لماذا يجب أن نتوقّف عن استعمال مصطلح "حادث سير"؟

لماذا يجب أن نتوقّف عن استعمال مصطلح "حادث سير"؟

للوهلة الأولى، يوحي مصطلح "حادث سير" أو Traffic Accident بأنه يصف ظاهرة خارجة عن السيطرة، وغير قابلة للوقاية أو تجنّبها، ونتائجها حتمية، ومرتبطة بالحظ أو القدر. أمّا الحقيقة، فهي عكس ذلك كلياً، ويكاد يكون مصطلح "حادث" من أكثر الكلمات الشائعة المستعملة بشكل خاطىء.

قبل الثورة العمالية، في بدايات القرن الماضي، حرص أصحاب المصانع والرأسماليون على وصف الإصابات Injuries، التي يتعرّض لها العمال بشكل شبه يومي أثناء العمل، على أنها حوادث Accidents تهرّباً من أي محاولة لتحميلهم المسؤولية القانونية، لجهة تكاليف العلاج أو التعويض، أو حتى إجبارهم على تحسين شروط العمل.

وقبل ستينيات القرن الماضي، أي قبل إصدار قوانين المرور الأولى في البلدان الأوروبية، وفي الولايات المتحدة الأمريكية، كانت الصدامات القاتلة Fatal Crashes التي يتعرض لها المخمورون، توصف بأنها حوادث، وأحياناً كثيرة تلصق بالـ"قدر".

كذلك في قطاع النقل الجوي، تتحطّم الطائرات وتصطدم بالأرض، وهي بالمفهوم التقليدي، تتعرض لحوادث، ولكنها في الحقيقة تتعرض للـ"تحطّم" أو Crash.

الإشكالية إذاً هي في الخيار بين استعمال مصطلح "حادث" بمعنى Accident أو مصطلح "صدام" بمعنى Crash، علماً أن المصطلحين يعبران عن "حادثة"، بمعنى Incident. بالنسبة إلى خبراء السلامة المرورية، أي من المصطلحين إذا اقترن مع شرح له، لا يضرّ بالمضمون العلمي بقدر استعماله منفرداً من دون أي تنسيب. كأن نكتفي بالقول: تعرّض فلان لـ"حادث"، بينما من المفضّل القول: "ارتكب فلان حادثاً". حتى القارىء أو المستمع غير الخبير في اللغة العربية، يتحرك لديه شعوران مختلفان بين قراءة أو سماع كلمة "تعرّض"، التي تقتضي التعاطف ونفي المسؤولية، وبين قراءة أو سماع كلمة "ارتكب"، التي تفترض وجود فعل خاطىء يستدعي المسؤولية. فإذا ترافق الوصف مع ما يشرح هذه "الحادثة"، فلا ضرر مفاهيمي، ولكن الضرر يقع حول تنسيب هذه "الحادثة" أو  The Incident إلى ما يتعارف عليه بالـ"حادث" أو The accident.

ألا نسمع ونقرأ يومياً خبراً صحفياً يزعم "استشهاد" أحد مستعملي الطريق في "حادث" سير؟ الفارق واضح في المفهوم والنية من الخبر، إذا صيغ كالتالي: "إصابة/وفاة شخص بعد تعرضه لحادثة صدم على طريق..."، وبين صياغته كالتالي: "مصرع أب دهساً في طريقه إلى عمله". يضاف إلى ذلك استعطاف الرأي العام للفت الانتباه إلى الخبر دون هدف، والتحليلات الصحفية التي غالبيتها تأتي سطحية وخاطئة، وتوجه الموضوع نحو أماكن، أحياناً تكون سياسية، وأحياناً أخرى هاوية وشعبية.

فيستخدم الإعلام كلمات ومصطلحات من نوع "شهيد" أو "خطفته الطرقات" أو "بعد بكير"، أو "لم يمهله القدر"، أو "كان شبح الموت بانتظاره". هل أصبحت صدامات الطرق مادة للجذب الإعلامي وحقن العواطف، دون الإضاءة على المشاكل الاجتماعية والصحية والاقتصادية والإدارية والإنمائية والتعليمية/التربوية، الكامنة وراء هذه الصدامات والعوامل التي ترافقها، أو دون البحث عن الحلول، وتحميل الجهات المعنية المسؤولية الحقيقية، سواء المسؤولية الإدارية (الإهمال والتقصير) أو الجزائية (السجن والغرامة) أو المدنية (تعويضات وغيرها)؟

أقوال جاهزة

شارك غرد"شهيد"، "خطفته الطرقات"، "كان شبح الموت بانتظاره"... اللغة ليست أمراً ثانوياً عند الحديث عن الصدامات المرورية

شارك غردالهدف الأساسي من إلغاء استعمال مصطلح حادث هو التأكيد أن الصدامات المرورية قابلة للوقاية، وليست "حادثاً" يتحكم به الحظ أو القدر

لماذا نستخدم عبارات تحيد المسؤولية عن المتورطين، سواء كانوا سائقين أو ركاباً أو مشاة، أو حتى موظفين مسؤولين أو غيرهم؟ ولماذا نستعمل مصطلحات كـ"انحرفت السيارة" و"خرجت عن السيطرة"، و"تفاجأ السائق" وسواها؟ ونعتبر دوماً أن "سيارة صدمته وأردته قتيلاً"؟ لا "سائقاً أرداه قتيلاً". هل تدفعنا عدم رغبتنا بتحميل المسؤولية للمقربين منا ولأنفسنا، إلى تفادي تسمية الأمور بأسمائها، وبالتالي، لا إرادياً، عدم الوصول إلى الحلول المناسبة؟ فمن المؤكد أنه ليس بحادث، أن يقرر السائق القيادة تحت تأثير الكحول أو استعمال الهاتف وراء المقود أو مخالفة القوانين المرعية.

اللغة ليست أمراً ثانوياً

تغيير اللغة والمصطلحات ليس بالأمر الثانوي، بل هو مفتاح تغيير الثقافة والنظرة والانطباع. إن وصفنا للعنف الذي يحصل على الطرقات بطريقة هادفة وصحيحة، أمر حيوي وضروري، خصوصاً من قبل الإعلام والإعلاميين، والإدارات الرسمية من شرطة ومحاكم وغيرهما.

الهدف الأساس من إلغاء استعمال مصطلح "حادث" أو عدم استعماله لوصف العنف الطرقي، هو التأكيد أن الصدامات المرورية قابلة للوقاية، وليست "حادثاً" يتحكم به القدر والظروف الغامضة.

عند حصول أي "حادثة" في مجال النقل الجوي ينتج عنها تحطم طائرة، نلاحظ أن التقارير والتحليلات تركز على توضيح العوامل البشرية والميكانيكية، التي ساهمت أو أدت إلى التحطم والأضرار. يبحث المعنيون أشهراً عن الصندوق الأسود، ليحاولوا تحديد ما الذي حصل، وتعريف الخطأ أو الخلل، وتجنب تكراره، تأكيداً على المنطق التالي: لو لم يحدث خلل في مكان ما لما حصلت "الحادثة". لماذا لا ننظر إلى الصدامات المرورية بالطريقة نفسها؟

جميعنا نعي أن القيادة نشاط خطر، ربما أكثر نشاط خطورة يمارسه الشخص في حياته. جميعنا نعرف جيداً أنه في كل مرة ندير محرك مركبتنا، فإنّنا نطلق العنان لماكينة ينتج عنها طاقة، لا يمكن للجسم البشري تحملها إذا تعرّض لها. بالرغم من ذلك، فمعظمنا لا يملك الخيار لاستعمال وسيلة أخرى للتنقل، وعليه، نقبل بمخاطر احتمال تعرضنا لهذه القوة كضريبة.

"الحوادث" ستحصل حتماً، لكن عندما نراها ونتعامل معها على أنها صدامات، لا شك أنه يمكن التحكم بنتائجها على مستوى الإصابات الناتجة عنها، والأضرار على حد سواء. وتسويق مبدأ المحاسبة والمقاربات المبنية على الدليل العلمي، وليس الافتراضات، هو الهدف.

يجب على وسائل الإعلام والشرطة والجمعيات، وجميع المعنيين، اعتماد مصطلح صدام مروري، بدلاً من حادث سير، فالأول مصطلح بنّاء و"حيادي"، أي لا يحسم مسبقاً الأسباب والحيثيات.

تشير الإحصاءات في لبنان والعالم، وتحديداً تلك الصادرة عن منظمة الصحة العالمية، والإدارة الوطنية لسلامة الطرق في الولايات المتحدة الأميريكية، إلى أن 6% من الصدامات المرورية سببها الأعطال الميكانيكية. إذاً الـ94% المتبقية من الصدامات المرورية، تتوزع على عوامل وظروف يدخل فيها الخطأ البشري عاملاً أساسياً.

وقامت ولاية نيفادا بتعديل قانوني بتاريخ 1 كانون الثاني الماضي، لاستبدال كلمة "حادث" بـ"صدام" في كل الأماكن التي ذكرت فيها. كذلك فعلت ولايتا سان فرانسيسكو ونيويورك، عندما تبنيا خطة الرؤية صفر عام 2014، مستندتين على مبدأ أن الصدام المروري ليس حادثاً.

بالتأكيد، قد لا يلقى تغيير المصطلح من "حادث" إلى "صدام"، الترحاب من قبل العديد من صانعي المركبات، أو شركات التأمين، أو حتى المحاكم الناظرة بقضايا التعويضات والمسؤوليات، كون هذا التغيير سيفرض ثقافة جديدة في التعاطي مع أي "حادثة" في الطريق، وقد يرتب عليه أعباء مالية وموجبات، الجميع بغنى عنها.

وفي السياق نفسه، يتضرر السائقون أيضاً من هذا التغيير، فكلمة "حادث" تعطي انطباعاً وكأن "الحادثة" حصلت دون أي خطأ، ولم تنتج عن مخالفة قانونية أو تقصير، وبالتالي لن يلام عليها أحد ولا تتحمل مسؤوليتها أي جهة. ولكن هل القيادة تحت تأثير الكحول أو القيادة بسرعة 120 كلم/الساعة في طريق مأهولة، أو إرسال الرسائل النصية من قبل السائق، تعتبر أفعالاً غير مخطط لها؟ وما يمكن أن ينتج عنها من "صدامات مرورية" يعتبر حدثاً اعتراضياً؟ وهل تنتفي هنا النية والقصد؟ ألا يعتبر أخذ المخاطر والقبول بها قصداً احتمالياً؟

لا شك أن النقاش اللغوي شيء، وآثاره القانونية شيء آخر، لكن المؤكد أن القانون والفقه الجزائيين، لم يعودا يكتفيان بالنية المباشرة فقط لتكوين المسؤولية، بل توسعا ليشملا الإهمال والتقصير وركب المخاطر.

ميشال مطران

النقيب ميشال مطران هو مساعد أمين سر المجلس الوطني للسلامة المرورية في لبنان.

التعليقات

المقال التالي