يوم أصبحت بالة الفقراء موضة الأغنياء

يوم أصبحت بالة الفقراء موضة الأغنياء

يعود ازدهار أسواق البالة (محال بيع الألبسة المستعملة)، في الفترة الأخيرة بشكل أساسي إلى سوء الوضع الاقتصادي، وتراجع القدرة الشرائية في لبنان، ما دفع الكثير من اللبنانيين إلى اللجوء إلى سوق البالات، خصوصاً أنها تؤمن لهم الجودة والسعر الجيدين، وهذا يبدو واضحاً، عندما ترى الاكتظاظ في هذه الأسواق، لا سيما قبل الأعياد ومع بدء موسم العام الدراسي.

راجت أسواق البالات في لبنان في السنوات الأخيرة، حتى باتت مناطق معينة تُعرف بها. فما أن نذكر البالات، حتى تتبادر إلى الأذهان منطقة الشياح في الضاحية الجنوبية، وخندق الغميق، وحي اللجا في بيروت، بالإضافة طبعاً إلى الأسواق الأسبوعية في البلدات والقرى.

الدين ممنوع إلا لأهالي الحي

على الرغم من اللافتة المعلقة على الحائط، والمكتوب عليها "ممنوع الدين"، تفتح حياة، وهي صاحبة إحدى البالات، دفتر الدين، وتقول: "هذه اللافتة للغرباء فقط، أما أهالي الحي فيمكنهم الاستدانة، الناس فقراء، لا يستطيعون دفع القليل حتى، يقسطون المبالغ البسيطة، ولكنني لا أنكر أنه إذا لم أسمح بالدين، لن يشتري الكثير منهم، يعني الكحل أحسن من العمى".

تعتبر بالة حياة من البالات المتوسطة، باب ثانٍ، كما تقول. وتضيف: "بضاعتي ليست من الأفضل بين البالات، لكن أسعارها تناسب الفقراء، في الصيف تراوح أسعار القطعة بين الألفين و30 ألف ليرة لبنانية، أي بين دولار واحد تقريباً و20 دولاراً كحد أقصى. أما في الشتاء فقد يصل سعر القطعة إلى الـ50 ألفاً، ما يعادل الـ33$ ولا سيما المعاطف السميكة".

صحيح أن أسواق البالة تشكل متنفساً للفقراء، ولكن جولة صغيرة على عدد من البالات، تبين أن هذه الأسواق ليست مقصد الفقراء فقط. إذ يزورها الميسورون أيضاً، وبنسبة كبيرة، بحثاً عن الملابس المميزة والغريبة التي لا تشبه الملابس المتوافرة في الأسواق الأخرى.

'الفاشينيستا' أيضاً يخصصون يوماً كاملاً للبالة

تعرف سارة أسواق البالات في بيروت جيداً، فهي تخصص يوماً في الشهر للتسوق من البالة، وكل ما تبحث عنه القطع المميزة التي لا تشبه القطع الموجودة في السوق. تقول: "لا أتباهى بأنني أشتري من البالة، ولا أخبر جميع الناس، ولكن أصدقائي المقربين يعرفون هوسي بالبالات، حتى أنني علمتهم على التسوق من هنا، وبات لدينا يوم في الشهر لمشوار البالة". وتضيف سارة بدلال: "بصراحة كل من يراني يثني على ملابسي، فأشعر وكأنني أشتريها من محال مميزة، مثل تلك التي لا تبيع إلا قطعة واحدة من كل موديل".

متعة التنقيب في أكوام الثياب

تفتش زينت الحاج في كوم الثياب من دون ملل، تنتقي ما تريد وتضعه جانباً، وبعد رحلة البحث التي تمتد ساعة في بعض الأحيان، تبدأ بمعاينة كل قطعة ثياب، حتى لا تشتري أي قطعة مثقوبة أو باهتة اللون.

لا تخجل زينب من التسوق من البالات، فهو نوع من التسوق الممتع والمميز بالنسبة إليها. توضح: "متعة أن أحظى بقطعة مميزة بعد البحث، على عكس المتاجر العادية، التي أعلم مسبقاً ما يمكن أن أجده فيها".

تستطيع زينب، وهي طالبة جامعية من عائلة ميسورة، أن تشتري ملابسها من المتاجر المعروفة، ولكنها تجد متعة في التسوق من البالات. تقول: "بالطبع أشتري الملابس الجديدة، لكن متعتي الأكبر تبقى في البحث بين أكوام الثياب في البالات عن قطعة مميزة".

ليست زينب الوحيدة التي تشتري الملابس المستعملة من أسواق البالة، وهي تستطيع شراء الملابس الجديدة، فهناك الكثير من الناس الذين يقصدون البالات من دون أن يكون توفير المال الهدف الأساسي لهم.

أقوال جاهزة

شارك غردبعض الفاشينيستاز يجدن أجمل ملابسهن في محلات البالة (أي الملابس المستعملة) في بيروت

شارك غردمتعة التسوق من البالات (محلات الملابس المستعملة) للكثيرين في لبنان...


يروي غسان، وهو صاحب إحدى البالات في حي اللجا في بيروت، أن زبائنه بمعظمهم ليسوا من الفقراء أو من المستهلكين الذين لا يستطيعون شراء الملابس الجديدة، إنما من "الصبايا" و"المدامات" اللواتي يبحثن عن المميز والغريب.

ويقول: "زبونتي تعرف ماذا تريد، فهي عندما تقصدني تعرف أنها ستجد ما تبحث عنه، وأنا أعرف طلبها، ما إن أفتح بالة جديدة حتى أتصل بزبونتي، وإذا لم تستطع المجيء، أضع القطع المميزة جانباً من أجلها".

بخلُ قومٍ عند قومٍ فوائد

"الميسورون يجادلون ويساومون على السعر أكثر من الفقراء"، يقول أحد أصحاب البالات قبل أن تقاطعه سيدة قائلة: "سآخذ هذه الأحذية وإذا لم تناسب أولادي سأردها". يشير صاحب البالة إلى هذه السيدة، ويخبرنا أنها جارته ولا تستطيع شراء ملابس جديدة لأطفالها لذلك تلجأ إلى البالة. مضيفاً: "إذا ساومتني على السعر عذرها معها، ولكن بعض الميسورين يساومون فقط لأنهم يستكثرون دفع أي مبلغ على الملابس المستعملة، يساومونني على الألف ليرة، وهم يملكون الكثير، أشعر أنهم بخلاء، لا أنكر أن بخل بعض الميسورين يدفعهم إلى شراء الملابس المستعملة، ولكن بخلهم في مصلحتنا".

كلام صاحب البالة هذا، يذكر بصاحب سلسلة "إيكيا" الشهيرة، السويدي إينغفار كمبراد، الذي اعترف أن سوقه المفضل هو سوق البالة، حيث يجد الملابس المستعملة. ويقول هذا الرجل الذي تقدّر ثروته بـ65 مليار دولار، إنه لا يخجل من البوح بأنه لا يذكر أنه اشترى يوماً ملابس من خارج سوق البالة، وأنه لا يحب التبذير.

هوس الماركات والقطع المميّزة

يعتبر أبو حسين وهو صاحب واحدة من البالات المعروفة في خندق الغميق، أن نوعية البالة وتصنيفها يحددان مستوى الزبائن، فالبالة التي تستورد "الكريم" تجذب الزبائن الميسورين.

ويشرح أبو حسن أن "الكريم" يعني بالة ثلثها موديل العام، وثلثها يعود إلى سنتين، والباقي يعود إلى 3 أو 4 سنوات، ولكن جميع قطعها جديدة غير مستعملة. مضيفاً: "بعد الكريم تأتي بالات الباب الأول والثاني والثالث، وهكذا. والمنطقة لا تحدد بشكل عام مستوى الزبائن، لأن البالات عادة تفتح محالها في مناطق شعبية.

يكرر أبو حسين أن هوس الماركات مفتاح الرزق، موضحاً أن زبائنه يعرفون الماركات ويعرفون أسعارها في محال بيع الثياب الجديدة، لذلك يأتون إلى البالات المعروفة للحصول على الماركات العالمية والقطع المميزة.

ويضيف: "الكثير من زبائني مرتاحون مادياً، لا يقصدون التوفير، بل يبحثون عن القطعة المميزة التي لن تلقى مثلها في السوق. البالة تعني قطعة قطعة، وليس مئات النسخ من القطعة نفسها، وبعضهم يتباهى بالتسوق من البالة".

كلمات مفتاحية
لبنان

التعليقات

المقال التالي