فلاسفة وعلماء عرب قدماء قالوا بنظرية التطوّر قبل داروين

فلاسفة وعلماء عرب قدماء قالوا بنظرية التطوّر قبل داروين

وصل تفكير بعض أقطاب تراثنا الفكري العربي يوماً ما إلى بعض ما قاله تشارلز داروين في حديثه عن نظرية تطوّر الأنواع، برغم أنه لم تتوفّر لهم في عصرهم العلوم والإمكانات التي توفّرت لداروين بعدهم بمئات السنوات.

والحديث عن أفكار راودت المفكرين والفلاسفة العرب والمسلمين القدامى حول التطور يجب أن يظل محصوراً في إطار علوم عصرهم، حتى لا نحمّل أفكارهم ما لا تطيق.

أبو العلاء المعرّي

أبو-العلاء-المعري

يحظى الفيلسوف والشاعر العربي أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي، والمشهور بأبي العلاء المعرّي، بمكانة خاصة وسط أقرانه. وُلد في معرة النعمان (في سوريا حالياً) عام 973 ميلادية، وبدأ في الارتحال وهو في الرابعة عشرة من عمره، فرحل إلى حلب ثم إلى أنطاكية وطرابلس الشام، ومرّ باللاذقية فأخذ عن بعض الرهبان ما وجده عندهم من علوم اليونان وفلسفتهم.

ولأبي علاء المعري بيت من الشعر، للحديث عن ارتقاء الكائن الحي من مرتبة أدنى إلى أخرى أعلى، يقول فيه:

والذي حارت البرية فيه      حيوان مستحدث من جماد

وبالعودة إلى جريدة الأخبار المصرية، عدد 25 أكتوبر 1961، يوضح المفكر عباس محمود العقاد، رداً على أحد القراء، رؤيته حول قول المعري بما قاله داروين بخصوص مبدأ النشوء والارتقاء، فيقول: "إن قول المعري عن الحيوان إنه مستحدث من جماد لا يلزم منه القول بمذهب داروين، لأنه قد يصدق على خلق الإنسان من الطين أو خلق الأحياء من الماء، فلا يخالف القول بالخلق المباشر الذي يقول به غير النشوئيين".

ومع ذلك، يذكر العقاد أن للمعرّي أبياتاً كثيرة تشبه في معناها نظريات النشوئيين كقوله بالصراع من أجل البقاء:

ولا يُرى حيوان لا يكون له      فوق البسيطة أعداء وحساد

وقوله بربط بنية الحيوان الجسدية وشكل أعضائه بالوظائف التي يحتاج إلى تأديتها:

وما جُعِلَتْ لأسود العرين     أظافير إلا ابتغاء الظفر

إخوان الصفا

MAIN_إخوان-الصفا-

يختلف المفكرون في تحديد الفترة الزمنية لظهور جماعة إخوان الصفاء وخلان الوفاء الفلسفية. فهناك مَن يرى أنها نشأت في القرن الثالث الهجري، في حين يؤكد البعض أنها نشأت في القرن الرابع الهجري، بينما يقول آخرون بنشأتها قبل هذا بكثير، ويرجحون ظهورها بين عامي 80 و148 هجرية، أي في أيام الإمام جعفر الصادق.

ولجماعة إخوان الصفا رسائل تعكس حالة الثقافة والعلم في زمنها، فقد اعتمدت إلى جانب المصادر الإسلامية، على مصادر واسعة في مجالات العلوم والمنطق والفلسفة، مما يكشف سبب كونها أكثر الفرق تحرراً من النصوص الدينية، بل أكثرها اعتماداً على التأويل لإثبات آرائها.

أقوال جاهزة

شارك غردجولة على تراثنا العربي وما فيه من نظريات لعلماء وفلاسفة كبار قالوا بنظرية تطوّر الأنواع قبل داروين بقرون

شارك غردكتب ابن خلدون عن إمكانية تحوّل القردة إلى بشر ولكن معظم قارئي مقدّمته بالعربية لم ينتبهوا إلى ذلك لأنه جرى تحريف "القردة" إلى "القدرة"

والتطور لدى إخوان الصفا له غاية وهدف، فهو ليس تطوراً عشوائياً. فيقولون في "كتاب إخوان الصفا وخلان الوفا" إن "لكل كون ونشوء غاية أولاً وابتداء، وله غاية ونهاية إليها يرتقي، ولغايتها ثمرة تجتني".

ولدى إخوان الصفا تصور فريد لتطور الكائنات الحية، فيقسّمونها إلى مراتب، ويبدأون من البسيط إلى الأعقد. ووفقاً لما ورد في رسائلهم فإن "آخر مرتبة النبات متصل بأول مرتبة الحيوانية، وآخر مرتبة الحيوانية متصل بأول مرتبة الإنسانية، وآخر مرتبة الإنسانية متصل بأول مرتبة الملائكة".

أما في تصنيفهم للحيوان، فهم يرتبونه بحسب درجة تطوره وارتقائه، ومعيارهم في هذا التصنيف هو مجموع ما يمتلكه من حواس.

ويجعل إخوان الصفا الحيوان الأقل حواساً يسبق في الوجود الأكثر حواساً، وهم يعتبرون الأول حيوانا ناقصاً، بينما الحيوان المكتمل الحواس هو الحيوان التام الكامل. فطبقاً لما ورد في رسائلهم، إن "من الحيوان ما هو تام الخلقة كامل الصورة، كالتي تنزو وتحبل وتلد وترضع؛ ومنها ما هو ناقص الخلقة كالتي تتكون من العفونات، ومنها ما هو كالحشرات والهوام بين ذلك، كالتي تنفذ وتبيض وتحضن وتربي".

كما اعتبروا أن "الحيوانات الناقصة الخلقة متقدمة الوجود على التامة الخلقة بالزمان في بدء الخلق، وذلك أنها تتكون في زمان قصير، والتي هي تامة الخلقة تتكون في زمان طويل"، وأن "حيوان الماء وجوده قبل وجود حيوان البر بزمان، لأن الماء قبل التراب، والبحر قبل البر في بدء الخلق"وأن "الحيوانات كلها متقدمة الوجود على الإنسان بالزمان".

ولا يغفل إخوان الصفا في عرضهم للتطور عن مبدأ الصراع من أجل البقاء، وإن كانوا قد أطلقوا عليه "الحكمة الإلهية"، فتذكر الرسائل "واعلم أنك إذا أمعنت النظر، وجودت البحث عن مبادئ الكائنات وعلة الموجودات، علمت وتيقنت أن هاتين الحالتين، أعني شهوة البقاء وكراهية الفناء، أصل وقانون لجميع شهوات النفس المركوزة في جبلتها، وأن تلك الشهوات المركوزة في جبلتها أصول وقوانين لجميع أفعالها وصنائعها ومعارفها في متصرفاتها".

القزويني

وتكلم العالم والجغرافي العربي زكريا بن محمد بن محمود الكوفي القزويني (605 – 682 هجرية) في كتابه "عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات" عن مراتب الكائنات، بعد أن قسمها إلى نامٍ وغير نام، أو كما نعرفها نحن الآن بالكائنات الحية والكائنات غير الحية.

وقال إن "أول مراتب هذه الكائنات التراب، وآخرها نفس ملكية طاهرة، فإن المعادن متصل أولها بالتراب أو الماء وآخرها بالنبات، والنبات متصل أوله بالمعادن وآخره بالحيوان، والحيوان متصل أوله بالنبات وآخره بالإنسان، والنفوس الإنسانية متصلة أولها بالحيوان وآخرها بالنفوس الملكية".

أبو-الريحان-البيروني-

وجهة نظر الجاحظ

وسبق الجاحظ (159 – 255 هجرية) كل المفكرين والفلاسفة والعلماء العرب الذين أشاروا تلميحاً أو بشكل مباشر إلى مقولة تطور الأنواع.

ولم يستخدم الجاحظ لفظة التطور، وإنما عبر عن الفكرة بألفاظ عصره مثل القلب والنقل والمسخ، قاصداً من التعبير الأخير تغيّر الكائن من حال إلى حال أخرى، كما شرح الدكتور محفوظ عبد الرحمن في كتابه "في الفلسفة الطبيعية عند الجاحظ".

ويلفت عبد الرحمن النظر إلى فلسفة الجاحظ في تصنيف الكائنات الحية، وحديثه عن تأثير البيئة والوراثة، والقول بالتهجين، إضافة إلى حديثه عن أصل بعض الكائنات.

مسكويه

Miskawayh

ويرتب الفيلسوف والمؤرخ والشاعر أحمد بن يعقوب، الملقب مسكويه، والمولود عام 325 هجرية، النباتات في ثلاث مراتب، يتطور خلالها النبات بحيث يخرج من مرتبة إلى أخرى، كما يقسم الحيوان إلى خمس مراتب أو رتب مقسمة بحسب عدد الحواس الذي تتوافر لكل رتبة حيوانية، وهو ما وجدناه لدى إخوان الصفا، وذلك بحسب مجدي عبد الحافظ في كتابه "فكرة التطور عند فلاسفة الإسلام".

ابن خلدون والتطور

كذلك تحدّث العالم العربي ابن خلدون (732 – 808 هجرية) بشكل مباشر عن تطور الموجودات، بل أنواع الكائنات الحية، وتحول بعضها إلى بعض، ولم يستثنِ منها حتى الإنسان، بحسب ما يؤكد الدكتور علي عبد الواحد وافي في مؤلفه "عبد الرحمن بن خلدون: حياته وآثاره ومظاهر عبقريته"

ويقول ابن خلدون في مقدمته الشهيرة، في المقدمة السادسة من الباب الأول: "إنا نشاهد هذا العالم بما فيه من المخلوقات كلها على هيئة من الترتيب والإحكام، وربط الأسباب بالمسببات، واتصال الأكوان بالأكوان، واستحالة بعض الموجودات إلى بعض".

ويلفت الدكتور وافي إلى أن ابن خلدون قد أشار أيضاً إلى التطور بعبارة أكثر وضوحاً في أحد الفصول التي تزيد بها طبعة باريس من "المقدمة" (طبعة كاترمير Quatremere) عن الطبعات في العالم العربي، وهو الفصل الذي جعل عنوانه "علوم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام".

فيقول في هذا الفصل: "إن الذوات التي في آخر كل أفق من العوالم مستعدّة لأن تنقلب إلى الذات التي تجاورها من الأسفل والأعلى استعداداً طبيعياً، كما في العناصر الجسمانية البسيطة، وكما في النخل والكروم من آخر أفق النبات مع الحلزون والصدف من الحيوان، وكما في القردة التي استجمع فيها الكيس والإدراك مع الإنسان صاحب الفكر والرؤية، وهذا الاستعداد الذي في جانبي كل أفق من العوالم هو معنى الاتصال فيها".

ويعلّق الدكتور وافي على النص السابق بقوله إن ما جعل الباحثين لا يفطنون إلى رأي ابن خلدون في استحالة الأنواع بعضها إلى بعض، وفي انطباق هذا القانون على الإنسان وصلته بفصائل القردة أن كلمة "القردة" في النص السابق قد حرّفت في جميع طبعات "المقدمة" المتداولة في العالم العربي في العصر الحاضر إلى كلمة "القدرة"، وهو تحريف غيّر معنى العبارة وجرّدها من دلالتها، وأخفى نظرية مهمة قال بها ابن خلدون، وسبق بها داروين وغيره من جماعة الارتقائيين.

كلمات مفتاحية
تاريخ ثقافة

التعليقات

المقال التالي