته على فيسبوك، واحتفال كثيرين على وسائل التواصل الاجتماعي بقتله تحت مسمى الانتصار للإسلام على من ازدرى الدين، أو كتابة مقال عن الحادث، يجعل من يعيش في ثقافة تقبل بانتقاد الدين يرتعب منا.

فبماذا يفيد أن نقول للغربيين أن الإسلام يحترم الاختلاف وحرية التعبير وهم يسمعون عن رائف بدوي المحكوم عليه بالسجن لمدة 10 سنوات وألف جلدة، فقط لأنه انشأ موقعاً إلكترونياً يتحدث فيه عن الليبرالية. تقولون بالتأكيد إن هذا لا يمثل الإسلام. ولنفترض أن جلد رائف لا يمثل الإسلام، فكيف يمكننا أن نقنع من ليس له علم بالإسلام أن السعودية الذي خرج منها الإسلام للعالم كله والتي بها أكثر الأماكن قدسية في الإسلام لا تمثل الإسلام؟ وكأنكم تقولون أن الفاتيكان لا يمثل الكاثوليكية...

بماذا يفيد أن نقول إن الإسلام دين رحمة في زمن تخلى العالم كله عن العقوبات الجسدية، ووقع اتفاقيات عالمية ترفضها، بينما ما زلنا نحن وحدنا نطالب العالم أن يقبل بمشاهد الجلد وقطع الأيدي والرجم تحت مسمى "الخصوصية الثقافية"؟. ثم بعد كل ذلك نعيب على المزارع البسيط الذي يعيش في ولاية تكساس، أنه صوّت لترامب، ولكن لا نعيب على حكامنا في السعودية والسودان وإيران أنهم يصدرون صورة مرعبة عن الإسلام للعالم.

بماذا يفيد أن نقول إن الإسلام يحترم المرأة، في حين يرى الأمريكي البسيط، داعش وهي تغتصب الإيزيديات في مشهد ينتمي للقرون الوسطى. وفي الوقت نفسه يرى عميدة في جامعة الأزهر، أكبر مؤسسة سنية في العالم، تدافع عن اغتصاب الإيزيديات. أليس الأولى أن نطالب بإقالة سعاد صالح قبل أن نطالب الآخرين بتغيير فكرتهم عن علاقة الإسلام بالمرأة؟

وكيف يمكننا أن نقنع الآخرين أن الإسلام دين تعايش في حين أن الأزهر ما زال يدافع عن قتل المسلم تارك الصلاة؟ فكروا للحظة كيف يكون شعور شخص مسيحي أو لا ديني حين يقرأ فتوى مثل هذه من رجال دين يستمع لهم الملايين. فإذا كان قتل المسلم أمراً مشروعاً بهذه البساطة في فقهنا، فكيف لا يفزع غير المسلم منا؟

الإسلاموفوبيا لا يمكن مواجهتها من ناحية واحدة. فكما علينا أن نقف أمام أي إجراءات تمييزية ضد المسلمين بسبب عقيدتهم، علينا أيضاً وبسرعة أن نواجه المتطرفين الذين يصدّرون صورة مرعبة عنا للعالم أجمع. نحن نصرخ في وجه الغرب ونقول "أوقفوا الإسلاموفوبيا"، بينما نبتسم في وجه شيوخ التطرف، ونطلب منهم بصوت منخفض وبأدب جم أن يكفوا عن تطرفهم، بعد أن نعتذر عشرات المرات على الإزعاج!

لا نقول هنا إن الإسلام دين عنف أو إن المسلمين إرهابيون كما يقول البعض، فهذا عبث وجهل. لكننا نقول بوضوح شديد أنه إذا كنا نطالب الغرب أن يقبلنا ويثق بنا، ويفتح حدوده وأذرعه لنا بلا خوف، فعلينا أن نتحمل مسؤوليتنا التاريخية تجاه بقية البشرية بأن نراجع تراثنا ومناهج ديننا، التي ندرسها لأطفالنا وشبابنا في المعاهد الدينية، ونزيل كل ما يحرض فيها على العنف والإرهاب، قبل أن نطالب الغرب أن لا يخاف منا. فالغالبية الساحقة من المسلمين لم ولن ينضموا لجماعات إرهابية، لكن احتمال الواحد في الألف يخيف الآخرين منا. هذا الاحتمال يغير العالم لمكان أكثر عزلة، يبني أسواراً أعلى لتحمي شعوباً أقل تسامحاً. فإذا كنتم لن تأتمنوا النباتي أن يبات في بيتكم، فلا تلوموا من انتخبوا ترامب ليمنعوا المسلمين من دخول أمريكا.

ماهر جبره

كاتب ومتكلم حر، متخصص في الشئون العربية. له مقالات في العديد من المواقع العربية والأمريكية. حاصل علي ماجستير علم النفس المجتمعي من جامعة "بوسطن كوليدج" بالولايات المتحدة. زميل الفولبرايت وزميل برنامج الديموقراطية لمعهد شئون العالم بالعاصمة الأمريكية واشنطن.

التعليقات

المقال التالي