ويقولون خافوا على أولادكم من عدوى المثلية الجنسية

ويقولون خافوا على أولادكم من عدوى المثلية الجنسية

إحدى هوايات بعض المواقع العربية، التطرق إلى مواضيع تشكل تابوهاً معيناً للمجتمعات العربية، وإعطاء الكلام لكتّاب لا يتحملون مسؤولية كتاباتهم، إذ يستخدمون عبارات وتساؤلات عشوائية بلا مرجع موثوق به يستندون إليه. آخر هذه المواضيع تطرق إلى سلامة الأولاد من عدوى المثلية، في مجتمعٍ لم يعد يريد أن يفرض على المثلي التخفّي تحت سابع أرض ليعيش حبه. للذين يسمونها عدوى، هل تدركون فعلاً وقع وثقل المعادلة التي تطرحونها؟ وهل صحيح ما يرددونه على مسامعكم من وجوب الخوف من عدوى المثلية التي قد تتفشى في عقول أولادكم؟

"لا أسمح لابني بالتحدث إلى صديقه في المدرسة لأن للأخير ميولاً مثلية. ماذا إن أغرى ابني واستغله بإخباره عن تجاربه؟ أو أن يريه صوراً له مع صديقه؟ أو ربما تمثل ابني به وبات ينجذب إلى الرجال! الحل الأنسب هو أن ينبذه ويتجنبه تماماً كما يتجنب أصدقاءه المدخنين أو الذين يحتسون الكحول".

يعتقد الكثير من الأهل أن المثلية الجنسية مرض معدٍ ينتقل إلى الآخر عبر التواصل الإجتماعي. فيلجأون إلى إبعاد أبنائهم عن هؤلاء الأشخاص، خوفاً من أن يؤثروا سلباً عليهم، بتصويرهم على أنهم أشخاص "شاذون" غير محترمين. تنزع هذه المقاربة عنهم فوراً صفات الإنسانية، وتلصق بهم وسم "المثلية"، الذي ما زالت الكثير من المجتمعات العربية تعتبره مرضاً نفسياً أو عضوياً، علماً أن ليس هناك إثبات علمي على ذلك، بل أكثر من ذلك، مرض معدٍ يجب الابتعاد عنه.

حقيقتان مثبتتان: الأولى هي أن للأصدقاء تأثيراً كبيراً في تكوين شخصية المراهق وهويته، والثانية أن الإنسان عدو ما يجهل، أي أننا بطبيعتنا البشرية نخاف الأمور التي لا ندركها. ولكن هل الخوف هو الحل الأفضل للتعامل مع الأشخاص المثليين، وهم باتوا كثراً بيننا، ويصبحون يوماً بعد يوم أقل خجلاً في التعبير عن ميولهم؟ وهل نساهم كأهل في بناء جيل متقبل للآخر المختلف أم أننا نرسخ، عن جهل أو عمداً، الخوف من الآخر، ورفض الإنسان، مستندين إلى معتقدات أثبت العلم عدم صوابيتها؟

الدراسات العلمية حسمت الجدل: المثلية ليست معدية

ليس اكتشافاً مدى تأثير الأصدقاء على الشخص، في عمر المراهقة خصوصاً، في تكوين شخصيته وإرساء مفاهيمه الاجتماعية التي يتميز بها عن الموروثات التي نقلها إليه الأهل والمجتمع في مرحلة الطفولة. يعتبر الأخصائي في علم النفسي التطوري إريكسون، الذي تركزت أبحاثه على دور المجتمع في تجسيد هوية الشخص وتطوره النفسي الاجتماعي استناداً إلى 8 مراحل تطور اجتماعي يمر بها الشخص، أن المراهقة تأتي في المرحلة الخامسة. ويحصل فيها الصراع بين الهوية المفروضة بحكم الموروث العائلي، وبين الهوية الضائعة، التي يبحث عنها الشخص. ويكون الأصدقاء في تلك المرحلة بطاقة مرور أو وسيلة يستعين بها للبحث عما هو أقرب إلى خياراته الشخصية.

إذاً بالتماثل مع أصدقائه يبحث الشخص عن هويته ويرسخ شخصيته الخاصة به. يتضمن كتاب Journal of Youth and Adolescence مجموعة من الأبحاث العلمية، قام بها عدد من الباحثين الاجتماعيين والمعالجين النفسيين والأطباء، لدرس مكامن مرحلة المراهقة، لعلمهم بمدى دقتها في مستقبل الشخص. تثبت هذه الدراسة أن الصداقات بين المراهقين تؤثر بشكل كبير على رغبة الشخص بإقامة علاقات عاطفية، إذا كان صديقه أيضاً في علاقة. متماثلاً به إذاً، يلجأ إلى التواجد في علاقة لإثبات قدرته على جذب الآخر، والفوز بمحبته من جهة، وكسب مودة صديقه من جهة أخرى، لأنه سيلقى الدعم والرغبة في حديث مشترك. لكن تلك الدراسة لم تجد أي دلالة على تأثير ميل الصديق الجنسي على خيارات الشخص. أي أن الأخير، وإن كان صديقه مثلي الجنس، لن يتماثل معه بالشخص الذي سيختاره، إنما بنوع العلاقة العاطفية فقط. التأثير يكمن في نمط العلاقة، طريقة التعامل بين المراهق والشريك وليس اختيار الشخص نفسه. فلذلك معايير أخرى ذات علاقة بصورة الوالدين في ذهن الشخص، لأنهما يعكسان بأدوارهما صورة عن اختيار الشريك لاحقاً.

دراسة مهمة أخرى نشرت على الموقع العلمي Archives of Sexual Behavior أجريت في الولايات المتحدة على 90 ألف مراهق، يبلغون من العمر بين 12 و16 عاماً، أثبتت أيضاً أن اختيار صديق لديه علاقات جنسية يؤثر على الشخص، ويمكن أن يتماثل به، وأن يجرب ذلك مع شخص آخر. ونفت أي علاقة بين أن يكون للمراهق صديق مثلي وبين اختياره لشريكه في ما بعد. عللت الأسباب بالعوامل والضوابط النفسية للشخص، وفسرت أن كل ما كان الشخص أكثر تقبلاً للآخر، كان الخوف من أن يلجأ إلى تصرفات خارجة عن إرادته ضئيلاً، لأنه مثقف جنسياً وقادر على التمييز واحترام الاختلاف. ما يطرح الأسئلة حول مدى تقبل ذلك الموضوع في المجتمعات العربية، التي لا تشجع على احترام الاختلاف، بل ما زالت قوانينها تحكم بالحبس على الأشخاص الذين يثبت أن ميولهم الجنسية مثلية. علماً أن نسبة الأشخاص المثليين إلى ازدياد، وبدأوا المطالبة بحقوقهم بالأمان والحماية.

هل الحل في تخويف أولادنا؟

نخيفهم ونهددهم بالعقوبات، ونصور لهم الشخص المثلي الجنس على أنه مريض أو ممسوس، أو منحرف أو ربما مدعاة شفقة، لكنه يجب أن يظل بعيداً عن أولادنا. باختصار، تلك هي المعادلة القائمة في معظم البيوت العربية، ظناًً من الأهل أنه الحل الأمثل لإبعاد أولادهم عن المثلية. لكن الواقع في مكان آخر. لأن الطفل عموماً، والمراهق خصوصاً، يلجأ إلى اكتشاف ما لا يعرفه بطرق خاصة، وتزيد حشريته في اختبار نفسه ومحيطه، عندما يحاول الأهل تصوير الأمور أنها كارثية.

أقوال جاهزة

شارك غردهل صحيح ما يرددونه على مسامعكم من وجوب الخوف من عدوى المثلية التي قد تتفشى في عقول أولادكم؟

شارك غردهل نساهم كأهل في بناء جيل متقبل للآخر المختلف أم أننا نرسخ الخوف من الآخر ورفض الإنسان، مستندين إلى معتقدات أثبت العلم عدم صوابيتها؟

هذا من جهة. أما الأهم فهو محاولة الأهل إبعاد ولدهم عن صديقه المثلي أو التحدث عنه بالسوء. هذه المحاولة غالباً تبوء بالفشل، لأن الشخص في مرحلة المراهقة يتقرب من أصدقائه أكثر، ويكون وفياً لهم، ويبتعد عن أهله ليتميز عنهم. وإن نجحت في الظاهر تلك المحاولات، فستؤدي إلى شرخ كبير في جسر الثقة بين المراهق وأهله، لأنه سيعتبر أنهم يتعدون على مساحته الخاصة من دون أسباب مقنعة أو موجبة. فتكون العلاقة إشكالية بين الأهل والمراهق ومبنية على الخوف، ويكون الأهل قد أرسوا مفهوماً بنيت عليه مجتمعاتنا العربية: رفض الآخر المختلف.

ستيفاني غانم

أخصائية في علم النفس العيادي والتحليل النفسي. تقدم فقرة أسبوعية ضمن برنامج “ببيروت” على قناة LBCI الفضائية.

كلمات مفتاحية
المثلية

التعليقات

المقال التالي