كلنا ننتهك خصوصية أطفالنا بنشر صورهم على مواقع التواصل الاجتماعي

كلنا ننتهك خصوصية أطفالنا بنشر صورهم على مواقع التواصل الاجتماعي

تخيّل أنك تجلس مع أكثر الأشخاص ثقة لديك. تشعر بالحزن أو بالجوع أو الخوف فتبكي لتعبّر. تريد من هذا الشخص الالتفات إليك والاستجابة لحاجاتك. يأخذ هذا الشخص هاتفه فيستغل اللحظة، ويصوّرك من دون استئذانك أو أخذ موافقتك.

هل ذكرنا أنك قد تكون في ملابسك الداخلية؟ بعد بضع ثوان، ينشر صورتك على فيسبوك، مضيفاً تعليقاً يعبّر عن كل شيء إلا عن حالتك. فتنهمر التعليقات والإعجابات على صورتك من أشخاص لا تعرف معظمهم. كل ذلك من دون علمك. كيف سيكون شعورك؟

وبعد، تخيّل أن كل أصدقاء والدتك على مواقع التواصل الاجتماعي، يعرفون وزنك وطولك وماذا تحب وماذا تكره، وكيف يكون مزاجك حين تستيقظ من النوم، وكيف تتسخ ثيابك حين تحاول أن تأكل بمفردك للمرّة الأولى، وكيف تنهار بكاءً حين تتركك وحدك. يعرفون كل شيء، حتى أكثر مما تعرف أنت. هل الأمر مضحك بالنسبة إليك؟ بضع سنوات وستكبر، وتعود إلى تلك الصور، وستشعر بالإهانة، وبأن والديك عرضا حياتك الخاصة للعلن، أمام أشخاص، منهم السّوي ومنهم المريض، ومنهم من سيستغل تلك الصورة.

أليس من حق الطفل الحفاظ على خصوصيته؟ هل سألنا أنفسنا قبل نشر صوره، ماذا سيظن حين يراها لاحقاً عندما يكبر؟ والأهم هل نحن مدركون لمخاطر نشر الصور أمام آخرين؟

بين المشاركة والاستهزاء

Reasons my son is crying، هي صفحة منتشرة على فيسبوك، تحتوي على صور لأولاد يبكون أو يقومون بحركات غريبة مضحكة. تستند الصفحة على ردات فعل الأولاد، التي تكون أحياناً هستيرية، وهذا طبيعي، لأن الطفل عادة لا يستطيع التعبير عما يريد بمفردات الكبار، حتى لو أراد أشياء يعتبرها الكبير تافهة، أو غير منطقية، فيبكي ويصرخ. وأحياناً أخرى، يقع الطفل في مأزق، إذ يهرع الأهل لمساعدته، فيستغلون تلك اللحظات لتصويرها ونشرها لتتحول إلى مادة مضحكة ومسلية. أهي فعلاً كذلك؟

13962697_665758193589287_469151927345508853_n

ومثل تلك الصفحة، صفحة بالعربية عنوانها صور أطفال مضحكة، تحتوي أيضاً على صور ومقاطع فيديو لأطفال يتم تصويرهم من دون إذنهم، وتنتشر بسرعة لدى مستخدمي تلك المواقع فينقسم المتصفح بين المعجب بذلك الطفل والمستهزىء به.

13062075_619619511536489_116187650898799781_n

1916166_583392008492573_4996536813465763904_n

لم تعد تلك حياتهم بل حياته هو. وتعليمه أن يحترم جسده يجب أن يبدأ من هنا. فهل نربي أولادنا على الحفاظ على خصوصية الجسد بنشر صورهم شبه عاريين؟

أقوال جاهزة

شارك غرد 1500 صورة تنشر للطفل اليوم على الانترنت قبل بلوغه خمسة أعوام! تخيلوا لو أنكم مكانه

شارك غردللطفل حق الفيتو على صوره التي تنشر أمام الناس… من خلال ذلك نعلّمه أنه يمتلك وحده صورته وجسده والحق في التحكم بهما

أجرت مجلة Parent Zone البريطانية العام الماضي، دراسة لافتة عنوانها "الأهل الذين ينشرون صور أولادهم على مواقع التواصل الاجتماعي"، كشفت أن فيسبوك هو الموقع الأكثر نشراً لصور الأولاد بنسبة 54%، بينما يستعين 16% من الأهل بإنستاغرام و12% بتويتر. وفي البحث عن أعداد الصور، فإن 32% من الأهل ينشرون بين 11 و20 صورة خلال شهر واحد، و28% لم يفكروا يوماً في أن يسألوا طفلهم قبل نشر الصورة. وعند سؤالهم عن تأثير نشر الصور على الانترنت، 55% قالوا إنهم لا يجدون أن لذلك أي تأثير عليهم أو على الطفل. وعن مدى إدراكهم لكيفية المحافظة على خصوصية الصور ومن سيراها، 38% قالوا إنهم ليسوا أكيدين من هوية الأشخاص الذين سيرون الصورة، بينما 29% اعترفوا أنهم لم يحاولوا جعل صورهم سريّة. وخلصت الدراسة أن 1500 صورة تنشر لطفل على الانترنت قبل بلوغه خمسة أعوام.

11407183_490771984421243_1213139360546848441_n-(1)

استقطبت تلك الدراسة أنظار الجمعيات والهيئات المولجة توعية الأهل حول مخاطر استعمال الانترنت، كما الجمعيات المهتمة بحماية الأطفال من التحرش، ما دفع بالأستاذة في جامعة هارفرد لكتابة بحث عنوانه "الشرخ الكبير: حماية العلاقات بين الأهل والطفل في عصر التكنولوجيا". وأشارت فيه إلى أن للطفل حق الفيتو على صوره، خصوصاً تلك التي تنشر أمام الناس. ومن خلال ذلك نعلّمه أنه يمتلك وحده صورته وجسده والحق في التحكم بهما. ونصحت الأهل بسؤال أبنائهم: "هل يمكن أن أرسل صورتك إلى صديقتي؟"، "هل تسمح لي بأن أريها لجدتك؟". فذلك لا يقوّي فقط الروابط الأسريّة، بل يعطي الطفل ثقة أكبر بنفسه وبقراره. يكون قد تعلم أن لا يشارك صور أصدقائه لاحقاً على فيسبوك من دون موافقتهم، وأن يحترم خصوصية الآخرين وخصوصيته هو.

الأهل يتنافسون في ما بينهم والسلاح: طفل يصطنع الملامح

يحرص الأهل حين ينشرون صور أولاهم، على إظهارهم بأبهى حلة. وهم لا يفوتون مناسبة إن كانت حفلة في المدرسة أو مناسبة عائلية، أو سفراً أو أي نشاط، لأرشفة اللحظة ومشاركتها مع الأصدقاء. وفي أحيان كثيرة يظهر الطفل باكياً أو غير مكترث للصورة، أو حتى يصطنع الضحكة تنفيذاً لرغبة الأهل. وفي الحالات القصوى نرى ألبومات صور كاملة من أكثر من 100 صورة للطفل نفسه في المكان نفسه. هل يهتم هؤلاء الأهل بالاستمتاع بالوقت مع طفلهم، أو هم أكثر اهتماماً بأن يعرف الآخرون أنهم يمضون وقتاً ممتعاً؟ السر يكمن إذاً في معرفة متى يجب أن نتوقف عن أخذ الصور،  والتركيز على مشاركة أطفالنا أفراحهم وأحزانهم.

13873133_811057665662771_4846434734010163169_n
"يجب أن ينتبه الأهل إلى محتوى الصورة وتعابير الطفل فيها قبل نشرها"، تقول ساره كلارك، الباحثة في قسم أطباء الأطفال في جامعة ميشيغين. حين يطلب الأهل من الطفل الابتسام، وهو حزين، فقط من أجل الصورة يعلمونه أن التعبير المناسب لحالة الحزن هي الابتسامة. الأمر الذي لن يساعده في التعبير عن مشاعره بصدق عندما يكبر، بل اصطناعها إرضاءً للآخرين. إضافة إلى ذلك، يشعر الطفل وهو ينمو، بحال من الالتزام تجاه غرباء لا يعرفهم فيصبح سلبياً غير عفوي، مهتماً بعدسات الكاميرا أكثر من اهتمامه بالاستفادة من عمره للعب واللهو. في دراسة نشرت عام 2012 في American Psychological Association’s journal، سئل أطفال بين سن العاشرة والثانية عشرة: "ما هو هدفكم حين تكبرون؟". فأجاب 40% من الأطفال بأنهم يريدون "الشهرة". أما بقية النسب فتوزعت بين "التطوع لعمل الخير" و"النجاح"، بينما لم تحرز إجابات "الرضا عن الذات" نسباً تذكر. اعتبر الأطفال أن الشهرة هي مصدر المال والنجاح، وحب الذات والآخرين، وبالتالي، كلما عرفهم الناس من خلال صورهم ومقاطع الفيديو التي تنشر عنهم، أحبوهم أكثر. لكن هؤلاء الأطفال لا يعرفون أن تلك الشهرة التي يسعون وراءها لا تأتي مجاناً، بل تتطلب جهداً يومياً من الادعاء وإظهار حياتنا على أنها مثالية، وأننا لا نغضب ولا نخطئ ولا نمل من الآخرين.

السعي وراء الشهرة لأبنائنا ولنا من خلالهم له أضرار عليهم لأن ذلك سيحرمهم خصوصيتهم، ويجعلهم رجالاً آليين مبتسمين دائماً، بينما واقع الحياة مختلف. وسيعرضهم للانتقادات من كل حدب وصوب، وهم ما زالوا هشين نفسياً، وهذا يؤثر سلباً على ثقتهم بأنفسهم وبكم وبالآخرين.

ستيفاني غانم

أخصائية في علم النفس العيادي والتحليل النفسي. تقدم فقرة أسبوعية ضمن برنامج “ببيروت” على قناة LBCI الفضائية.

التعليقات

المقال التالي