همهمات خافتة تتقاطع مع أصوات القذائف.. الجنس يضج بالحياة في غزة

همهمات خافتة تتقاطع مع أصوات القذائف.. الجنس يضج بالحياة في غزة

الفقر، البطالة، الحروب المتتالية، الحصار الإسرائيلي، الواقع الاجتماعي الصعب، انهيار فرص إقامة الدولة وإنهاء الاحتلال... رغم كل هذه الظروف، يواصل السكان في غزة، البقعة الأكثر اكتظاظاً في العالم، تسجيل نسبة كبيرة من المواليد الجدد. فقد أفصحت وزارة الصحة الفلسطينية في آخر إحصائية أصدرتها في 10 أكتوبر أن طفلاً يولد كل عشر دقائق في القطاع.

لكن، كيف يمكن لشعب يعاني من مثل هذه الظروف، التي تعتبر استثنائية، وقد تحول دون إتمام اللقاء العاطفي بين أي شريكين، أن يثمر هذا الكم من المواليد؟ وكيف تكون طبيعة العلاقات الجنسية في ظل كل التعقيدات التي تولدها الحرب، لا سيما فقدان الخصوصية.

سامح.هـ، رجل أربعيني يقيم في مدرسة تابعة للأمم المتحدة بعد أن هدمت الطائرات الإسرائيلية منزله خلال الحرب، يقول لرصيف22: "خلال فترة وجودنا في المدرسة الكثير من الناس يحاولون مساعدة بعضهم بعضاً، وفي إطار الخلوة بين أي شريكين تتم المساعدة من خلال توفير الأجواء المناسبة لذلك".

ويضيف سامح، الذي رفض الكشف عن اسمه كاملاً بسبب حساسية الحديث في الموضوع، "الجميع هنا متفهم لطبيعة الظروف التي نعيشها، وهذا أمر يثير الغرابة، فكلمة جنس في المجتمع الفلسطيني تعني عيباً كبيراً، وغالباً يتم الابتعاد عن التصريح بها بشكل علني. ولكن إذا شعرنا أن هناك شخصاً ما يريد الاختلاء بشريكته نقوم بتهيئة الظروف الملائمة، كأن يبتعد الجميع عن الفصل الذي يجلسون فيه، خصوصاً الأطفال الذين نحاول الانتباه لهم قدر الإمكان، حتى تنتهي تلك اللحظات التي كثيراً ما كانت تستمر نحو عشر دقائق لا أكثر".

وبسؤاله عن مدى إمكانية وصول الطرفين إلى حالة من الرضا عن تلك العلاقة المسروقة في ظل الظروف المحيطة، وفي إطار زمني مقتضب قد لا يكون كافياً في الوضع الطبيعي لإتمام "قبلة فرنسية"، أجاب: "في حياتنا العادية، الجنس أساسي ويحتل من تفكيرنا مساحة كبيرة، لكن على الرغم من تلك الأهمية، لا تأخذ العلاقة الكثير من الوقت، حتى في الظروف الطبيعية، وهذه مشكلة نواجهها، فالجنس مرتبط بين أي شريكين بمرحلة الجماع. والحياء بينهما يفقدهما الكثير من المتعة" وأضاف "إذا تجاوزت الزوجة مع زوجها خلال العلاقة حدود الحياء، قد تنقلب العلاقة إلى لحظات ثقيلة من التوتر والقلق، فالزوج لا يقبل الكثير من التفاصيل التي يعتبر المجتمع أنها خارجة عن إطار الحياء، وعن التقاليد التي نشأنا عليها".

أقوال جاهزة

شارك غرد"أصوات الهمهمات الخافتة التي تتقاطع مع أصوات القذائف، كانت السمة الوحيدة لتعلم أنك في مكان يضج بالحياة"

شارك غرد"كلمة جنس في المجتمع الفلسطيني تعني عيباً كبيراً، ولكن إذا شعرنا أن شخصاً ما يريد الاختلاء بشريكته نهيئ لهما الظروف الملائمة"

تقول الأخصائية النفسية منال أحمد: "في إطار الدراسات، لا يوجد ما يمنع ممارسة الجنس في لحظات الخوف. فالمعروف أن الجزء الخاص بالخوف والقلق في المخ يتوقف عن العمل أثناء ممارسة الجنس، كما تنخفض القدرة على الإحساس بالألم أثناء العملية الجنسية".

وتضيف: "العامل النفسي الذي يحد من الرغبة والقدرة الجنسية خلال فترات الحروب، من الممكن أن ينقلب إلى حالة من الهوس المفرط كنوع من تفريغ الكبت، ومحاولة التخلص من التوتر، إذ يمثل الفعل الجنسي بحيويته وديناميكيته وما يتطلبه من طاقة جسدية، عنصراً من عناصر التنفيس عن الضغط والإحساس بالحميمية والدفء".

وتتابع: "يعبّر الاهتمام بالجنس والانصراف عن ممارسته، عن الصراع بين هواجس البقاء والدفاع عن الذات بكل ما يحمله الجنس من التصاق بالحياة، وبين مظاهر الفناء التي تنذر بها الحروب، وهو تفاعل بين رغبات الحياة وهواجس الموت، وبين الدمار والألم وبين الأمل بسلام وشيك".

في المقابل، يعتبر الحقوقي مصطفى إبراهيم أن "السؤال في هذا الإطار غريب بعض الشيء، لأننا هنا لا نتكلم عن وضع طبيعي للحياة، والتوتر والقلق والخوف من العوامل التي تساهم في إفشال أي علاقة واتصال جنسي، لكن الشعب الفلسطيني معروف عنه أنه قادر على التكيف مع كافة الظروف".

ويضيف إبراهيم لرصيف22: "أثناء فترة الحرب كان جزء كبير من المهجرين يحاولون استغلال أي فرصة، وأي مكان للاختلاء بشريكاتهم. الفلسطينيون اعتادوا المصاعب، وهذا ما حدث أيضاً خلال الانتفاضة الأولى عام 1987 (انتفاضة الحجارة)، خلال فترات حظر التجول والاشتباكات مع قوات الاحتلال".

الموت والجنس جنباً إلى جنب

قد لا تبدو الأجوبة المقدمة مقنعة للكثيرين، فكيف لشخص مهدد بالموت أن يعيش حياته الجنسية بشكل طبيعي، في ظل القذائف الصاروخية التي تتطاير فوقه، والتي من الممكن أن يكون قدره متعلقاً بإحداها.

قبل نحو عامين، خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، تقطعت السبل بالمواطن الفلسطيني ح.ر، بعد أن نزح من منزله الكائن في إحدى مناطق التماس مع إسرائيل، ليقيم مع عائلته في إحدى المدارس. يروي ح.ر تجربته: "وجدت نفسي أنا وعائلتي المكونة من زوجتي وثلاثة أطفال، نعيش في أحد الفصول المدرسية، ومعنا في الفصل نفسه أربع عائلات أخرى. مساحة الفصل 25 متراً، والفواصل بين كل عائلة وأخرى قطعة من القماش المهترئ، في محاولة لستر ما كنا نظن أنها تستره".

ويضيف: "أصوات الهمهمات الخافتة التي تتقاطع مع أصوات القذائف الصاروخية، كانت السمة الوحيدة لتعلم أنك في مكان يضج بالحياة. فليس من الطبيعي أن تكون هذه الأصوات موجودة في ظروف يغلب عليها أصوات البكاء والنحيب".

ويوضح (ح.ر)، الذي رفض الإفصاح عن اسمه أيضاً: "خلال الاحتكاك المباشر بيني وبين النازحين، تعلمت الشيفرة السرية لكل تلك الرغبات. الأمر كان يتم بالتلميح لا بالتصريح، والتنسيق بين من يقيمون في الفصل الدراسي نفسه".

ويتابع وهو ينظر إلى نضال، طفله الذي أكمل عامه الأول منذ بضعة أيام: "زوجتي حملت بنضال بعد شهر من انتهاء الحرب، وبسبب الظروف التي جاء خلالها قررت أن أطلق عليه اسم نضال تيمنّاً بالمناضلين الفلسطينيين الذين كانوا يتصدون للجيش الإسرائيلي بإمكانات بسيطة".

يبلغ عدد سكان قطاع غزة الآن مليونين، يعيشون على مساحة تبلغ 360 كلم، ويعانون من حصار خانق فرضته إسرائيل منذ سيطرة حماس على القطاع بالقوة العسكرية في يونيو 2007. وتعدّ البطالة، يضافة إليها تدهور الأوضاع الإنسانية، إلى جانب آثار منع حرية حركة المواطنين والبضائع، كلها أسباب تزيد من مستويات الفقر المستشري في القطاع، وبالتالي تساهم في الزيادة السكانية التي تهدد "القطاع بالإنفجار"، بحسب الدكتور سمير زقوت منسق وحدة البحث الميداني في مركز الميزان لحقوق الإنسان.

صحفي فلسطيني يعيش في القاهرة.

التعليقات

المقال التالي