كرة قدم المستوطنات: "اغتصاب إنساني" يثير غضب الفيفا

كرة قدم المستوطنات: "اغتصاب إنساني" يثير غضب الفيفا

في عالم مثالي، يُحكى عن "الروح الرياضية" التي تحرّر خصوم السياسة من أوزارهم، لتصبح أرواحهم خفيفة تحلّق في سماء اللعب النظيف واحترام الخصوم. لكن الواقع شيء آخر تثبته وقائع التاريخ، من ألمانيا النازية ورياضييها إلى إسرائيل العنصرية وملاعب كرة قدمها. يدور الجدل اليوم في أروقة الفيفا بشأن الأندية الإسرائيلية التي تلعب في المستوطنات، بينما تطالب المنظمات الدولية بمنعها احتراماً للعبة عريقة لا يجوز أن تدور على "أرض مسروقة".

إنه العام 1936. تستضيف برلين دورة الألعاب الأولمبية بعد سنوات قليلة على وصول الحزب النازي إلى السلطة. بدت هذه المناسبة الرياضية - المثالية الصورة - فرصة ذهبيّة ليثبت فيها النازيون تفوق العرق الآري على العالمين. وهكذا كان، بحسب ما نقل المراسل الأحنبي وليام شيرر في يومياته من برلين قائلاً "أخشى من أن النازيين قد نجحوا في نشر دعايتهم… لقد وضعوا واجهة جميلة أمام الزوار". حينها تداولت الصحف أخبار خروج ألمانيا منتصرة من الأولمبياد، وفوز رياضييها بمعظم الميداليات، على أنها عودة للألمان إلى "الحظيرة الدولية" واكتساب صورة "أكثر آدمية مرة أخرى".

لكن خلف تلك الصورة، كان ثمة نظام عسكري وسياسي يخطط للاستفادة من تلك الألعاب. قد يكون الفيلم الذي وثّق حياة العدّاء الأميركي الشهير جيسي أوينز خير دليل على أن السياسة والرياضة صنوان لا يفترقان. أوينز كان معروفاً بأنه العدّاء صاحب الرقم القياسي الذي "يسابق الريح" لكنه كان أسود اللون. نتابع في كواليس الفيلم كيف كان مهندس الدعاية النازية جوزف غوبلز حريصاً على تفوق الألمان بأي ثمن، ونرى في النهاية كيف فاز أوينز على منافسه الألماني فرفض هتلر مصافحته وتسليمه الميدالية. على أي حال، الولايات المتحدة لم تكن أفضل أداء في ذلك، لقد تحدث أوينز في مذكراته عن تلك الحرقة التي خلفها تجاهل الرئيس فرانكلين روزفلت لصاحب الرقم القياسي الذي لم يقهر طيلة 24 عاماً ورفع اسم بلاده عالياً.

إسرائيل تلعب على "أرض مسروقة"

يجد اتحاد كرة القدم الدولي نفسه اليوم في وضع محرج. يتخبط تحت ضغط المنظمات الدولية عليه للنظر بشأن الأندية الإسرائيلية الست التي تلعب مبارياتها في مستوطنات في الضفة الغربية. وكانت منظمة "هيومن رايتس ووتش" اتهمت الفيفا برعاية مباريات تجري في مستوطنات إسرائيلية على أرض "مسروقة" في الضفة الغربية المحتلة، داعية الى إجبار نوادي كرة القدم الإسرائيلية في المستوطنات إلى الانتقال إلى مكان آخر.

أتى ذلك بموازاة دعوة وجّهها 66 عضواً في البرلمان الأوروبي إلى الفيفا، طالبوا فيها بإجبار اتحاد كرة القدم الإسرائيلي على منع الأندية الست من اللعب في دورياتها، مرفقة بتوقيع أكثر من 150 ألف شخص على عريضة تدعم هذا المخطط.

الجانب الإسرائيلي، من جهته، "استسخف" هذا الجدل، وفي حديث لرئيس نادي أريئيل شاي بيرنثال (أحد الأندية المعنية) مع "فرانس برس" استهزأ قائلاً "أجد أنه من المضحك للغاية أن فريقنا، وهو فريق فقير للغاية، أصبح في العناوين الرئيسية في كافة أنحاء العالم". وقد أصرّ على تعزيز "فكرة الفصل بين السياسة والرياضة". بدوره، تخوّف بن حداد وهو من فريق مستوطنة معاليه أدوميم بالقرب من القدس، من أن الأطفال سيُعاقبون أيضاً، إذ لن يُسمح لهم بالانتساب إلى الدوري الإسرائيلي.

أقوال جاهزة

شارك غردهل تعلق عضوية إسرائيل في الفيفا إذا رفضت منع الأندية التي تلعب في المستوطنات؟ أم أن إسرائيل ستنجح في تمييع القضية كما كل مرة؟

ولكن كيف يطلب هؤلاء عدم إقحام السياسة، والمستوطنات الإسرائيلية المقامة على أراض محتلة منذ العام 1967 تُعدّ غير شرعية بنظر القانون الدولي، وتشكل عقبة رئيسية على طريق السلام بحسب المجتمع الدولي؟

"يلعبون على أرضي... وأنا محروم منها"

شكّل التقرير المطول الذي نشرته "هيومن رايتس ووتش" تحت عنوان "إسرائيل/ فلسطين: الفيفا ترعى مباريات على أرض مغتصبة" صفعة في وجه نظرية فصل السياسة عن الرياضة. يدخل التقرير في تفاصيل الدقيقة لهذا الملف. بحسب معدّيه: "المستوطنات غير قانونية بموجب القانون الدولي الإنساني، لأن نقل القوة المحتلة للسكان المدنيين إلى الأراضي المحتلة يشكل انتهاكاً لـ"اتفاقية جنيف الرابعة" ويعتبر جريمة حرب. بُنيت المستوطنات على أراض صودرت من الفلسطينيين".

في السياق، وثقت المنظمة كيف بُنيت ملاعب المستوطنات، بما فيها ملعب في قاعة مغطاة على أرض أُخذت بصورة غير قانونية من الفلسطينيين، ومعظمها بمصادرة أراض تابعة لأفراد فلسطينيين أو قرى فلسطينية، وإعلانها تابعة للدولة، ثم تخصيصها للمدنيين الإسرائيليين فحسب. مع العلم أن القانون العسكري يحصر في الضفة الغربية دخول المستوطنات على المواطنين الإسرائيليين والمقيمين الإسرائيليين وحاملي التأشيرات الإسرائيلية، أو الأفراد من أصول يهودية.

كما أظهرت الوثائق المالية التي راجعتها المنظمة أن الاتحاد الإسرائيلي انخرط في نشاط تجاري يدعم المستوطنات، بينما توفر أندية كرة القدم في المستوطنات عمل بدوام جزئي وخدمات ترفيهية للمستوطنين، ما يجعل المستوطنات أكثر استدامة، وبالتالي تدعم نظاماً قائماً على انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

وملاعب المستوطنات كما المستوطنات. على سبيل المثال، يلعب نادي بيتار جفعات زئيف على ملعب أقيم على أراض فلسطينية خاصة تعود لقرية بيتونيا المجاورة، وقد منعت العائلة التي تملك الارض حتى من المشي عليها. ويشكو "ربحي دولة"، رئيس بلدية بيتونيا القريبة من مستوطنة جفعات زئيف "أطفالنا في بيتونيا لا يملكون مكاناً كافياً لبناء ملعب للعب كرة القدم".

بطاقة حمراء في وجه إسرائيل؟

تتلقى الأندية في معظمها تمويلا من بلديات المستوطنات والمجالس الإقليمية، التي تدفع لهم أساساً لتنظيم الخدمات الرياضية والترفيهية للإسرائيليين فقط. وهنا يأخذ التقرير على الفيفا والاتحاد الأوروبي موقفهما بعدما أظهرت السجلات المالية أن الطرفين أرسلا في السنوات الأخيرة ملايين الشيكلات سنوياً إلى الاتحاد الإسرائيلي كجزء من علاقة مالية متبادلة، يُمكن من خلالها للفيفا والاتحاد الأوروبي كسب المال من الألعاب الإقليمية والدولية التي تخوضها الفرق الإسرائيلية.

ولأن الأندية هي جزء لا يتجزأ من صناعة كرة القدم الإسرائيلية، إذ تغذي فرق المستوطنات، وبالتالي فرق البطولات الإسرائيلية العليا التي تتنافس في أوروبا أو أبعد منها، وهي بدورها جزء أساسي من صناعة كرة القدم الأوروبية والدولية، من المقرر أن تعقد اللجنة التنفيذية للاتحاد الدولي لكرة القدم اجتماعاً في الثالث عشر من الشهر المقبل لتقرر إن كانت ستطالب إسرائيل بمنع هذه الاندية. نظرياً، يمكن تعليق عضوية إسرائيل في الاتحاد الدولي بسبب هذه القضية كما حصل في مواقف مشابهة مع جزيرة القرم وشمال قبرص وجمهورية لوغانسك وغيرها من المناطق المتنازع عليها.

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

كلمات مفتاحية
اسرائيل رياضة

التعليقات

المقال التالي