ابن حلب الذي لا يزال يحتفظ بورقة 5000 ليرة سورية أُجرة العودة

ابن حلب الذي لا يزال يحتفظ بورقة 5000 ليرة سورية أُجرة العودة

يوم عادي في مدينة غازي عينتاب التركية. ازدحام وضجيج في الشوارع، وحضور سوري روتيني بات بالإمكان تمييزه لغوياً وفيزيولوجياً في بعض الأحيان. في شارع أتاتورك، يتناهى لسمعك كلام باللغة العربية. من السهل هنا تمييز اللّهجة الحلبية عن غيرها من اللهجات السورية. غالبيتهم لاجئون سوريون يتوجهون إلى أشغالهم في سادس أكبر المدن التركية. يُقال إن ملامح الوجه تحكي حياة الإنسان والظروف التي مر بها، وإذا سكنتك الحرب، ظهرت تعابيرها على جسدك، وربما كانت العينان مسرحاً لأفكارك، أو مرآةً تعكس ما قد يكون مستقبلاً... بعد انتهاء الحرب.

روتين المدينة لا يكسره غير الصدفة والبعد عن الرتابة. على الرصيف أمام أحد المحالّ التجارية، يظهر كرسي متحرك لا يجلس عليه أحد. هو كرسي أبو عبدو الحيران. شخصية حلبية فذّة لا تأبه لقساوة القدر وتعانده، وتقول له: "لن تقوى عليَّ". حوّل أبو عبدو كرسيه المتحرك ليصبح كشكاً، بسطة لبيع التبغ وكتب تعلّم اللغة التركية.

عاش أبو عبدو معظم حياته في مدينة حلب، بحي الصاخور، ويعمل مثل كثير من الحلبيين في تجارة النسيج والأقمشة. التهمت النيران سنة 2006 المحل بما فيه. وينسب الجناية لمجهولين على مضض. كما لا يعترف بعمره، يكتفي بالقول: "أنا ما زلت شاباً ولم تزل يداي قويتين"، لديه طفلتان صغيرتان في مرحلة التعليم الابتدائي، إضافةً إلى ابنه البكر عبدو ذي الثلاثة والعشرين ربيعاً، مساعده الأول في عمله.

رأس مال صغير وكرسي متحرّك يكفيان لحياة كاملة

أن تجلس إلى جانبه على حافة الدرج، يعني أنك تسللت إلى حكايته وبدأت ترى الأمور من منظاره الخاص. استُفِزّ أبو عبدو عندما سألناه كيف يرى العالم من زاويته الصغيرة، هو الذي فضل عمله البسيط في بيع التبغ على راحته الشخصية. الحلبيون ماهرون في التجارة كما في الغناء، يقول، وكما خسر محله سنة 2006، لن يمنعه كرسيه من الوقوف مجدداً، وإعادة بناء ما خُرّب، فهو "مدمن على العمل" منذ كان صغيراً.

قدودنا الحلبية ستعيد ترتيب الفوضى

يعيش أبو عبدو على مبدأ يقول: "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً". ويستعيض عن كلمة دنياك ليضع مكانها اسم مدينته "حلب". هكذا تربى على يد والده، ولهذه الدرجة هو مؤمن بعودته إليها. في حديثنا، كان يدندن بشكل متقطّع أغنية فيروز "راجعين يا هوى"، كأنها هي وحدها الكفيلة باستمرار الحياة، وتقريب المسافات والساعات من الحلم. سنينه الستون وكونه من ذوي الاحتياجات الخاصة، لم يمنعاه من مواصلة العمل، هو التاجر الحلبي الذي نهض أكثر من مرة بعد الحرب على مدينته، والتي صنفتها مجلة  "لايف واير" الأمريكية من أخطر المدن في العالم سنة 2013.

أقوال جاهزة

شارك غرد"منذ 5 سنوات خسرت كل شيء تقريباً، واحتفظت بهذا المبلغ. أجرة طريق العودة إلى حلب، وإذا لم تكن كافية فسأعود مشياً"...

ربما كان أبو عبدو مشغولاً في عمله المتعب، ولا يشاهد صور الحرب السورية وأخبار مدينته تحديداً. تحدثه عن الموت هناك وعن دمار حلب القديمة وأسواقها وصناعاتها، لكنّه لا يكترث، بل يردّ: "الحلبيون قادرون على خلق شيء من اللاشيء". وانطلق بحديثه عن أهالي حلب: "نحن نستثمر أبسط تفاصيل الحياة كي نعيش، نغني حتى في المآتم وفي ساعات الحزن، قدودنا الحلبية سوف تعيد ترتيب الفوضى، وإذا دُمرت قلعة حلب سنعتّق الحجر ونعيد بناءها". يبتسم ثم يغني على "العقيق اجتمعنا".

الاستثمار في الحاضر من أجل حلم العودة

الحديث عن سوريا يعني الحديث عن السياسة والحرب، إلاّ أنه يعني أكثر من ذلك بكثير لأبو عبدو الذي يرفض الصراع العسكري الدائر. يحاول الوقوف فجأةً مستنداً على جدار خلفه، ويقول بعزّة وبنظرة واثقة، إن جذور عائلته تعود إلى سليمان الحلبي، الذي اغتال الجنرال كليبر، قائد الحملة العسكرية على مصر سنة 1798-1801م. يتذكر أبو عبدو بيته في حي الصاخور، وكيف دمر ببرميل متفجر. كان البرميل الثالث في الحي قادراً على إجباره وعائلته إلى اللجوء لمدينة غازي عينتاب جنوبي تركيا. لم تمنعه أحواله المادية من ممارسة العمل التجاري، وتعليم طفلتيه في المدرسة، وهو يرفض أي مساعدة من تجار الحرب كما يسميهم. لذلك كان كرسيه المتحرك جزءاً أساسياً من حياته ورأس ماله في عمله الجديد.

ينتظر أبو عبدو نهاية الحرب ليعود إلى حي الصاخور ويشارك في إعادة البناء. "الأمل الكثيف يربي اليأس" أقول له بلؤم لاستفزازه، إلا أنّه يمد يده إلى جيبه ويخرج 5000 آلاف ليرة سورية، قائلاً: "منذ 5 سنوات خسرت كل شيء تقريباً، واحتفظت بهذا المبلغ. أجرة طريق العودة إلى حلب، وإذا لم تكن كافية فسأعود مشياً رغم أن رجليّ لا تحملانني، فالمسافة لا تتعدى 100 كيلومتر".

إصراره يؤكد حتمية عودته إلى حلب بعد حين، ويوماً ما ستفتقده مجموعة الشبان السوريين المتجمهرين حوله باستمرار. شارع أتاتورك لن يعود إلى سابق عهده بعده، لكن أبو عبدو لن تخونه الذاكرة وسيعوّل عليها لرؤية كل ما هو جميل في حي الصاخور القديم ولو كلّفه هذا الكثير.

كلمات مفتاحية
حلب سوريا

التعليقات

المقال التالي