كيف لقّن ترامب الإعلام الأمريكي درساً قاسياً... ومعه الصحفيين العرب

كيف لقّن ترامب الإعلام الأمريكي درساً قاسياً... ومعه الصحفيين العرب

"ضربة قوية يتلقاها الإعلام الأميركي"، "لقد فاتنا الحدث"، "تلزمنا مراجعة العمل الإعلامي"، "أبوكاليبس الإعلام"... بهذه الردود قابل عدد من المؤسسات الإعلامية الأميركية فوز دونالد ترامب بالرئاسة، في نتيجة اعتبرتها درساً قاسياً لها، ومعها في ذلك مراكز الأبحاث والاستطلاع.

قبل أشهر، احتفت كبريات الصحف والمحطات بظهور ترامب، واعتبرته "هبة من السماء"، لكن ليس فرحاً به بل في إطار من السخرية، رأى في تصريحاته "الكوميدية" قدرة على استقطاب نسب مشاهدين مرتفعة. وعلى قاعدة "الضدّ يظهر حسنه الضدّ"، اعتبره الصحافيون "المرشح المثالي" الذي سيضمن فوز كلينتون. إذ أن الأخيرة كانت مرشحة الإعلام بامتياز.

وهكذا، كادت الصحف والتلفزيونات ومراكز الأبحاث تحسم وصول أول سيدة إلى البيت الأبيض قبل فتح صناديق الاقتراع حتى، بينما واظبت مراكز الاستطلاع على إظهارها في موقع الفوز، وبفرق نقاط شاسع. وقد حذا العديد من فناني الولايات المتحدة حذو إعلام بلادهم، فحسموا النتيجة لصالح كلينتون، بينما هدد بعضهم بالهجرة في حال فوز ترامب. تهديد لم يصدقه معظم من أطلقه، فقد ضمنوا فوز مرشحتهم مسبقاً.

الدرس القاسي

قبل النتائج، رفض الإعلام الأميركي تصديق إمكانية فوز مرشح "مدمّر" كترامب، فأمعن التلذذ بخطاباته العنصرية وبنبش ماضيه النسائي، كما لو كان شخصية كرتونية، وعندما خالف جميع التوقعات وفاز، بدا الإعلام - المتباهي بمصداقيته حول العالم - مصدوماً وعارياً.

وعليه بدأت مراجعة الذات سريعاً، كما حصل مع صحيفتي "نيويورك تايمز" و"واشنطن بوست" العريقتين. هذه المراجعة، وإن رأت فيها هذه الوسائل سبيلاً لفهم ما حدث والمصالحة مع جمهورها، فهي تظهر مرة أخرى حجم دور هذا الإعلام في صناعة "حقيقة" ليست حقيقية، وفي دفع العالم أجمع إلى تصديقها. في وقت، لا يزال الإعلام العربي يتعامل في مناسبات كثيرة بتلك "الدهشة الأولى" في استقاء أخباره من "المصادر الأجنبية" واعتبارها سبيلاً أساسياً في فهم السياسة الغربيّة وتوجهاتها.

اعترفت "نيويورك تايمز" في مقال للصحافي جيم روتنبرغ بأن الإعلام الأميركي قد أخفق بعدما فاته الحدث وفاته ما يحصل في البلاد، فلم يلحق بالقصة رغم امتلاكه قاعدة بيانات ضخمة وموديلات صحفية معقدة.

لم يتوقع أحد فوز ترامب، وكان ذلك أكبر من التلطي وراء حجة فشل مراكز الاستطلاع. يتجسّد الفشل الإعلامي في العجز عن التقاط نبض الشارع الحقيقي وغضب شرائح واسعة من الأميركيين. لم تسائل وسائل الإعلام "الماينستريمية" مراكز الاستطلاع عن النتائج عندما كانت تقضي باستحالة حصول ترامب على الرئاسة خلال مليون سنة، لم تدقق في مصداقيتها وفق ما يقضيه العمل المهني.

يذكرنا ذلك بتلك الثقة التي كان الإعلام يتوجه بها إلى الجمهور مخبراً إياه باستحالة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وسائل الإعلام نفسها لم تشعر بالحرج من تغيير أقوالها بين ساعة أخرى، وفجأة مع بدء عمليات الفرز أصبح الجميع يتكلم عن فوز ترامب.

جدوى مراكز الاستطلاع

في المقابل، أظهرت النتيجة الفشل الذريع لمراكز الاستطلاع واستخفافها بقدرة ترامب، ليطرح السؤال عن جدواها وقدرتها على رصد حقيقة التوجه الجماهيري بينما نعيش في عصر يصعب فيه الوصول لأحدهم على هاتفه النقال. عبّر عن حقيقة الأمر على "أم أس أن بي سي" المحلل الاستراتيجي مايك مورفي قائلاً "تهشمت الكرة الزجاجية التي أنظر من خلالها إلى الأحداث المقبلة، معلناً "الليلة ماتت الداتا".

أقوال جاهزة

شارك غردليلة سقط الإعلام الأميركي، ومعه الصحافيون العرب

شارك غرد"على الرغم من الصورة التي يرسمها الصحفيون عن أنفسهم بأنهم ساخرون وأقوياء، لقد تبين أنهم مثاليون.. لا بل ساذجون"

أما الأخطر، برأي "نيويورك تايمز"، هو التصدّع العميق في مفهوم الصحافة، التي أخفقت في فهم الخطاب الآتي من خارج "الاستابليشمنت". والسبب هو أن السياسة لا يمكن فهمها دائماً بالأرقام، فالأخيرة لا ترصد "الوضع الإنساني" الذي يجري في دماء السياسة الأميركية. يتابع روتنبرغ منتقداً الأداء الإعلامي الذي لم يتعمق في أبعاد طروحات ترامب ليغرق في تفاصيل كيف يريد الأخير "بناء جدار فاصل مع المكسيك" أو "كيف يريد حظر دخول الأشخاص الآتين من بلدان ترتبط بالإرهاب؟".

ويعود الصحافي مذكراً بـ"عمى الصحافيين"، الذين لم يتعلموا قراءة أحداث سابقة وتأثيرها، وأعادوا الكرّة مع ترامب، من دون أن يفكروا بالنزول أكثر إلى عمق المجتمع وفهم مساراته، متمنياً أن يدرك المعنيون خطورة الوضع ويسعوا لتصحيحه ولو لمرة.

الصحافيون ساذجون

شاركت "واشنطن بوست" زميلتها في الندب على حال الإعلام الأميركي. في مقال لمارغريت سوليفان، تعترف الصحيفة الأميركية بالخطأ: الصحافيون لم يستمعوا للناخبين الأميركيين ولم يفهموهم.

رغم صوتهم المرتفع، وتواجدهم الضخم في الفعاليات الانتخابية الداعمة لترامب، لم يدرك الإعلام أن أصواتهم ستصب لصالح المرشح الجمهوري. النخبة الأميركية، ومعها الإعلام، لم يصدقوا أن الأميركيين - وما يحملونه من مفاهيم ديموقراطية - قد ينتخبون يوماً "شخصاً سخر من ذوي الحاجات الخاصة وافتخر بتحرشه الجنسي بالنساء وبخطابه العنصري…". رأوا في خطاب ترامب الكارثة، فغفلوا عما سمعوه في الولايات المؤيدة للجمهوريين وفي اللقاءات مع عمال مناجم وعاطلين عن العمل، وبالتالي لم يأخذوا آراءهم على محمل الجد.

أبعد من ذلك، ترى سوليفان أن الإعلام، ومن حيث لا يريد، ساعد ترامب على الفوز بالانتخابات. تسأل "هل صنع الصحافيون ترامب؟ بالطبع لا، ليس لديهم القدرة. لكنهم ساعدوه كثيراً عبر تغطيتهم لخطاباته وتركيزهم المستمر على تطورات قضية تسريبات البريد الإلكتروني لهيلاري كلينتون". وتنقل عن الملياردير بيتر ثيل ما قاله في نادي الصحافة الوطني عن خطأ وسائل الإعلام في تعاملها مع أحاديث ترامب بمعناها الحرفي، فهي "لم تتعامل يوماً ما بجدية مع ما يقوله، كانت تركز على المعنى الحرفي لكلامه".

أراد الصحافيون الحصول على معرفة دقيقة حول الكيفية التي سيرحّل بها ترامب المهاجرين الذين لا يحملون وثائق رسمية أو كيف سيخلص العالم من تنظيم داعش، بينما كان الناخبون في مكان آخر. "لقد أدركوا أن ترامب لن يبني حقاً حائطاً لمنع تدفق المهاجرين، بل فهموا من كلامه أنه سيتبنى سياسة للهجرة أكثر رشداً".

بدوره، لم يحترم ترامب الصحافة يوماً، وقابلها بالاستهزاء والشتائم باعتبارها متحالفة مع كلينتون لـ"قمع صوته وأصوات الأميركيين"، في وقت أدرك ما يشعر به الأميركيون تجاه قضايا معينة كالتجارة والهجرة، على عكس  الإعلام الذي لم يتعامل بجديّة مع إحباطات الناس رغم تغطيته لقضاياهم. تستنج سوليفان بذلك أنه "على الرغم من الصورة التي يرسمها الصحفيون عن أنفسهم بأنهم ساخرون وأقوياء، لقد تبين أنهم مثاليون.. لا بل ساذجون".

وخسروا البيت الأبيض...

تلاشى حلم الكثير من الصحافيين الذين لحقوا بكلينتون، في أن يصبحوا مراسلين في البيت الأبيض، بينما كان عليهم أن يغيروا مواضيعهم المحضرة سلفاً لفوز كلينتون.

انكسار صورة الإعلام الأميركي لا تنحصر بالأخير وحده، فكبريات مؤسساته تشكل مصدراً أساسياً يستقي منه العالم العربي معلوماته، وينظر إليه بعين المصدر الموثوق لما يدور في كواليس أكبر دولة في العالم، وما لسياساتها من تأثير في الشرق الأوسط. ليس ذلك فحسب، فبسقوط ورقة التين الأخيرة على جسد الصحافة الأميركية، بدت مهنة الصحافة نفسها حول العالم أضعف من ذي قبل. الأزمة أبعد من أميركا، وإن حُسب للأخيرة اعترافها المتأخر بها. ثمة فجوة كبيرة بين ما تتبناه وسائل الإعلام الكبرى استناداً إلى الخبراء والأكاديميين والمحللين، وبين ما يدور حقاً في الشارع، وتحديداً في الأطراف. وفي هذه الفجوة المظلمة، تسقط وسائل الإعلام تباعاً، ومعها تلك الصورة المثاليّة لما نسميه "الحقيقة".

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

التعليقات

المقال التالي