منزل تميم: المدينة التونسية التي تحكمها العصابات

منزل تميم: المدينة التونسية التي تحكمها العصابات

مقولة إدواردو غاليانو: "لا يكافح رجال الشرطة الجريمة لأنهم مشغولون جداً بارتكابها"، تطبق بحذافيرها في مدينة منزل تميم التونسية.

ست سنوات على الثورة التي أطاحت بالاستبداد سياسي، فقلبت كل المعطيات في البلد، بين قطاعات ارتقت بضع درجات، وأخرى نزلت إلى الحضيض. ثورة 2011 لم تكن نسمة ربيع فعلاً، بل الأجدى القول إنها مثلت سحابة غبار، حجبت عن الأبصار تغلغل الفساد أكثر فأكثر وتوسع قاعدته. ومما أفضت إليه حالة الانفلات الأمني إبان الثورة، وارتخاء قبضة الدولة عن المنحرفين، تعمق فساد المؤسسة الأمنية واستشراء ظاهرة تواطؤ بعض رجال الأمن مع مافيات التهريب والسرقة والاتجار بالممنوعات. وتكشفت بعض هذه العلاقات في حوادث عديدة، بينما تبقى غالبيتها سارية المفعول من دون عقاب.

تردٍّ في الفساد والجريمة المنظمة

باتت المؤسسة الأمنية اليوم، حاضنة لانتشار السرقة وتعاطي المخدرات والمتاجرة بها، وإنتاجها حتى تكوين عصابات مختصة في ذلك. وهو ما ترويه مثلاً حادثة مشاركة أمنيين في تنفيذ سطو مسلح بالأسلحة البيضاء على مواطن، وسلبه آلاف الدينارات، أو حادثة إمساك شرطي ينقل أسلحة في صندوق السيارة الخلفي.

أقوال جاهزة

شارك غردمقولة "لا يكافح رجال الشرطة الجريمة لأنهم مشغولون جداً بارتكابها" تطبق بحذافيرها في مدينة منزل تميم التونسية

سنتحدث خصوصاً عن مدينة تلخص هذا الوضع الشاذ. مدينة، تعتبر مثالاً مصغراً عما يحدث في البلاد عامة، من رشوة لرجال الأمن وتواطؤهم مع مجرمي المخدرات ومنفذي السرقات.

هذه المدينة هي منزل تميم، الواقعة في الشمال الشرقي لولاية نابل الساحلية. اسم المدينة صار بعد ثورة 2011 يتكرر كثيراً في الإعلام، تحت عناوين الجرائم ومصادرة الممنوعات، وحتى حوادث القتل. قال النائب في مجلس نواب الشعب عن كتلة نداء تونس وابن هذه المدينة، حسام بونني لرصيف22، إن السبب في ذلك هو الوضع الأمني الهش الذي عاشته البلاد إبان الثورة، وتسبب في تطور بعض المنحرفين إلى مجرمين حقيقين، يتاجرون بالمخدرات والكحول غير المرخصة، إلى جانب سرقة الدراجات والسيارات والمواشي. تمكن هؤلاء من تكوين ثروة كبيرة، جعلت منهم لوبيات للفساد والجريمة، يملكون أدوات المافيا، ويستميلون كبار رجال الأمن وحتى القضاة عبر الرشوة.

رؤوس الفساد في المدينة معروفة لدى المواطنين، لكن لا أحد يريد الحديث خوفاً منهم. فكما يقولون: "أياديهم طويلة ولا قدرة لأحد على مواجهتهم".

ذهبنا إلى هذه المدينة، والتقينا عدداً من المواطنين الذين تحدثوا بحذر شديد عما يعرفونه عن العصابة المختصة في كل شيء في عالم الإجرام. يقول ر.م. إن العصابة تملك فروعاً في أحياء المدينة، منها المختصة في سرقة الدراجات وبيعها في ولايات أخرى أو مساومة مالكيها لاسترجاعها، بمبلغ يكون غالباً في حدود 300 دينار. ومنها تلك التي تتاجر في المخدرات، مثل القنب الهندي والإكستاسي، وأنواع من الحبوب المهلوسة يتم تهريبها عبر رجال أعمال.

أمنيون مشاركون في الجريمة

الأمور في هذه المدينة معقدة جداً، والعصابة الموجودة تتغذى من خوف المواطنين. فإذا أراد أفرادها السوء بأي أحد، لن يحول دون ذلك أي أمني، ولو كان المواطن نفسه أمنياً. وقد يحدث أن يمر أحد رؤوس العصابة المفرج عنه برشوة، بعد أيام فقط من القبض عليه متلبساً، بالشرطي المتسبب في القبض عليه، يقول له: اذهب وخذ نصيبك من العشرين ألف دينار الذين منحتهم للقاضي، وكن حذراً في المرة المقبلة، حافظ على مورد رزقك".

تبيّن هذه الحادثة حجم الفساد في المؤسسة الأمنية، التي تضطلع في الجريمة بالتواطؤ والإفراج عن المجرمين.

طريقة أخرى للتواطؤ تتم عبر إشعار المجرمين بمغادرة المدينة أو تهريب المسروقات، التي تكون عادةً في مخازن سرية، قبل كل عملية تمشيط تقوم بها الوحدات المختصة، التي تنطلق من مركز المحافظة نابل. ويذكر أن أحد رؤساء مركز الأمن السابقين في المدينة، كان يقوم بحجز كل الهواتف المحمولة لشرطييه قبل الخروج في عملية تمشيط، لعلمه أن فيهم من هو متواطؤ مع أهم المجرمين.

مواطن آخر لم يرد الإفصاح عن هويته، يقول إنه توجه يوم 28 يوليو الماضي إلى مركز الشرطة على خلفية خلع باب منزله وسرقة دراجته ودراجة أخيه للتقدم بشكوى. لكنه فوجىء برجل شرطة هناك يقول له ببرودة أعصاب: "طريق البحر حيث تسكن كان هادئاً البارحة، ولا وجود لأي شيء مريب"، فأجابه: "حسناً سأتصرف وحدي". وانصرف إلى أحد أفراد العصابة في حي "العامود"، الذي يعرف أنه هو وراء السرقة، مستجدياً إرجاع الدراجتين، واضطر أن يدفع له 400 دينار، مقابل استرجاعهما حالاً.

الشهادات عديدة، لكنها لا تختلف. فالكل هنا يعرف كل شيء، لكن لا يجرؤ أحد على الاعتراض. تمكنا من الاستماع إلى شهادة من شخص يقول إنه على علاقة بالأمنيين. سرد تفاصيل كثيرة، وسمى كل الأطراف المتورطة في عمليات بيع الخمر خلسة، وتهريب المخدرات. قال إن شاحنات تأتي محملة بالخمر من قِبل رجل أعمال معروف في المنطقة، ويتم تفريغ حمولتها في طرق منعزلة، ومن ثم توزيعها على البائعين غير الشرعيين، الذين يجنون أموالاً طائلة منها. وكل هذا تحت أنظار رجال الحرس الوطني، الذين يبتلعون الرشوة لتجاهل كل ما يحدث.

أيضاً تحدث عن مسالك توزيع "القنب الهندي"، أو ما يعرف في تونس بالزطلة. فأشار إلى أنها توزع في 3 نقاط رئيسية، وهي نقاط مكشوفة لكل الناس، تتم فيها عملية التسليم والتسلم بطرق مبتكرة، مثل وضع الزطلة داخل صناديق عدادات مياه التوزيع. ويقول إن رجال الأمن في المنطقة لا يعلنون عن الكمية الحقيقية من الزطلة المصادرة، ويروي قصة تزويد رجل أعمال معروف بثماني كيلوغرامات من الزطلة تم توزيعها على التجار لاحقاً مقابل 25 ألف دينار للكيلوغرام الواحد، من أجل مواصلة عملية ترويجها.

النائب حسام بونني اعتبر أن الوضع ليس جديداً في المدينة، وغياب صرامة الأجهزة العليا في الدولة، زاد من تفشي ظاهرة الفساد في المؤسسة الأمنية. فلا سبيل إلى الخروج من هذا السرداب إلا بمعاقبة كل الضالعين في ذلك. ونبه إلى ضرورة العمل على تفادي سقوط أبناء المدينة في مستنقع الانحراف والإجرام، وضرورة تأهيلهم لفتح سبل الحياة أمامهم وتحصينهم من الانحراف.

كلمات مفتاحية
تونس

التعليقات

المقال التالي