جديد غوانتانامو: أمراض عقلية ونفسية تسببت بها أساليب التعذيب الأمريكية

جديد غوانتانامو: أمراض عقلية ونفسية تسببت بها أساليب التعذيب الأمريكية

خرج الكثير من روايات التعذيب من سراديب سجن غوانتانامو المخيف. لسنوات طويلة، كان الرعب هو السمة التي تلاحق الشهادات التي سجلها معتقلون سابقون أو حاليون في السجن التابع لوكالة الاستخبارات الأميركية. رأى العالم صور البشاعة فيه، لكن يبدو أن تلك البشاعة لم تقتصر على سنوات السجن، بل تتعداها لتعاكس المثل الشائع بأن "الداخل إلى غوانتانامو مفقود، والخارج منه مولود". يظهر تحقيق "نيويورك تايمز" الجديد أن الخارج من غوانتانامو مفقود كذلك، فأساليب التعذيب التي تمارس في السجن، وتحديداً على المتهم بالإرهاب، تترك آثاراً نفسية وعقلية فيه لا يُمحى أثرها مدى الحياة.

تناقض ما نشرته الصحيفة الأمريكية من تفاصيل مؤذية، تلك النظرية التي أقنع بها محامو الحكومة ومسؤولو الاستخبارات أنفسهم عن استخدامهم لأساليب مرعبة في استجواب المعتقلين المتهمين بقضايا إرهاب. كانوا يدركون أن تلك الأساليب تخالف ما سمحت لهم به الإدارة وتعتبر صادمة ومؤلمة كما تناقض صورة الولايات المتحدة في العالم، لكنهم اعتمدوها رغم ذلك، على اعتبار أنها لن تترك أثراً نفسياً على المدى الطويل. بعد 15 عاماً ثبت أنهم كانوا على خطأ.

تطرق الصحيفة باب ناجين كثر من غونتانامو لتسمع شهاداتهم، فيتبين أنهم ناجون بالمعنى الجسدي فحسب، أما عقلهم ففي مكان آخر، لم يعد يرى إلا سواداً ولا يسمع إلا صراخاً. من هذه الشهادات قصة حسين مرفدي الذي يعيش اليوم في سلوفاكيا حيث المستوى المعيشي للفرد جيد جداً. لا يستطيع حسين النوم، يؤرقه الصداع الدائم والكوابيس التي تطارده فيها كلاب متوحشة في زنزانة ضيّقة ومعتمة. أما في كازاخستان، فيشعر لطفي بن علي بأنه يغرق في بئر عميقة، وهذا الشعور يلازمه على الدوام. أما في ليبيا، فصوت الراديو المنبعث من إحدى السيارات التي تمر بجانب مجيد مختار ساسي المغربي كفيل بإثارة جنونه. لم يتصالح مع الموسيقى البتة، فتلك الصاخبة منها كانت أبرز وسائل تعذيب حواسه على يد الاستخبارات الأميركية.

وهناك من يعترفون أنهم لم يعودوا كما كانوا. المغربي يونس شاكوري، وبرغم حياته الهادئة اليوم، يخاف الخروج من المنزل. يرى في الشوارع وجوهاً تطارده تشبه وجوه سجانيه في معتقل غوانتانامو. ويقول "نعم. أعيش هذا النوع من الرعب. أنا لم أعد إنساناً طبيعياً".

الرعب

ارتكز التحقيق على عدد كبير من الحالات، فيما أجرت الصحيفة أكثر من مئة مقابلة شخصية، بعضها مع معتقلين سابقين في عشر دول. كما عمد معدوه مات أبوزو وشيري فينك وجايمس رايسن إلى تدقيق مئات الوثائق، ومنها سجلات المحاكم وتقارير اللجان العسكرية والاختبارات الطبيّة. ومع ذلك يعترفون بأنه من المستحيل نقل الواقع كما هو، فالعشرات من المعتقلين السابقين لم يُعرضوا بعد على أطباء ومحامين، ولذلك لا يمكن الاستناد بشكل نهائي إلى روايتهم عن المعاملة التي تلقوها أثناء الاستجواب.

تعترف الصحيفة بأن تقريرها غير واف، لكن ما أوردته فيه أكثر من كاف للتأكيد أن الولايات المتحدة تركت العشرات من الأشخاص في أزمات عقلية ونفسية حادة. يقول أحد السجناء السابقين "إنه الرعب بعينه، أن يقوم بتعذيبك من يرفض مبدأ التعذيب بالأساس". في معرض آخر، يُذكّر معدو التقرير أن الأعراض التي عاينوها مع الحالات، تشبه تلك التي عاشها الأسرى الأميركيون قبل ذلك بعقود على يد أكثر أنظمة العالم وحشية.

أقوال جاهزة

شارك غردالولايات المتحدة تركت العشرات من الأشخاص في أزمات عقلية ونفسية حادة بوسائل التعذيب التي اعتمدتها

شارك غردروايات التعذيب من سراديب سجن غوانتانامو المخيف وكيف حولت العشرات إلى مرضى عقليين ونفسيين

ولمزيد من الأسى فإن هذه الروايات تشمل أشخاصاً اعتُقلوا على سبيل الخطأ، نتيجة اشتباه في الهوية، وآخرين بسبب أدلة واهية تبرأت منها الولايات المتحدة لاحقاً. بين هؤلاء أيضاً، ثمة جنود صغار السن كانوا مع "طالبان" أو "القاعدة" لكن تبيّن أنهم لم يكونوا يشكلون أي تهديد يذكر. هؤلاء وُضعوا في الخانة نفسها مع من صُنّفوا بأعتى الإرهابيين، ومن بينهم من اتُهم بالتورط بأحداث 11 أيلول أو تفجير المدمرة الأميركية "كول" في العام 2000. في مطلق الأحوال، يُظهر تحقيق "نيويورك تايمز" أن الحالة العقلية للعديد من الحالات قد عقّدت محاولات تقديمهم للعدالة.

Guantanamo_AFP

ذهان واكتئاب... وجنون عظمة

منذ مدة، خرج المرشح الجمهوري دونالد ترامب ليطالب باستعادة أساليب التعذيب القديمة، وقد ظهر أنه معجب بـ"محاكاة الغرق" التي تُستخدم في الاستجواب وندّد بها العالم أجمع. أتى ذلك، بينما يستمر الرئيس الحالي باراك أوباما بمحاولة نقل السجناء من غونتانامو. وكان الأميركيون دخلوا في جدال حاد عما إذا كانت أساليب الاستنطاق التي اعتمدت ترتقي لدرجة التعذيب، وعما إذا نجحت السلطات في استنطاق المتهمين والحصول على معلومات مهمة. لكن، بحسب ما يقول المثل "شهد شاهد من أهله"، أكد تقرير "نيويورك تايمز" على أن أكثر من نصف المعتقلين الذين خضعوا لبرنامج "الاستجواب الصارم" على يد "السي آي إيه" وفيه حرمانهم من النوم وسكب الماء المثلج عليهم وضربهم بالحائط ووضعهم في توابيت، قد ظهرت عليهم أعراض المرض النفسي وتم تشخيص حالاتهم بـ"اضطراب ما بعد الصدمة" و"الذهان" و"الاكتئاب" و"جنون العظمة". يُضاف إلى هؤلاء المئات ممن تعرضوا للاعتقال في "غوانتانامو" أو في مواقع "السي آي إيه" السريّة، وخضعوا لما يُعرف بالحرمان الحسي والعزلة والتهديد بواسطة كلاب مفترسة وتقنيات أخرى، فقد أظهروا أمراضاً عقلية ونفسية خطيرة.

أطباء السجن متآمرون!

ينتقد التحقيق من الجهة الأخرى الأطباء النفسيين في معتقل غوانتانامو، الذين لم يكلفوا أنفسهم عناء سؤال المعتقلين عما تعرضوا له أثناء الاستجواب، رغم أن بعضهم لاحظوا آثار الضرر النفسي بعد الاستجواب مباشرة. حتى بعد الإفراج عنهم، لم يجد المعتقلون السابقون أي اهتمام بوضعهم أو السؤال عنهم، منهم محمد عبد الله صالح الأسد من تنزانيا، الذي تعرض للاختطاف والسجن والتعذيب، قبل أن يعيدوه إلى منزله من دون أن يذكروا أسباباً واضحة لاعتقاله. وهو عاش في ذعر شديدة من الاستجواب، ترافقه حالة من الخجل والعجز الجنسي بعدما تعرض لفحوص مخجلة. قالت زوجته بعدما توفي لاحقاً أنه أسرّ لها عن "انتهاكه جنسياً وعن الشعور الذي لم يفارقه إلى حين موته".

تتوغل "نيويورك تايمز" في تفاصيل مرعبة عاشها المساجين، فهناك عمر الذي كان يعد أصغر معتقل في غوانتانامو يحكي عن استخدامه كممسحة للأرض، والليبي محمد بن سعود الذي تعرض لسكب الماء المثلج عليه والانتهاك الجنسي والوضع في تابوت، وكيف أصبح بعد تحرره في حالة خوف وغضب دائمين، وكيف تأثرت علاقته بأولاده بشكل حاد.

من جهته، أفاد أحد المعتقلين، يونس شاكوري، أنه لم يكن يثق بالأطباء النفسيين في السجن، فقد كانوا يتعاونون مع السجانين، إذ رأى المعتقلون بأم العين كيف كان الأطباء يعطونهم الأدوية وينصحون الجلادين أن بإمكانهم استغلال أعراضها الجانبية، كما فعلوا مع أحدهم بأن أعطوه مضاداً للذهان من أجل استغلال أعراضه الجانبية، وأبرزها الجوع.

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

كلمات مفتاحية
أميركا التعذيب

التعليقات

المقال التالي