لماذا يحمل اليهود المتدينون كل هذا الكره للمسيحيين؟

لماذا يحمل اليهود المتدينون كل هذا الكره للمسيحيين؟

ما نسرده في هذا التقرير يحوي معلومات قد تكون صادمة للسواد الأعظم من المسلمين والمسيحيين على السواء، لكنها بالطبع معروفة لدى اليهود وتشكل جزءاً من عقيدتهم الخاصة بالتعامل مع "الغوييم" أي "الأغيار" وتحديداً المسلمين والمسيحيين.

بن تسيون جوفشتاين بن تسيون جوفشتاين

"نعم يجب حرق الكنائس"، لم يتفوه بها أبو بكر البغدادي زعيم تنظيم داعش الدموي، ولم يأت التصريح على لسان زعيم تنظيم القاعدة الحالي أيمن الظواهري أو الراحل أسامة بن لادن، ولكن أدلى به تحديداً الناشط اليهودي المتطرف "بن تسيون جوفشتاين" مؤسس منظمة "لاهافا" التي تنشط لمنع زواج اليهوديات في إسرائيل من الشبان العرب المسلمين أو المسيحيين، وهي المنظمة التي يصفها البعض بشرطة الآداب اليهودية. وذلك خلال ندوة صيفية أقيمت بإحدى المدارس الدينية "اليشيفوت" بالقدس بحسب تقرير صحيفة "يديعوت أحرونوت" المنشور بتاريخ 5 أغسطس 2015.

"الخبز والسمك"

وقبل بضعة أسابيع من تصريحات الناشط اليهودي المتشدد، تورطت خلية إرهابية يهودية مكونة من 5 أفراد في حرق كنيسة "الخبز والسمك" على ضفاف بحيرة طبريا في 18 يونيو 2015 وكتبت على حائطها عبارات مثل"ولتهدموا الأوثان هدماً".

وبحسب موقع "والا" الإسرائيلي تشكلت الخلية عام 2013، وتسعى لتعجيل الخلاص وفقاً للمنظور اليهودي من خلال استهداف المسيحيين، وسبق لها تنفيذ عملية تخريبية داخل قرية "دير رافات" بالقدس في إبريل 2014. بل إن أعضاء الخلية خططوا لاغتيال بابا الفاتيكان خلال زيارته للقدس في مايو 2014، دون أن يدخل مخططهم حيز التنفيذ.

قد يقول البعض إن تصريح "جوفشتاين"، ونشاط الخلية اليهودية، لا يعبران مطلقاً عن الديانة اليهودية وإنما يمثلان توجهات ومواقف فردية لا يمكن الاعتماد عليها لإصدار أحكام. لكن الحقيقة أن تلك الحوادث مجتمعة تمثل جانباً راسخاً في العقيدة اليهودية ينظر للمسيحيين باعتبارهم عبدة أوثان، بينما - وللمفارقة - يعتبر المسلمين موحدين يجوز الصلاة داخل مساجدهم.

صلاة اليهودي في المسجد "حلال"

سأل أحد الشبان اليهود الحاخام "عوزيئيل إلياهو" على موقع "كيبا" المهتم بإصدار الفتاوى في مختلف القضايا التي تشغل اليهود: هل المسلمون "وثنيون" رغم أنهم ومثل اليهود يؤمنون بالإله الواحد، ولا يأكلون لحم الخنزير، ولا يضعون الصور والتماثيل في مساجدهم، فأجاب الحاخام: "الإسلام ليس وثنية". وهو ما كتبه الحاخام موسى ابن ميمون في رده، وبناء عليه يجوز دخول المسجد لليهود والصلاة بداخله، وهناك معابد هي أيضاً مساجد كمغارة المكفيلة (الحرم الإيراهيمي). لكن في المقابل تُصنف تيارات معينة في المسيحية على أنها وثنية، لذلك يحظر دخول الكنيسة أو حتى الوقوف في ساحتها".

فتوى الحاخام "إلياهو" جسّدها على أرض الواقع "يونا متسجر" الحاخام الأكبر السابق لليهود الغربيين (الأشكيناز) عندما التقى عام 2012 حسن شلغومي إمام مسجد باريس وأبدى استعداده لإلقاء خطبة في المسجد الكبير بالعاصمة الفرنسية. وكشف الحاخام "متسجر" خلال اللقاء أنه سبق وصلى في أحد مساجد كازاخستان التي لا توجد فيها جالية يهودية نشطة ولا معابد.

صحيفة "هآرتس" حاولت في تحقيق لها بتاريخ 17 أبريل 2015 الوقوف على أسباب تفضيل اليهودية الإسلامَ على المسيحية، وقالت إن أشهر المشترعين اليهود في العصور الوسطى الحاخام موسى بن ميمون المعروف بين اليهود بـ"رمبام" ميز الإسلام على المسيحية، لدى تناوله قوانين الأطعمة المحرمة معتبراً أن الإسماعيليين أي العرب "ليسوا مشركين أو عبدة أوثان بل موحدون بالله بشكل لا تشوبه شائبة".

وأفتى الكثير من علماء الدين والحاخامات اليهود بعد ذلك، بينهم "عوفاديا يوسف" الحاخام الأكبر لليهود الشرقيين (السفارديم)، بأنه لا يجوز لليهودي فقط دخول المسجد، بل أيضاً الصلاة فيه، مقابل تحريم كبار المشترعين اليهود زيارة الكنائس بشكل قاطع.

كذلك هناك الكثير من الفتاوى لحاخامات كبار في إسرائيل بتحريم تلقي تبرعات من المسيحي لبناء معبد أو مدرسة دينية وإجازة قبول تبرع المسلم لذلك.

أوجه التلاقي

الصحيفة قالت إن "موقف اليهودية المتسامح مع الإسلام" يمكن رده إلى عدة اعتبارات، أولها اتفاق اليهودية والإسلام حول مسألة ختان الذكور، وإن كانت اليهودية تحدد اليوم الثامن من عمر الطفل لإجرائها، بالإضافة لتحريم أكل الخنزير. لكن أبرز المتشابهات هو تحريم صناعة التماثيل والصور. فكما المعابد، تخلو المساجد أيضاً من التمثيل الرمزي للكائنات الحية، بعكس الكنائس وخاصة الكاثوليكية.

"يا شيطان"

تكفي نظرة واحدة لحال الكهنة والرهبان في القدس لتكشف مدى الاضطهاد اليهودي للمسيحيين، إذ تزايدت خلال السنوات الماضية ظاهرة "البصق" التي يتعرض لها هؤلاء الكهنة من قبل متطرفين يهود، إضافة للشتائم وتحطيم الممتلكات وتدنيس القبور المسيحية وتحطيم شواهدها.

القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي كشفت في تقرير بتاريخ 27 ديسمبر 2013 جانباً من معاناة 550 كاهناً وراهباً في القدس، يتعرضون للبصق والشتم والكتابات العنصرية على الكنائس والأديرة لكنهم يعطون لمهاجميهم "الخد الآخر".

الأب جرجوري كولينس، رئيس أساقفة كنيسة رقاد السيدة العذراء القريبة من السور الجنوبي المحيط بالبلدة القديمة، قال إنه بات يخشى التجول في شوارع القدس ليلاً. وأضاف: "تعقبوني في الشارع وصرخوا في وجهي "يا شيطان".

"في هذه المنطقة واجهت الكثير من الإهانات خلال الفترة الأخيرة، بشكل يفوق ما كان عليه الحال عندما جئت إلى هنا قبل عامين ونصف العام. بصقوا في وجهي أو خلفي من 10-12 مرة على الأقل. في معظم الحالات كانوا فتيانا دينيين". قال الأب كولينس.

وبعيداً عن الهجمات الفردية التي يتعرض لها رجال الدين المسيحي بالقدس، هناك جماعات يهودية منظمة تنفذ عمليات انتقامية تسمى "تاج محير" أو "تدفيع الثمن" تستهدف حتى الأديرة، وتكتب عبارات عنصرية عليها، كـ"المسيحيون قرود" و"الموت للمسيحيين".

كاميرات المراقبة تكشف هؤلاء المخربين وهم يتسللون تحت جنح الظلام إلى مقابر الطائفة الإنجيلية ويحطمون شواهد القبور ويقومون بتدنيسها وكتابة العبارات المسيئة. هؤلاء عادة لا يتم القبض عليهم وسط اتهامات للشرطة الإسرائيلية بالتواطؤ.

لماذا يبصقون؟

ويبصق اليهود المتديّنون ثلاث مرات كلما رأوا صليباً ويتلون من الآية "26" من الإصحاح السابع في سفر التثنية أحد أسفار موسى الخمسة في "التاناخ" أو الكتاب المقدس "ولا تدخل رجسًا إلى بيتك لئلا تكون محرمًا مثله. تستقبحه وتكرهه لأنه محرم" في إشارة إلى الصليب.

الطريف أن ملك بوهيميا تشارلز الرابع حاكم الإمبراطورية الرومانية المقدسة لجأ لإحدى الحيل لدفع اليهود للكف عن البصق على الصليب، فعندما شيد في القرن الرابع عشر، صليباً ضخماً في براغ، أخبره مستشاروه بعادة البصق هذه، ففرض على اليهود كتابة كلمة "أدوناي" (أحد أسماء الإله في اليهودية) على الصليب.

صحافي مصري متخصص في الشؤون الإسرائلية وعضو في نقابة الصحافيين.

التعليقات

المقال التالي