"بارانويا": مرض الشعوب والأنظمة العربية

"بارانويا": مرض الشعوب والأنظمة العربية

هناك من يضطهدني  ويتصيد لي الأخطاء... هناك من يضع الكاميرات لي في الحمام ليصورني عارية... هناك من يريد وضع السم لي في الطعام... هناك من يخطط للقضاء على العرب والإسلام... كلها توقعات تخضع لـ"نظرية المؤامرة"، التي يؤمن بها الكثيرون في العالم العربي.

ويفرق علم النفس بين المؤامرة الحقيقية، التي يكون لها دليل على أرض الواقع، ونظرية المؤامرة، التي يلجأ إليها البعض، سواء لأسباب نفسية أو سياسية.

شماعة للأخطاء

يقول الدكتور سعيد عبد العظيم، أستاذ الطب النفسي في كلية طب قصر العيني بجامعة القاهرة، لرصيف22، إن طبيعة الإنسان هي التي تقوده للإيمان بنظرية المؤامرة. ويضيف: “لا تقبل طبيعة الإنسان اتهامه بالخطأ، لذلك عند فشله في أي شيء، أول ما يقوله هو "أنا غير مخطئ". ويلجأ لتبرير الأمر ملقياً الاتهامات على من حوله، مثل الموظف الذي يلقي الاتهامات دائماً على رئيسه في العمل، ويتهمه باضطهاده عند حدوث أي مشكلة. وهو ما يعرف في علم النفس بـ"الإسقاط"، وهذا النوع لا يرقى لأن يصبح مرضاً نفسياً.

الشعور بالقلق

تؤكد أستاذة علم النفس في المركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية، الدكتورة سوسن فايد لرصيف22 أن عدداً من الدراسات النفسية أثبتت وجود علاقة بين القلق والاعتقاد بوجود مؤامرة خارجية. فشعور الشخص بالقلق يولد لديه شعوراً بالتخوف من الآخرين.

وتوضح فايد أن ذلك النوع من القلق يرتبط دائماً بالأحداث المؤسفة في حياة الإنسان، مثلاً إذا تعرض الموظف لحادث، يخشى من تآمر زملائه ضده لأخذ مكانه في العمل، أو إذا مرض شخص، يخشى أن يتآمر البعض ضده لإقناع زوجته بتركه. وتضيف: "يلجأ بعض الأشخاص أيضاً لنظرية المؤامرة بسبب رغبتهم في إراحة أنفسهم من الغموض حول تفسير أحداث معينة، فالغموض يثير قلقهم.

أقوال جاهزة

شارك غردهناك من يضع الكاميرات لي في الحمام.. هناك من يخطط للقضاء على العرب والإسلام.. هناك من يتصيد لي الأخطاء.. نظرية المؤامرة عربياً

شارك غردكيف يفسر علماء النفس الميل إلى البارانويا وعمق التعلق بنظرية المؤامرة لدى العرب؟

الشك القهري

أما الشخصية التي تفتقد الثقة في الآخرين، فتصل لدرجة تسمى بالشك القهري. وبحسب علم النفس، يكون الشخص معظم الوقت مشككاً في مَن حوله، وحذراً جداً مع المقربين منه بسبب إحساسه بعدم الولاء من الآخرين، وتخيله أنهم يتآمرون ضده.

وتقول فايد إن حالات كثيرة من الطلاق تقع نتيجة لذلك السبب. إذ يسيطر على الزوج إحساس وهمي بالشك في تآمر الزوجة ضده، ويتخيل رغبتها في التخلص منه، لكي تنعم بالحياة مع شخص آخر سواه.

الاكتئاب والبهجة

وتضيف فايد أن هناك بعض الأشخاص الذين يعانون الاكتئاب، فيتوهمون أن الآخرين يضطهدونهم أو يتآمرون ضدهم. في هذه الحالة، يقلل المريض من شأنه، ويشعر أنه يستحق العقاب أو الاضطهاد من الجميع، وذلك مثلاً عندما يكون الاكتئاب نتيجة تقصير أو فشل في العمل. في المقابل، يشعر بعض الأشخاص بالاضطهاد والتآمر ضدهم خلال أوقات سعادتهم، وذلك بسبب شعورهم بغيرة الآخرين.

عدم الإيمان بالصدفة

وتقول فايد إن بعض الأشخاص لا يؤمنون بالصدفة، وحين يقع حدث ما بالصدفة، يفسرونه بطريقة تآمرية، عقب محاولتهم ربط الأحداث بعضها ببعض. مثلاً إذا عامل المدير الشخص يوماً بطريقة سيئة، فقد يتوقع أن زملاءه أحدثوا وقيعة بينهما، في الوقت الذي من الممكن أن يكون المدير في هذا  اليوم، يعاني من سوء المزاج لا أكثر.

الشعور بالعظمة

وبحسب علم النفس، هناك أشخاص لديهم شعور كبير بالعظمة، وهو ما يطلق عليه "جنون العظمة". هذا النوع من الشخصيات يتملكه وهم الاضطهاد من الغير، لدرجة تجعله يتخيل أشياء غريبة لا تمت للواقع بصلة، وهو ما يطلق عليه مرض الـ"بارانويا".

ويوضح الدكتور سعيد عبد العظيم، أن الشخصية المريضة بـ"البارانويا"، تتخيل أنها مهمة جداً، لدرجة أنها  قد ترى في نفسها القدرة على حكم العالم. ويستشهد عبد العظيم بحالات تولى علاجها، فهناك من كان يخشى تناول الطعام في أماكن خارج منزله، خوفاً من أن يدس أحدهم السم له في الطعام، أو من يتخيل مراقبته من قبل أجهزة مخابراتية.

المخدرات

ومن الأسباب التي تسبب الشعور بالمؤامرة، إدمان المواد المخدرة كالحشيش والترامادول، يقول الدكتور عبد العظيم.

أما عن كيفية معالجة حالات البارانويا، فيتم إيداع الأشخاص الذين يعانون من الاعتقاد بوجود مؤامرات ضدهم، في المستشفى لتلقي العلاج النفسي، إلى جانب الأدوية. أما في الحالات العادية، فيتم علاجهم نفسياً عن طريق جلسات علاج نفسي، تعتمد على تعزيز ثقة الشخص بنفسه، والقضاء على الأفكار السلبية التي تحاصره.

ترويج الأنظمة السياسية لنظرية المؤامرة

نظرية المؤامرة لا تتوقف فقط على الأشخاص العاديين، ولكن يتّبعها عدد من الأنظمة السياسية. وهو ما يفسره الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي في الجامعة الأمريكية لرصيف22. يعتبر صادق أن الأنظمة التي تهوى تبرير فشلها، والتهرب من مسؤولياتها، تلجأ لنظرية المؤامرة، مشيراً في الوقت نفسه إلى أنه يجب التفرقة بين نظرية المؤامرة التي تستند لمجرد كلام مرسل، والمؤامرة الحقيقة المستمدة من دلائل موجودة على أرض الواقع.

ويوضح صادق أن الأنظمة السياسية التي تلجأ لنظرية المؤامرة يكون هدفها قمع الشعوب. مشيراً إلى أنه في مصر لجأ النظام السياسي دائماً للترويج لوجود مؤامرات من عدة دول، مثل قطر وتركيا وأمريكا وأوروبا. ففكرة الترويج لنظرية المؤامرة سهلة للنظام الحاكم، إذ اعتاد العديد من المواطنين العاديين تصديق تلك الأمور، دون أدنى نوع من التشكيك، بسبب الجهل السياسي.

ويضيف صادق أن الترويج لنظرية المؤامرة يسبب ضرراً للبلاد، فبدلاً من التركيز على مشكلات البلد وحلها، يتم تبرير أي فشل بسبب "شماعة المؤامرة"، لذلك لا يمكن حدوث أي تقدم. لذا يعتبر صادق أن "العرب هم من يتآمرون على أنفسهم".

رأي رجال الدين بالتآمر العالمي على الإسلام

يقول الدكتور محمد أبو ليلة، أستاذ الدراسات الإسلامية باللغة الإنجليزية في جامعة الأزهر، وعضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية لرصيف22، إن المسلمين يلجأون إلى نظرية المؤامرة، لدرجة تحويلها إلى شماعة، يعلقون عليها تخلفهم وتكاسلهم وتفرقهم، والفشل الذي هم سبب فيه. مستشهداً بقوله تعالى: "مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِك".َ

ويؤكد أستاذ الفقه المقارن في كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، الدكتور سعد الدين الهلالي أن المؤامرة تحدث فقط نتيجة تقسيم العرب إلى طوائف، مثل داعش وجبهة أنصار السنة، والجبهة الشرعية وغيرها من الجماعات. وهو الأمر المسؤول عنه المسلمون أنفسهم، إذ يعتقد بعض المسلمين أنهم حارسون للدين، بالرغم من كون الدين لله فقط، فيلجأون لتشكيل جماعات باسم الدين، ثم يعاودون ويعلقون مشكلاتهم على نظرية المؤامرة.

التعليقات

المقال التالي