"الرفاعي": صائد ثعابين في زي "رجل دين"

"الرفاعي": صائد ثعابين في زي "رجل دين"

«أقسمت عليك يا ساكن المكان حية أو عقرب أو ثعبان، أن تأتي زاحفاً بأمر المنان، تخالف تموت بإذن الحي الذي لا يموت»... كلمات يتلوها «الرفاعي» على الثعابين لتخرج له من جحورها مسالمة. فيعطيها الرفاعي الأمان ولا يؤذيها، كما أعطته الأمان واستجابت لندائه الذي يسمى «قسم الرفاعي أو العزيمة».

ما بين النصب والاحتيال والهبة والكرامة تتأرجح سمعة الـ«رفاعي» ومهنته، وربما هوايته في صيد الثعابين السامة.

«الرفاعي» اسم مهنة قديمة، يقوم بها متخصص في صيد الثعابين، يعود أصلها إلى أكبر الطرق الصوفية في مصر والعالم، الطريقة الرفاعية. يصل عدد المنتسبين إليها، حسب دفاتر الطريقة، إلى 7 ملايين، وهي طريقة أسسها القطب الصوفي السيد أحمد الرفاعي، عراقي الجنسية، ومن أشهر علماء الفقه الشافعي في عصره، وتوفّي عام 578 هـ.

تتميز «الطريقة الرفاعية» بالراية السوداء، عن بقية الطرق الصوفية التي تحمل كل منها لوناً محدداً. واشتهر عن بعض أتباع الرفاعي حديثاً، القيام بأفعال غريبة كاللعب بالثعابين، وركوب الأُسود، والدخول في النيران المشتعلة من دون أن تحرقهم، أو تؤثر فيهم وغير ذلك من الخوارق، حسب روايتهم. رغم أن تلك الأفعال لم تكن معروفة عن الشيخ الرفاعي، باستثناء سيطرته على الثعابين، لكنها استُحدثت بعد وفاته.

عند العامة، «الرفاعي» شخص يصيد الثعابين ويجيد التعامل معها. ويمكن أن تجد العديد من الـ«رفاعية» في معقل الرفاعية في حي الخليفة بالقاهرة، حيث مسجد «الرفاعي»، وفي محيط المسجد.

مسجد-الرفاعي

"عم صابر": تعودت على حياة الثعابين وأخصص غرفة بمنزلي لاستضافة العشرات منها

الحاج صابر محمد الرفاعي رجل لا يعرف عمره الحقيقي، كل ما يتذكره أنه كان طفلاً وقت رحيل الملك فاروق بعد ثورة 23 يوليو. وقال لرصيف22 في البداية، إن لا علاقة لاسمه بالطريقة الرفاعية "فأنا لست من نسل الشيخ أحمد رفاعي".

عم-صابر
«الرفاعية ساءت سمعتها بسبب النصابين»، يحكي الحاج صابر عن الرفاعي، مضيفاً: "ليست مهنتي الأساسية، فأنا أعمل سائق تاكسي، لأن الشيخ الحقيقي لا يتقاضى أجراً عن استخدام هبة ربانية لحماية خلق الله، إلا في حالات معينة، ويكون الأجر هدية من صاحب المنزل لا يحدده الرفاعي ولو كان جنيهاً واحداً".

وأوضح أن حرفة «الرفاعي» ورثها أباً عن جد، فتعلم السيطرة على الثعابين وأثبت مهارته مراراً وتكراراً، لكنها لم تعد تجدي حالياً، بعد دخول العديد من "النصابين" للمجال. يقول: "أصبح الجميع يعرف قصة الشخص الذي يطرق بابك ليقول لك إنه «رفاعي»، ويدخل يمارس بعض كلمات الدجل، ويخرج من ملابسه الثعابين ويلقيها في غفلة منك، ليوحي لك أنه وجدها في منزلك، أو يدهن عصاه ببعض المواد التي تستفز حاسة الشم لدى الثعابين فينجذبون إليها، ويقوم بإمساكها".

أقوال جاهزة

شارك غرد«الرفاعي» اسم مهنة قديمة، يقوم بها متخصص في صيد الثعابين، يعود أصلها إلى أكبر الطرق الصوفية في مصر، الطريقة الرفاعية

شارك غردصيادو ثعابين محترفون، يضفون صبغة دينية على ما يقومون به ليوهموا الآخرين بأنهم أصحاب كرامات

ولفت الحاج صابر إلى عدم اعتراف الناس بهم مع ظهور شركات مكافحة الزواحف وغيرها.

في داخل غرفة صغيرة في منزله المتواضع، الذي يقع في الدور الأرضي في أحد الأبنية العتيقة في حي القلعة، يعيش عم صابر مع الثعابين، وسط أبنائه الذين ورثوا منه مهارات التعامل مع الثعابين. ويؤكد أن الثعابين لا تخرج من الغرفة إلا بإذن، وتعرف حدودها جيداً ولا تتخطاها.

حفيدة-عم-صابر حفيدة "العم صابر" تمسك ثعباناً

وأضاف عم صابر: "الكلمات التي أتلوها تنقسم إلى شقين، منها ما هو أساس المهنة ويكون ثابتاً عند كل الرفاعية، بجانب وجود اجتهادات شخصية من كل شيخ. وتختلف الكلمات باختلاف البيت الذي يحتوي على الثعابين والدين الذي يتبعه أهل البيت"، موضحاً أن الثعابين تختلف من واحد لآخر، فلا تستجيب جميعها للنداء نفسه، ولكل ثعبان طريقة تعامل خاصة، فليس جميعها مسالماً". وختم: "مع الوقت والخبرة أستطيع أن أسيطر على الثعبان وأجعله أليفاً".

أشرف-نجل-عم-صابر

«ليس كلهم نصابين بعضهم صاحب كرامة حقيقة»، هذا ما يصر عليه إسلام عبد الرحمن، 36 عاماً، الذي يسكن في الدرب الأحمر. ويقول: "منذ طفولتي وأنا أرى جيراني من الرفاعية، أشخاصاً يصطادون الثعابين. ومع تقدمي في العمر بدأت أدرك أن معظمهم نصابون، والبعض الآخر كأي صاحب مهنة أو حاوٍ، فقط يمتلك بعض الحيل للإيقاع بالثعابين مثل وضع طعام معين أمام جحورهم أو جذبهم برائحة معينة".

وتابع إسلام لرصيف22: "تغيّرت فكرتي حين طلب مني أحد أصدقائي أن أعثر له على رفاعي، بحكم محل سكني القريب من أماكنهم، لأنه يملك مزرعة لتربية المواشي ووجد بداخلها ثعباناً ويخشى على ماشيته منه".

بحث له عن أشهرهم، وهو الشيخ جمال العاصي، وأخذه إلى المزرعة. أمام المزرعة خلع الشيخ جمال جلبابه "ليثبت لنا أنه لا يخفي أي ثعابين في ملابسه".

وداخل المزرعة، أغمض الشيخ جمال عينيه، وبدأ يرتجف قليلاً، ليتوجّه بعدها نحو كومة من الأخشاب ويتمتم كلمات، بصوت خافت، سمع إسلام عبد الرحمن منها «بسم الله الرحمن الرحيم أقسمت عليك بالذي قال للسموات والأرض ائْتيا طوعاً أو كرهاً، وقالتا أتينا طائعين لله رب العالمين، أقسمت عليكم بالسبع المثاني والقرآن العظيم».

وقال: "لم أستطع التأكد من كلماته بشكل جيد، ولكنه مد يده داخل الأخشاب ليخرج ثعباناً بيديه العاريتين. كان الثعبان يبدو كأنه نائم، ويتحرك ببطء شديد، وقال الشيخ جمال إن الثعبان ليس من الثعابين الزراعية بل هو صحراوي، ما أكده صديقي قائلاً: "بالفعل تلك الأخشاب كانت في أحد مخازن والدي بطريق إسكندرية الصحراوي".

أغمض الشيخ جمال عينيه بضع لحظات ليقول إن المكان صار آمناً. وروى إسلام أن الشيخ أخذ أموالاً لقاء عمله، بل فاصل معهم وطالبهم بزيادة الأجر.

وأضاف إسلام أنه على الرغم من ثقته في أن الرجل يبدو خبيراً بالفعل، إلا أن ارتباط المهنة بالنصب، فرض على أصحابها حتى ممن يملكون الموهبة الحقيقة أن يلجأوا للنصب. وذكر أنه عرض على صديقه مجموعة من الأعشاب، لو قام بغليها وشربها وذكر الورد الخاصة بها، تحميه وتحصنه من جميع الزواحف، وليس الثعابين فقط.

وعلى الرغم من وضوح عملية النصب، إلا أن صديقه وافق وأخذ تلك الأعشاب. وكان الرفاعي قد أمسك الثعبان حياً، فعرض عليهما أن يحمله أحدهما، إذ أصبح آمناً، لكنهما رفضا.

شيخ الطريقة الرفاعية: "لا نعترف بهم"

"لا نعترف بهم"، قالها الشيخ طارق يس الرفاعي، شيخ الطريقة الرفاعية، لرصيف22 غاضباً. وأضاف: "لم يصلنا عن سيدي أحمد الرفاعي ما يسمى بالعزيمة أو الورد أو قسم الثعابين، فالإمام كان عالم شرع وفقه، ولا يؤذي كائناً حياً حتى لو كان ثعباناً".

وتابع: "لا ننكر علاقة الشيخ الرفاعي بالثعابين، وما وصلنا عنه هو أنه كان يعيش في بلدة أم عبيدة في العراق، وهي بلدة تمتلئ بالثعابين، وما نعرفه أن الله سخر له الثعابين لحمايته، وكانت الكرامة له فقط دون غيره، ولكن كل ما ينسب له غير ذلك باطل، وهو بريء منه، فنحن لسنا سحرة أو حواة".

خبير سلوكيات حيوان: لا توجد كلمات «تسخّر» الثعبان فهي كائنات لا تسمع

من جانبه، يقول ربيع حسن فايد، أستاذ سلوكيات ورعاية الحيوان في كلية الطب البيطري بجامعة القاهرة لرصيف22: "علمياً لا يوجد ما يسمى العزيمة أو القسم، الذي يتلى فيسخّر الثعابين، فلا الرفاعي ولا أي شخص يستطيع جعل الثعبان الشرس مسالماً إلا بالتدريب العلمي وليس بالأذكار".

وأضاف حسن أن الثعابين منذ القدم يستخدمها الحواة في السيرك وفي الشوارع، لأنها تتمتع بنسب عالية من الذكاء. وبالتدريب تستطيع تعلم بعض التصرفات، وتكون هناك صداقة بينها وبين المدرب المسؤول عنها، وهذا يستغرق زمناً وتدريباً شاقاً.

وأوضح حسن: "جميع الرفاعية دجالون، فالثعابين سلالات وأنواع عديدة، منها السام والشرس، ومنها غير السام، فكيف يمكن أن يكون الحل في جملة واحدة تتلى فيسمعها الثعبان، الذي في الأصل لا يسمع، إذ لا يمتلك أذن خارجية، إنما له أذن داخلية".

وأكد حسن أن الثعابين لا تسكن البيوت المأهولة بالسكان، أو أي مكان فيه حركة، وتفضل الأماكن المهجورة. وإذا حاول أي رفاعي إقناعك بوجود ثعابين خطرة في بيتك فهو نصاب.

أما الرفاعية الذين يخرجون الثعابين من المخازن فهم ليسوا سحرة، برأيه، ولكن أشخاص مدربون على التعامل مع تلك الكائنات، ويستخدمون نوعاً من الطعام المفضل للثعابين لجذبها. ويستطيع بحكم تعامله معها الإمساك بها، من مناطق لا تسبب الأذى، كأي صياد ثعابين محترف، مع إضفاء صبغة دينية على ما يقوم به.

صحفي مصري متخصص في الإسلام السياسي والتحقيقات.

كلمات مفتاحية
مصر

التعليقات

المقال التالي