كيف تتعامل الشعوب مع موتاها؟

كيف تتعامل الشعوب مع موتاها؟

بات اليوم ممكناً أن لا تتخلّوا عن موتاكم، بل أن يرافقوكم في كل خطوة وأينما تذهبون. لا نتكلم هنا عن عادة حرق جثث الموتى، ووضعها في جرة، تحتفظون بها، بل نتحدث عن شركات تقوم بتحويل رماد أحبائكم، أو بعض من خصل شعرهم، إلى قطع ماسية تحفظ ذكراهم إلى الأبد.

مختلف الشركات التي غالباً تقدم خدماتها في أوروبا والولايات المتحدة، وبعض دول آسيا، مثل "ألغوردانزا" السويسرية، أو "هارت إن دايموند" الأمريكية، تعدكم بتخليد ذكرى أحبائكم، مقابل أسعار من 750 إلى 20000 دولار، بحسب عيار الماسة. فكرة قد لا تكون غريبة على سكان كوريا الجنوبية، الذين يحوّلون جثث موتاهم إلى كرات ثمينة من الخرز.

إلا أن هذه الفكرة قد تبدو غريبة علينا، لا سيما أنه غالباً ما تعوّدنا على ترتيبات محددة متى طال الموت شخصاً مقرباً منّا. فهنا في منطقتنا، غالباً تكون طقوس الدفن متشابهة، تبعاً لعادات إحدى الديانات (الإسلام والمسيحية واليهودية بالإجمال). وارتداء الأسود والصلاة على الجثمان ودفنه في تابوت أو كفن، هي أكثر ما اعتدنا عليه، لنعود ونتذكر أحباءنا بزيارة قبورهم.

أقوال جاهزة

شارك غردمن تحويل الأحباء إلى ماسة، إلى دفنهم في الهواء الطلق أعلى برج... أغرب عادات الشعوب في التعاطي مع الموت

شارك غردفكرة الأموات الذين يتحوّلون إلى ألماسة ليست أغرب ما يعرفه العالم من عادات وطقوس...

فكرة الأموات الذين يتحوّلون إلى ماس، ليست أغرب ما يعرفه العالم من عادات وطقوس. فقد يعتبرها البعض فكرة مميزة، لا سيما أن كل شعوب العالم قد لا تتعامل مع موتاها بالطريقة نفسها، وأحياناً قد تمارس شعائر نعتبرها غريبة أو غير مفهومة، أو حتى مخالفة لمعتقداتنا. عادات قد تكون نادرة، إنما موجودة في دول الجوار، وهي جزء من ثقافة شعوب أخرى في العالم. في هذا المقال، سنحاول أن نجول دول العالم بحثاً عن أغرب هذه الممارسات المتأصلة بثقافة كل بلد، والعاكسة لمجموعة من المعتقدات والقيم.

دفن على وقع الموسيقى

قد لا يكون التعامل مع جثث موتى الأيزيديين كغسل الجسد وكفنه بقماش أبيض غريباً علينا، إلا أن المراسم تختلف بعض الشيء. فبعد أن يُخاط الكفن على الميت، ويشد عند رقبته، يُرفع على عودَين معمدين بماء زمزم وُيسار إلى مثواه الأخير، يتقدمه قوالان (رجلا دين)، الأول يضرب على دفّه بنغمات حزن، والثاني يشاركه بشبابته، وهي آلة عزف دينية تُشبه آلة الناي. ولا بد أن يكون رأس المتوفى مواجهاً للشمس، كونها مقدسة، ومصدر الخير والحياة. وتمتد مراسم الجنازة، أو بالأحرى المناحة، سبعة أيام متتالية تذهب خلالها النساء مرتين في اليوم إلى قبر الفقيد، يتقدمهنّ الدف والشبابة. ولا بد من التشديد على قدسية المقابر، فلا يقطعون أشجارها حتى لو مرّت العصور عليها ويبست، ووقعت على الأرض.

أبراج الموت أو الصمت

كثيرة هي الشعوب التي تؤمن أن الجسد يفنى ووحدها الروح خالدة إلا أن لكل منها طريقتها في التعامل مع مراسم الدفن. ومن بينها، نذكر الزرادشتيين، الذين يعيش بعضهم في إيران، ويعتبرون إحراق الجثة أو دفنها تدنيساً لعناصرها المادية، ما يحتّم عرضها  فوق "أبراج الصمت" لتلتهمها الطيور. وبالتالي، يضعون أجسام الموتى على سطح برج عالٍ مستدير ومبلط، تتوسطه بئر عميقة. وعندما يموت أحدهم، يضعون جثته عارية مكشوفة للشمس على الألواح الحجرية، المكونة من ثلاثة صفوف، الصف الخارجي للرجال، والمتوسط للنساء، والداخلي للأطفال. وتبقى الجثث تحت حرارة الشمس ومياه الأمطار، إلى أن تتلاشى، تاركة العظام فقط التي توضع في تلك البئر. ويؤمن الزرادشتيون أن نور الشمس وحرارتها يطهران هذه الأجسام من دنس الخطيئة، فتدخل النعيم مطهرة.

من جهتهم، قد لا يلجأ البدو الرحل في سوريا إلى أبراج الصمت، فهم يدفنون أمواتهم في حفر سطحية، فتتحوّل في غالبية الأحيان إلى فرائس للذئاب وابن آوى.

أما في التيبت، فتُعرف هذه العادة بـ"الدفن السمائي" Sky burial. فالبوذيون الذين يؤمنون بالولادة الجديدة، لا يعتبرون أنه من الضروري الحفاظ على الجسد بعد الموت، لأن الروح قد انتقلت إلى عالم دنيا. وبالتالي، يأخذون جثث موتاهم إلى أماكن مرتفعة، ويتركونها كـ"صدقة" للنسور. وهذا تقليد أثار الكثير من الجدل، لجذبه العديد من السياح. وفي منغوليا، تجري أيضاً العادة نفسها، لأن الأجساد ليست إلا أوعية فارغة.

sky-burial

رقصة الموت

Famadihana_reburial_razana_ancestor_Madagascar

جرت العادة أن نكتفي بزيارة قبور أحبائنا للصلاة، أو البحث عن سكون ما حاملين أحياناً الورود. إلا أن الأمر مختلف في جزيرة مدغشقر، التي تحتفل بطقس غريب يُعرف بـFamadihana أو "تحريك العظام". وهو مهرجان تقليدي يُنظم كل عامَين. ماذا يفعلون بالجثث؟ في الواقع، ينبشون جثث أحبائهم ويرقصون معها على أنغام موسيقى حية، إيماناً منهم بأن هذا الطقس يُساعد على تحلل الجثة. وكلما تحللت الجثة بشكل أسرع، وصلت أسرع إلى  الآخرة!

سيجارة وملابس جديدة

شعوب أخرى تقوم بنبش القبور، إنما للقيام بطقوس أخرى، تُعرف بـ"مانيني". وذلك في جزيرة سولاويسي الإندونيسية. يقوم شعب التوارجاس، وهو من الشعوب الأصلية على هذه الجزيرة، بهذا الطقس، لإظهار حبه للموتى وللحصول على محصول جيد من الأرز في العام التالي. ولذلك، تُخرج العائلات النعوش المدفونة، وتُسحب جثث الموتى لتقوم بتنظيفها، وإزالة الغبار وآثار العفن والاعتناء بها، وتصفيف شعرها وتغيير ملابسها وتعطيرها، أو حتى جعلها تدخن السجائر.

جنازة صديقة للبيئة

هذه النزعة العالمية لم تعد تقتصر على العادات اليومية، التي تُعتبر صديقة للبيئة، بل أيضاً الجنازات، وتحديداً في الولايات المتحدة، حيث توجد أكثر من 40 مقبرة صديقة للبيئة. هناك، يتم وضع الجثة في أكفان ونعش من مواد صديقة للبيئة. وعلاوة على ذلك، لا يتم إضافة أي مواد تساهم في تحنيطها، أو أي مواد أخرى قد تبطئ من عملية تحللها. وقد يفوق ثمن هذه المراسم ثمن سيارة! إلا أن هذه ليست الطريقة الوحيدة، إذ يمكن ضغط بقايا الجثة، وتحويلها إلى شعاب مرجانية، شُعاب يتمّ تركيبها إلى جانب الشعاب المرجانية الطبيعية في المحيط، كي تستفيد منها الكائنات البحرية.

نعوش مُعلّقة

غالباً ما نتخيّل النعوش مدفونة في المقابر، إلا أن بعض الشعوب الآسيوية (في الصين مثلاً)، تفضّل أن تكون معلقة في السماء. فهي تؤمن أنه كلما كانت النعوش قريبة من السماء، كانت الروح قريبة من الجنة. ولهذه الغاية، تقوم بتعليق النعوش على المرتفعات.

تابوت من تصميم خاص

هل تحلم أن يكون مثواك الأخير في زجاجة كوكا كولا أو في سيارة مرسيدس بنز، أو حتى أن تنام في قلب سمكة عملاقة؟ الأمر ممكن في غانا، التي اشتهرت عالمياً بتصميم فني لنعوش تعكس إحدى ميزات الشخص المتوفى. وكانت العادة قد بدأت مع تابوت على شكل طائرة، صُمم لجدة لم تملك الوقت الكافي للسفر حول العالم قبل وفاتها.

لا شك أن هناك العديد من العادات والطقوس حول الموت، ومراسم الدفن، لكن الأكيد أن كل منّا سيختار ما يُناسب ثقافته ومعتقداته من دون الحكم على عادات الآخرين!

باميلا كسرواني

صحافية لبنانية عملت في مجال الصحافة المرئية والمسموعة وتعمل في الصحافة الإلكترونية بين دبي ولبنان. تحمل ماجستير في الإعلام من جامعة السوربون الفرنسية.

كلمات مفتاحية
العالم الموت

التعليقات

المقال التالي