حانات مصر عام 1843 ونجومها من عوالم وغوازي و"مخنّثين"

حانات مصر عام 1843 ونجومها من عوالم وغوازي و"مخنّثين"

للحانات في مصر تاريخ طويل، فالمصريون يميلون دائماً للمرح والغناء، وهم بارعون فيهما. ومنذ عهود الفراعنة، أحياوا حفلات راقصة جسّدت على جدران المقابر.

وفي عهد محمد علي باشا، انتشرت الحانات والمقاهي التي تُغنّي وترقص فيها العوالم، وبعض منها كان في منطقة الأزبكية، وفم الخليج، وفي إسنا بالصعيد.

وسجلت كتابات الرحالة الفرنسي جيرار دي نرفال Gérard de Nerval بعض مشاهد الحانات، وما كان فيها من صخب ورقص وغناء، في لوحات نثرية بديعة ضمها كتابه "رحلة إلى الشرق".

وتميز جيرار دي نرفال، وهو شاعر فرنسي، عن غيره من الرحالة، بأنه ترك مجالس الأمراء وأصحاب النفوذ والمثقفين في مصر، وخالط الشعب، وعاش بينهم في حي شبرا، وتزوج منهم، ودخل بيوتهم وأكل مع الدراويش في تكياتهم.

الحانات

في كتابه "نظرية الأدب المقارن"، يحكي د. أحمد درويش أستاذ النقد الأدبي بدار العلوم، عن الرحالة الفرنسي جيرار دي نرفال، أنه كان مولعاً بسهرات القاهرة على امتداد شاطئ النيل بفم الخليج، وشديد الاختلاط بالعامة، الذين كانوا يعتبرونه في مشيته المضطربة وهيئته الرثة، أحد المجذوبين، ويتلمسون فيه جانباً من البركات.

يقول درويش: "من خلال حياة القاهرة التي انغمس فيها دي نرفال، جاءت لوحاته النثرية الشهيرة في الأدب الرومانسي، ومنها لوحة "رقصة العوالم"، التي وصف فيها طقوس حلقة الرقص من الدخان المتصاعد، والصاجات الرنانة وألوان القلنسوات البراقة، واهتزازات الأذرع، وحركة الأوراك المخملية، وكحل العيون، وتوهج الوجنات للراقصات، وجمالهن الأخاذ".

ويصور دي نرفال جانباً من مشاهد الرقص داخل الحانات عام 1843، فيقدم وصفاً ساحراً لرقص "العوالم" من خلال سحب الدخان المتصاعدة. يقول: "من اللحظة الأولى يدهشنا ضياء قلنسواتهن المذهبة، التي تعلو جدائل شعورهن، وكعوبهن التي تضرب الأرض، بينما أذرعهن ترتفع في اهتزازات عنيفة، وهي تقرع أجراساً وخلاخيل. أوراكهن تختلج في حركات مخملية. نحورهن تتبدى عارية تحت نسيج الحرير الموصلي وتتأود بين لباسهن والحزام المترامي الذي يسقط علي بطونهن مثل فينوس".

ويضيف: "بالكاد نستطيع أن نميز في دورانهن السريع ملامح هذه الكائنات الجذابة التي ترتج أصابعها بصنج صغيرة وكبيرة، تهتز على نغمات الناي والطبول. كن شديدات الجمال مزهوات بعيون عربية زادها الكحل تألقاً، بوجنات ممتلئة تزينها مساحيق خفيفة".

لكن المفاجأة التي يكتشفها جيرار في الحانة، وكان معظم الحضور سكارى، حين ركز بصره على الراقصات وقد هدأت حركتهن في نهاية الحفل، ولاحظ أن لديهن ملامح ذكورية، وعندما دقق في الأمر اكتشف أنهن جميعاً ذكور.

يوضح في كتابة "رحلة إلى الشرق": "ومن بين الراقصات الثلاث، كانت الثالثة تند عنها ملامح أقل ليونةً، وتشف عن لحية نابتة في يومها الثامن، بطريقة تدفعنا لأن نتأمل ملياً ملامح الراقصات. وعندما انتهى الرقص أصبح ممكناً لي أن أتيقن بوضوح ملامح الراقصتين الأخريين، ولم ألبث أن تيقنت أننا أمام عوالم ذكور".

"المخنثون"

هم نفر من الذكور أقاموا في مصر في تلك الفترة، يرقصون كما العوالم والغازيات في الحفلات العامة وفي الحانات. يرتدي المخنثون لبس الغازيات نفسه، وعددهم قليل للغاية. يستخدمهم المصريون الذين يرون أن رقص النساء نقيصة أخلاقية. يتلوّون بالصاجات كما تفعل الراقصات.

أقوال جاهزة

شارك غردوصف ساحر لمشاهد الرقص داخل الحانات في مصر عام 1843، ونجومها من عوالم وغوازي و"مخنّثين"

ويلبس المخنثون زياً نصفه ذكوري ونصفه إنثوي، فهم عادةً يلبسون سترة مغلقة ويتحزمون بحزام من وسطهم، ويلبسون تنورة سفلية. لكن مظهرهم العام نسوي بامتياز، فهم يطيلون شعرهم ويضفرونه على طريقة النساء، ويضعون المساحيق فوق جفونهم، ويصبغون يدهم بالحناء الأحمر. وفي غير أوقات الرقص يرتدون الحجاب ليس من باب الوقار، ولكن من باب التشبه بالنساء، كما يذكر جيرار دي نرفال.

وفي قاهرة محمد علي، نوع آخر من المخنثين الراقصين، يدعون بـ"الجنك". يلبسون كما يلبس أقرانهم، ويفعلون أفعالهم، لكنهم أمهر في الرقص، وهم عادة يكونون من اليهود والأرمن واليونانيين، الذين استوطنوا القاهرة قديماً.

الغازيّة

عادةً، يطلق لفظ الغوازي على قبيلة مصرية تنسب نفسها إلى البرامكة، الذين كانوا ذوي نفوذ قوي في عصر هارون الرشيد، ونالوا كرمه كما ذاقوا مرارات تقلب مزاجه.

والغازية أو (الغَزِيّة كما يطلق عليها المصريون) امرأة ترقص داخل البيوت في حفلات الزفاف والطهور. وعادة ترقص في فناء المنازل أو أمام باب المنزل، لكنها لا تصعد إلى "حرم الشرفاء" لدنو مكانتها.

وفي كتابه يكشف دي نرفال كثيراً من هيئاتهن. فيقول إنهن يرتدين أثناء الرقص يلك (روب مفتوح) وشنتيتان (بنطال) وتتزين الغازية بكثير من الحلي والزينة، مثل الدانتيل والأساور والخلخال، وعلى جبينها تضع صفاً من القطع الذهبية، بالإضافة إلى حلقات في أنوفهن.

وتتكحل الغازية فتحيط عينيها بالكحل الأسود، وتصبغ كف يدها وأطرافها بحناء أحمر.

يتطرق الكاتب لطريقة رقص الغازية، فيقول إنها تبدأ برقص بسيط إيقاعه هادئ، ثم ما تلبث أن تتمايل، ويتطور الرقص ليكون أكثر تمايلاً. لكن الأمر كله لا يعدو أن يكون رقصاً لا خلاعة فيه ويختلف الأمر حين تختلي الغازية بحفلات الرجال الخاصة، فتقوم بفتح اليلك إلى منتصفه، ويتعرى صدرها، وأحياناً تخلع اليلك، وترقص وهي تلبس "الشنتيتان" فقط وتزيد حركاتها خلاعة كلما احتست من الخمر الذي يسقونها منه باستمرار.

ويصاحب الغازية عازفون ينتمون لقبيلتها، يكون زوجها أحدهم. وعادة تكون الآلات المستخدمة في العزف الربابة والتار (الدُف).

وتدين قبائل الغوازي بالإسلام، وكثيراً ما تصاحب قوافل المصريين للحج. ولا تتزوج الغازية إلا من غازٍ مثلها، إلا أن بعضهن يقسمن قسم التوبة، ويتزوجن من عربي لا يضيره سمعتها بين الناس.

تسكن قبائل الغوازي في خيام لكثرة تنقل زوجاتهم وبناتهم لإحياء الحفلات العامة والخاصة والموالد الدينية التي يقيمها المصريون.

العوالم

العوالم لسن مثل الغوازي، وإن كن يعملن في المهنة نفسها. فالعوالم يرقصن في الحانات فقط، ولهن ملابس مميزة كما وصفها دي نرفال. وهن من عوام الشعب ومن أسر مصرية تقليدية. بعضهن كن مشهورات في مصر على مدى التاريخ، وأشهرهن في تلك الفترة سيدة فائقة الجمال تدعى "كوتشوك هانم"، نفاها إسماعيل حفيد محمد علي باشا، الذي أصبح خديوي مصر بعد ذلك، إلى إسنا في قلب الصعيد. ونفى معها جميع العوالم، فأصبحت الحانات تعج بالمخنثين الذين يؤدون حركات العوالم ويلبسون أزياءهن.

عادةً، تجمع العالمة بين الغناء والرقص، وغالبية العوالم يمتلكن حنجرة جميلة الصوت. وكانت بعض الغوازي تقلدهن في ذلك، واستمرت تلك العادة طويلاً في مصر وصولاً إلى خمسينيات القرن الماضي، وزال كثير من تلك المظاهر وإن بقي بعضها على استحياء حتى الآن.

ومن أهم الأغنيات التي تشدو بها عالمة مصرية، أغنية "ز* عم عبدو" (عضو عم عبدو الذكري)، للراقصة بهية المحلاوية، تلميذة الراقصة الأشهر شفيقة القبطية، التي شاركتها مطلع الأغنية. وتعود أهمية هذه الأغنية إلى أنها أول أغنية مصرية تسجل على مر التاريخ الفني.

كلمات مفتاحية
مصر

التعليقات

المقال التالي