رازق فرانسوا بيطار: حينما تتحدّث الأوبرا عربية حلبية

رازق فرانسوا بيطار: حينما تتحدّث الأوبرا عربية حلبية

آتياً من شوارع حلب العتيقة، يمدّ جناحي صوته الذي يخطف عبق أزقتها الحميمة، وأسواقها الضاجّة بالحياة والموسيقى. صوت رازق فرانسوا بيطار يصدح في عالم يفور بجنونه وعبثيّة حروبه. ولأن العقل في عالم الجنون جنون، قرّر بيطار الذي وُلد عام 1978 أن يتسلّح بالفن، ويلوذ بجنونه متخذاً منه طوق نجاة. ولأن مارد الأوركسترا بأبواقها وأوتارها وناياتها يدب فيه منذ الطفولة الأولى، وجد نفسه يهيم في عالم الأوبرا، يفكّ شفراته الإيطالية بأبجديته العربية.

أول "كونترتينور" في سوريا والشرق الأوسط

أهم ما يتميز به بيطار، هو أنه أول مغني أوبرا كونترتينور في سوريا والشرق الأوسط. والكونترتينور، هي طبقة صوتية نادرة، كانت منتشرة بشكل كبير في عصر الباروك (الممتد من سنة 1600 حتى سنة 1750). وأهم ما كان يميز الموسيقى الباروكية، هو تعدد الأصوات البشرية التي تتفاعل بعضها مع بعض أثناء الغناء، بالإضافة إلى قوالبها الإنشائية مثل سوناتا وكونشيرتو وفوغا.

بالرغم أن البعض قد يعتقد أن أهم ما يميز بيطار هو طبقة صوته، وتقنياته التي جعلته يتجاوز مسألة ربط الكونترتينور بالجندر واقتصاره على الإناث، إلا أن ارتفاع بيطار على المعايير والقيود الجندرية، هو جانب واحد من جوانب تفرّده. فهو من الموهوبين القادرين على رسم خط وأسلوب مختلف يميزهم عن غيرهم، ويجعل أعمالهم بصمة تضيف وتُثري المشهد الفني. وبذلك، يكون قد وصل إلى مرتبة الفنان الحقيقي، الذي يدرك بشكل واع أو غير واعٍ، الدور الذي يقع على عاتقه في إيصال رسالة الإنسان المظلوم والمهمّش والمقموع. وهو ما يحاول بيطار أن يفعله من خلال رفع الوعي بقضية الشعب السوري، واختزال مأساته ووجعه في حنجرته. فبالرغم من توقفه عن الغناء، بسبب عجزه حيال ما يحصل لأبناء شعبه وأقاربه في حلب، منذ انفجار الأزمة السورية عام 2011، إلا أنه عاد مرة أخرى إلى الغناء وإقامة الحفلات، في سبتمبر 2013، من أجل جمع تبرعات لمساعدة اللاجئين.

بيطار واعٍ بالتحديات التي يواجهها الفن في العالم العربي، خصوصاً فن الأوبرا، الذي يحاول إيصاله إلى الناس، وجعلهم يألفون سماعه منذ الصغر. فينادي بضرورة وضع مناهج موسيقية لطلاب المدارس، يعتمد جزء كبير منها، على الاستماع إلى كل أنواع الموسيقى، لتربية التذوق الموسيقي لديهم في وقت مبكر. ناهيك عن إنشاء مسرح للموسيقى الكلاسيكية في كل مدينة عربية، وكونسرفتوار في كل مدينة كبرى.

'الأوبرا' تتحدث العربية

بيطار، القادم من عاصمة الطرب، لا يرضى بتصنيف فن الأوبرا على أنه فن أوروبي نخبوي، بل يحاول إضفاء الصبغة العربية عليه، لتقريبه إلى آذان المستمعين. من ذلك غناؤه موشح "لما بدا يتثنى" بطريقة أوبرالية تُظهر رؤيته الفنية، التي تتجلى في إلغاء الحدود بين الأنواع الفنية المختلفة، والخلفيات الثقافية التي تأتي منها.

كما أنه يُغني بعض الترانيم الدينية المعروفة بطريقة أوبرالية، كترنيمة "وا حبيبي"، التي غنتها السيدة فيروز، في محاولة لجعل فن الأوبرا أكثر شعبية بالنسبة للجمهور العربي.

الطريق إلى العالمية

كان دور والدة بيطار آمال حموي، جوهرياً في تفجير موهبته، ثم توجيهها وصقلها. يتحدث بيطار مراراً عن إيمان والدته بتفرّد موهبته، واشتغالها على رفد تلك الموهبة من خلال تعزيز ثقافته الموسيقية، وإطلاعه على جميع أنواع الموسيقى والغناء.

هكذا، عكف بيطار الطفل على دراسة البيانو والنظريات الموسيقية حتى حصوله على شهادة الثانوية العامة من حلب. وكان شغفه بالموسيقى الكلاسيكية، والباليه والأوبرا، ملحوظاً منذ البداية. واصل دراسته في دمشق، للتدرب على آلة الأوبوا، في المعهد العربي للموسيقى، معهد صلحي الوادي. وعند عودته إلى حلب، بدأ بدراسة الغناء على يد مغنية الأوبرا الأولى في سوريا السوبرانو أراكس تشيكيجيان، منذ انتسابه للمعهد العالي. وحصل على الإجازة في الموسيقى في الغناء والأورغن في عام 2001.

أقوال جاهزة

شارك غردرازق فرانسوا بيطار، صوت أوبرالي يحمل وجع حلب الجريحة

ولأن الفن يُؤخَذ من منبعه الأول، كان لا بد لبيطار أن يسافر إلى أوروبا، ليصل بموهبته إلى أقصى مداها، ويوسّع أفق صداها. ولأن إيطاليا هي معقل الموسيقى، وموطن الأوبرا، لم تكن الوجهة خياراً، بقدر ما كانت "بُدّاً". هكذا تابع بيطار دراسته الأكاديمية على حسابه الخاص هناك، وحصل على دبلوم في الأوبرا من كونسرفاتوار "باغنيني" في جنوى عام 2003. وكان الاسم الأول ضمن قائمة المقبولين في المعهد العالي للموسيقى في روما "سانتا تشيتشيليا"، أعرق المعاهد أوروبا، لإتمام دراسته العليا على يد نخبة من كبار الموسيقيين، أمثال سيلفيا سيلفيري (ابنة مغني الأوبرا الشهير باولو سيلفيري). وتخرج منه عام 2008 بتقدير ممتاز، ليتوّج موهبته بشهادته الأكاديمية، التي هي أعلى دراسات أكاديمية ممكنة في إيطاليا للغناء الأوبرالي، وبهذا يكون أول سوري يحصل على شهادة مماثلة من كونسرفاتوار روما.

لا شك أن إقامة بيطار في إيطاليا، فتحت له أبواباً كثيرة للمشاركة في المسابقات والمحافل الدولية، وساهمت في وصوله إلى الشهرة العالمية. فحصل على الجائزة الثانية في المسابقة العالمية للموسيقى الدينية الكلاسيكية بروما، بالتنافس مع 86 مغني أوبرا من كافة أنحاء العالم. ولعب دور البطولة في أوبرا أورفيوس ويوربيدس، لكريستوف غلوك، التي افتتحت مهرجان وادي ايتريا في إيطاليا. بتأديته دور أورفيوس. كان بيطار الركن الرئيسي في الأوبرا، التي قُدمَت لأول مرة في العصر الحديث. وأصبح يمثّل إيطاليا في عدة محافل دولية، فغنى منفرداً في ألمانيا وروسيا، وكان أول كونترتينور يغني في دار أوبرا إيكاتيرينبورغ. بالإضافة إلى مشاركته ولعبه دور البطولة في العديد من الأوبرات الشهيرة كأوبرا "ألعاب أكريجنتو" للإيطالي بايسيللو، في أول عرض لها منذ القرن الـ18، و"موت في البندقية"، التي قدمت في أوبرا فينيسيا، وأوبرا "الملك الراعي"، للإيطالي بيتشني في أول تسجيل لها أيضاً منذ القرن الـ18 وغيرها.

الأوبرا من الغرب إلى الشرق

يعرّف أحمد بيومي الأوبرا في القاموس الموسيقي، على أنها "عمل مسرحي غنائي أو مؤلّف درامي غنائي متكامل يعتمد على الموسيقى والغناء، يؤدى الحوار بالغناء بطبقاته ومجموعاته المختلفة". ويقول الدكتور نبيل الأسود أستاذ المعهد العالي للعلوم المسرحية، إن الأوبرا هي "أول جنس موسيقي لديه شهادة ميلاد"، إذ ظهر في إيطاليا عام 1600، حين تشكّلت في فلورنسا جماعة من المؤلفين والشعراء كانوا يسعون إلى إحياء المسرحية اليونانية القديمة، ومعرفة كيفية دمج الإغريق الموسيقى بالتمثيل. وهكذا عُرِضَت مسرحية "يوريدتشي"، التي كتبها الموسيقار الإيطالي بيري، وقُدِمت في احتفالات زواج ملك فرنسا هنري السابع من الأميرة الإيطالية ماريا دي ميدتشي. أما ثاني عمل أوبرالي فكان عام 1607، حين أخرج كلوديو منتفردي عمله الأوبرالي الأول "آريانا".

فن الأوبرا جزء أساسي من الموسيقى الكلاسيكية الغربية، ومرتبط بالطقوس الدينية الكنسية. وكُتبت معظم الأوبرات بالألمانية، والإيطالية، والفرنسية، ثم الإنجليزية، والروسية، والتشيكية، واللاتينية. وهذا ما جعلها بعيدة عن الجمهور العربي، الذي يولي الكلمة أهمية جوهرية، تقود ذائقته الموسيقية. مع هذا، دخل فن الأوبرا، بحسب د. نبيل، إلى العالم العربي مع ولادة المسرح الغنائي العربي بشكله البسيط، على يد أبي خليل القباني في القرن الـ19، إلا أن الأوبريت كان مثار اهتمام المسرحيين العرب أكثر من الأوبرا.

رازق بيطار لم يكتف بالموهبة، لكنه جسّد الدأب والمثابرة في عمله على صقل موهبته، ورَفدها بالعلم والتجربة. وهو واعٍ بأهمية تحدثه لغة "الآخر"، ليصل إلى الشعوب الأخرى، فيتمكن من خلال صوته، إيصال صوت شعبه المتألم. تسمعه فلا تستطيع أن تحدد إن كان الصوت صوت أنثى أو ذكر، وكأنه بذلك يرمي بعرض الحائط، كل الأحكام المسبقة والمعايير التقليدية، التي تضع الصوت في قوالب فنية وجِندرية وتصنيفات جاهزة. فبيطار يكسر الصورة النمطية لمغني الأوبرا، ليؤكد أن الصوت القادر على تجاوز أسوار الحدود، وحواجز اللغة، بقامة إحساسه، هو الأهم والأبقى.

هبة البيتي

كاتبة وصحفية ومدوّنة سعودية مقيمة في لندن، لها إسهامات في الكثير من المطبوعات السعودية الهامة كصحيفة عكاظ والوطن وغيرها. حاصلة على درجة الماجستير في الدراسات الإنسانية من جامعة ميريماونت بولاية فيرجينيا الأميركية. وتعمل حاليا على رسالة الدكتوراة حول المسرح العربي في كلية الدراسات الشرقية والإفريقية بجامعة لندن.

التعليقات

المقال التالي