كيف خسر الغزاويون ملايين الدولارات في "بورصة الأنفاق"

كيف خسر الغزاويون ملايين الدولارات في "بورصة الأنفاق"

لطالما راوده الحلم بالمال الذي يشتري كل شيء، حتى إن كان طريق تحقيقه محفوفاً بالمجازفة، التي من الممكن أن تؤدي إلى الهلاك، بنسبة أكبر من احتمال أن تؤدي إلى النعيم.

بضعة رجال يجلسون على باب منزل صالح بلال (أبو رامز)، المعروف بأنه أحد "رجال الإصلاح" جنوب قطاع غزة. أصواتهم تعلو شيئاً فشيئاً، حتى أصبح الأمر ملفتاً لكل من حولهم.

يصيح أحد الجالسين بصوت عال: "يعني معنى كلامك يا حج صالح إنو انخدعنا والمصاري راحت علينا. يا عالم... يا ناس... أنا بعت البيت اللي كان آويني أنا وأولادي وحطيت (وضعت) كل المصاري اللي معي بالأنفاق. وبالآخر بتحكولي الله يعوض عليك".

تكرر مثل هذه الجلسة مئات المرات في السنوات العشر الماضية في غزة، خصوصاً بعد أن سيطرت "تجارة الأنفاق" على مفاصل الحياة في القطاع.

نشطت حركة الحفر أسفل القطاع بعد نحو عامين من بدء الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000. كانت الأنفاق في البداية تستخدم لتخفي عناصر المقاومة الفلسطينية، ولتنفيذ عمليات عسكرية ضد الإسرائيليين. ومع مرور الوقت وتغير الأحداث، تطورت عمليات الحفر، لتنتشر في أنحاء القطاع، وعلى الحدود مع مصر خصوصاً.

بدأ الأمر يأخذ منحى آخر بعد أن سيطرت حركة حماس على القطاع في يونيو 2007، إثر انقلابها على مؤسسات السلطة الفلسطينية.

فوضعت الحركة ثقلها في منطقة الحدود الجنوبية للقطاع مع مصر، وبدأت بتحويلها إلى منطقة تجارة غير مشروعة، أسمتها "التهريب من خلال الأنفاق". وبينما كانت السلطات المصرية تغض الطرف عن عمليات التهريب، التي كانت تتم في وضح النهار، كنوع من المؤازرة والإسناد للقطاع بعد الحصار الخانق الذي فرضته إسرائيل، وعلى اعتبار أن ما يتم تهريبه من الأنفاق لم يكن يتعدى في البداية، السلع الأساسية، إلى جانب بعض الرفاهيات كأجهزة الكمبيوتر والهواتف الحديثة. ناهيك بإغراق القطاع بكميات كبيرة من الأقراص المخدرة، التي انتشرت كالنار في الهشيم بين سكان القطاع، على اعتبار أنها إحدى وسائل الهروب العابر من الواقع الصعب داخل القطاع.

image5_________-________

"الكذاب خرب بيت الطماع"

مع اتجاه الأحداث إلى نحو سيىء، بدأت الأمور تتطور، حتى أصبح أكثر من نصف سكان القطاع يشغلون أموالهم في "تجارة الأنفاق"، التي انتقلت إلى مرحلة التجارة بمئات الملايين من الدولارات.

يقول المواطن سعيد ز: "بداية عام 2008، كانت تجارة الأنفاق مزدهرة بشكل كبير. كنت أمتلك سيارة أعمل عليها كسائق. وبعد إلحاح من بعض الأصدقاء الذين دخلوا في تلك التجارة وجنوا منها آلاف الدولارات، قررت بيع السيارة ووضع ثمنها في تلك التجارة، التي كانت ستوفر لي دخلاً جيداً دون أي عناء".

ويضيف سعيد: "بالفعل قمت ببيع السيارة، ووضعت ثمنها مع أحد التجار. وكان المبلغ 9 آلاف دولار أمريكي، واتفقنا على 500 دولار مكاسب شهرية على أصل المبلغ، الذي من الممكن أن أسترده في أي وقت. مضى الشهر الأول وتلقيت المبلغ المتفق عليه، والشهر الثاني والثالث. في الشهر الرابع بدأت المماطلة بدفع الأرباح، حتى وصلنا إلى قناعة تامة بأننا تورطنا في قضية نصب كبيرة".

ويوضح: "بدأت الأمور تتضح أكثر، واكتشفنا المزيد من الخبايا، حتى بدأت الحرب الإسرائيلية على غزة نهاية عام 2008، وبعد انتهاء الحرب اكتشفنا أن أكثر من نصف سكان القطاع ضحية عملية النصب هذه. وكانت الحصيلة مبالغ خيالية، والمسؤول الأول والأخير مجموعة من الصغار الذين كانوا يتصدرون المشهد، لتغطية أسماء كبيرة لم يتم تقديمهم للحساب حتى اللحظة".

أقوال جاهزة

شارك غردكيف خسر الغزاويون ملايين الدولارات في "بورصة الأنفاق" من دون أن يحاسب أحد...

شارك غردنصف سكان قطاع غزة شغلوا أموالهم في "تجارة الأنفاق" وخرجوا خاسرين... باستثناء المافيات التي تحكمت بمفاصل هذه التجارة

بعد انتهاء الحرب أصبح هناك أنفاق بأحجام كبيرة، لتهريب السيارات والأجهزة التي تعتبر كبيرة الحجم. وعاود الناس الكرة ثانية، والجميع أملوا في تلقي أرباح بشكل أكبر من السابق. حتى الفقراء لم يسلموا من تلك التجارة، فمنهم من باع منزله على أمل الحصول على مكاسب كبيرة، تمكنه من شراء منزل أفضل. ومع مجيء موسم جني الأرباح مطلع كل شهر، كان عدد المضاربين في "بورصة الأنفاق" يزداد.

"كنز في أسفل المنزل"

image2_________-________

يقوم الباحثون عن الآثار والذهب عادةً بالحفر والتنقيب في المناطق التي يعلمون جيداً أنها تحتوي على ما يصبون إليه. لكن أن تحفر الأرض وتجني ملايين الدولارات، كانت سمة جديدة انتشرت في قطاع غزة.

أحمد: شايف الراجل اللي راكب السيارة المرسيدس السمرا؟

علي: شو مالوا؟

أحمد: من حوالي عشر سنين كان بيشتغل يبيع «فول نابت» بالشوارع

علي: وشو حكايته، كيف صار غني وراكب سيارة مفيش زيها في غزة؟

أحمد: الأنفاق!

حوار دار بين الصديقين أحمد الصاوي وعلي المجدلاوي، وهما يجلسان في إحدى المقاهي الشعبية جنوب قطاع غزة، حين شاهد أحمد أحد جيرانه القدامى في سيارة فارهة، رغم أنه وعائلته كانوا يعيشون في فقر مدقع. عندما بدأت «تجارة الأنفاق»، وبحكم موقع منزلهم المتهالك عند الحدود بين مصر وقطاع غزة، اتفقوا مع أحد التجار على أن يتم حفر عين النفق داخل منزلهم، مقابل نسبة كبيرة من الأرباح، حولتهم من عائلة فقيرة إلى إحدى العائلات التي ذاع صيتها بالثراء الفاحش في القطاع.

مَن الأفضل "حكومة أنفاق... أو حكومة نفاق"؟

ذاع هذا المصطلح في قطاع غزة بعد نهاية الحرب الإسرائيلية عام 2008، ففي إطار التراشق الإعلامي بين حركتي "حماس" و"فتح"، اتهمت الأخيرة حماس، بأنها "حكومة أنفاق"، دمرت الاقتصاد الفلسطيني بشكل كلي من خلال عمليات "غسيل الأموال" التي كانت تقوم بها عبر "تجارة الأنفاق". الأمر الذي أدى إلى سحب العديد من التوكيلات العالمية من الفلسطينيين في القطاع، وساهم أيضاً في تدمير البنية التحتية للاقتصاد المدمر أصلاً، إلى جانب أن تلك الأنفاق أغرقت القطاع بأنواع لا حصر لها من الحبوب المخدرة، التي لجأ إليها السكان بسبب رخص ثمنها وسرعة تعاطيها، في محاولة للهروب من الواقع المأسوي الذي يعيشه السكان هناك. كما استخدمت الأنفاق كوسيلة لمغادرة القطاع أو الدخول إليه بطريقة غير شرعية، خصوصاً مع إغلاق معبر رفح بشكل مستمر. فالمعبر محكوم باتفاقية تم توقيعها بين الجانبين المصري والفلسطيني، وعندما تم خرق هذه الاتفاقية، أغلقت مصر المعبر، مكتفيةً بفتحه على فترات متباعدة لدخول الطلاب والحالات الإنسانية.

وفي مهرجان أقيم خصيصاً لإعلان حركة "حماس" "انتصارها" على إسرائيل في الحرب، قال القيادي البارز في حركة "حماس" إسماعيل هنية، جملته الشهيرة: "حكومة أنفاق... أفضل من حكومة نفاق".

إنهاء العملية بأكبر قدر من الخسائر

image6_________-________

مع بدء الحرب الإسرائيلية الثانية على القطاع عام 2012، باتت "تجارة الأنفاق" مفضوحة بشكل كبير، فعدد قليل من الناس جنى أرباحاً طائلة، وعدد كبير خسر أملاكه. وفي محاولة من "حماس" لوضع حد للشائعات، حملت مسؤولية عملية النصب هذه، التي كانت حصيلتها أكثر من مليار دولار، لبعض الأشخاص، مع وعود بإعادة المبالغ المالية التي تم أخذها من الناس.

وبعد تشكيل لجان تحقيق، والكثير من عمليات الشد والجذب، وصلت "حماس" إلى حل قد يضع حداً لحالة الجدل القائم، فقررت إعادة 10% من أصل المبلغ الذي وضعه أي شخص. ما يعني أن الشخص الذي وضع مبلغاً يقدر بـ10 آلاف دولار، سيحصل على ألف دولار فقط، ويوقع على ورقة بأنه حصل على مستحقاته، فلا يعود من حقه المطالبة بالمزيد.

بعد ذلك تم تحويل المنطقة الحدودية بين مصر وغزة إلى منطقة عسكرية مغلقة، يسيطر عليها الجناح المسلح لحركة "حماس"، إلى جانب بعض التنظيمات المسلحة الأخرى، التي لها مصالح في تلك المنطقة. خصوصاً بعد أن بات عمل الأنفاق الآن مقتصراً على تهريب بضائع معينة، كالسولار والبنزين والأسمنت والمخدرات والأسلحة. ولكن يتم ذلك بشكل خفي، خصوصاً أن الجانب المصري يشن حملة شرسة ضد تلك المنطقة، التي باتت تؤثر بشكل سلبي على الأمن القومي المصري، في ظل الحرب التي يشنها الجيش على الإرهاب في سيناء.

صحفي فلسطيني يعيش في القاهرة.

كلمات مفتاحية
غزة فلسطين

التعليقات

المقال التالي