حكاية عمرو دياب من بورسعيد إلى العالمية

حكاية عمرو دياب من بورسعيد إلى العالمية

يقول المثل "الوصول للنجاح صعب، ولكن الأصعب الحفاظ عليه". عمرو دياب واحد من القلائل الذين استطاعوا أن يصلوا إلى قمة النجاح، وتمكنوا من الحفاظ عليه لثلاثة عقود. فكيف كانت البداية؟ وكيف حافظ على عرشه؟

البداية من القاع

الملحن والموزع الموسيقي هاني شنودة هو من اكتشف عمرو عبد الباسط عبد العزيز دياب، الذي سيُعرف بعمرو دياب لاحقاً. تعرف إليه أثناء مشاركة فرقة المصريين، وهي فرقة أسسها شنودة عام 1977 وذاعت أغانيها بكثافة، في حفل في بورسعيد. وقد جاءه دياب طالباً منه المساعدة ليكون مغنياً. غير أن المشكلة التي واجهت شنودة وقتها، هي أن عمرو يتكلم ويغني باللكنة البورسعيدية، ويقيم في بورسعيد، وهذا ما يصد عليه منافذ الدخول إلى عالم الغناء. فطلب منه أن يجيد اللهجة القاهرية وأن يترك بلدته وينزل إلى العاصمة.

التحق عمرو بالمعهد العالي للموسيقي بتوصية من هاني شنودة، الذي عرفه على شعراء كبار مثل عبد الرحيم منصور وشوقي حجاب. غير أن ظروف عمرو القاسية أجبرته على العمل في أحد فنادق شارع الهرم عام 1982، وهو فندق الفاندوم.

عن تلك الأيام، يقول عادل أسعد الميري في كتابه "شارع الهرم وفرق موسيقى الشباب في السبعينات": "عرفنا أنه من بورسعيد، وأنه لا يملك الإمكانيات الكافية لاستئجار حجرة للنوم فيها، وغالبية أفراد فرقته من القاهرة، وقد يتمكنون من استضافته لديهم. لكنه قد يضطر إلى النوم أحياناً في سيارة ميكروباص، لا تعمل إلا ليلاً في نقل الآلات الموسيقية، ثم تظل واقفة طول النهار أمام فندق الفاندوم، وقد تم رفع بعض مقاعدها لتسمح بنقل الآلات الموسيقية الضخمة، فكان يفرش أرضيتها وينام. هل تذكرون أول أفلامه من اخراج خيري بشارة سنة 1993، فيلم "آيس كريم في جليم"؟ هل تتذكرون أنه كان ينام في جاراج؟ الآن تعرفون أن الحقيقة كانت أكثر قسوة من الخيال. حقاً، بدأ هذا الإنسان حياته من أول السلم، وهو جدير لذلك بكل نجاح حققه لاحقاً".

البساطة والتميز رفعاه إلى القمة

عام 1983 ظهر الألبوم الأول لعمرو دياب تحت عنوان "يا طريق" وكانت الأشعار من تأليف عبد الرحيم منصور وعصام عبد الله وهاني زكي، بينما كانت الألحان لهاني شنودة وعزمي الكيلاني وياسر عبد الحليم.

بعدها توالت ألبوماته، وحرص على تقديم ألبوم جديد كل عام، كما أنه كان دائم الحرص على تقديم موسيقى تعبر عن الكلمات البسيطة التي كانت يختارها لأغنياته. فضّل عمرو التميز عن المحاكاة والتقليد، وظل حرصه على التميز ملازماً له بقية مشواره، الذي امتد لثلاثة عقود قدم خلالها 29 ألبوماً غنائياً من أنجح الألبومات العربية، باستثناء الأغاني التي غناها منفردة ولم يضمها في ألبوماته والتي بلغت 22 أغنية. وقد تمكن من الجلوس على عرش الأغنية الشبابية طوال تلك المدة.

1280x1280

يكشف الشاعر بهاء جاهين عن سر نجاح أغاني الهضبة قائلاً: "خبرة عمرو وذكاؤه في دراسة مشواره الفني جيداً، ووضع خطط عملية له، جعلته يتفوق على الجميع، سواء من أبناء جيله أو من الأجيال الجديدة التي ظهرت على مدار العشرين عاماً الأخيرة، وهناك ثقة متبادلة بينه وبين جمهوره تجعله يقدم لهم ما يرغبونه، وهم يساندونه ويحرصون على البقاء عليه مهما تعاقبت الأجيال".

أقوال جاهزة

شارك غردعمرو دياب، الهضبة، أكثر مغنٍ عربي على الإطلاق تترجم له أغنيات بلغات أخرى

شارك غردكيف استطاع عمرو دياب أن يروض الزمن ويحتفظ بشباب دائم؟


ويضيف بهاء: "أكثر ما يميز عمرو دياب هو استخدامه لأسلوب السهل الممتنع في اختياره لأغنياته، فأصبح لديه شكله الخاص ومدرسته المميزة، بمعنى أنه لم يقدم أغاني صعبة مثل جبّار لعبد الحليم".

الهضبة في الدراما والسينما المصرية

أول مَن قدم عمرو دياب للتلفزيون المصري كان الموسيقار والملحن محمد الشيخ، وغنى حينها أغنية قلوع، من كلمات الشاعر الكبير عبد الرحيم منصور وألحان محمد الشيخ. الأغنية تعبر عما تعرض له أهل القناة من تهجير أثناء العدوان الثلاثي، وهي الأحداث التي عاشها دياب وعانى منها هو وأسرته.

بعدها مباشرة، كان ثاني ظهور له في سهرة تلفزيونية تعليمية، حيث غنّى واحدة من أغرب الأغاني العربية على الأطلاق، وهي أغنية "الأميبا خلية أولى"، التي كتبها شوقي حجاب ولحنها هاني شنودة.

عام 1985 شارك عمرو الفنانة شريهان استعراضات فوازير الأمثال التي ألّفها عبد السلام أمين وأخرجها فهمي عبد الحميد.

وعام 1986 حصل على مساحة أكبر في المسلسل التلفزيوني "ينابيع النهر" المأخوذ من قصة ثروت أباظة، وقد كتب السيناريو والحوار مصطفى بركات، وأخرجه فكري عبد العزيز، ومن بطولة مديحة كامل، شكري سرحان، وهالة صدقي.

ويعتبر مسلسل "آسف.. لا يوجد حل آخر" أول بطولة حقيقية لدياب. المسلسل تم عرضه لأول مرة على شاشة التلفزيون المصري عام 1987 ولاقى نجاحاً كبيراً. وكان من إخراج عادل صدقي، وتأليف حلمي سالم، وبطولة صفاء السبع، صلاح السعدني، وجورج سيدهم.

أما أول ظهور للهضبة على الشاشة الكبيرة، فكان من خلال فيلم السجينتان كضيف شرف عام 1988، وقدم في هذا الفيلم أغنية "حمدالله على السلامة"، وهي من تلحينه وكلمات الشاعر مجدي النجار. والفيلم من اخراج أحمد النحاس، وتأليف رجاء يوسف، وبطولة سماح أنور وإلهام شاهين ويوسف شعبان.

ويُعد فيلم العفاريت أول بطولة مشتركة لعمرو، شاركته فيها الفنانة مديحة كامل والطفلة هديل. عرض الفيلم على شاشة السينما عام 1990، وهو من اخراج حسام الدين مصطفى وتأليف ماجدة خير الله. قدم عمرو في هذا الفيلم أربع أغانٍ، اثنتين من ألبومه ميال الذي طُرح في السنة نفسها وهما "ميال"، و"شوقنا أكتر" وأغنيتين للتعبير عن حالة الفيلم وهما "عودي يا بلية"، و"حرام".

أما البطولة المطلقة فكانت مع فيلم "آيس كريم في جليم"، والفيلم مستوحى من قصة حياة عمرو، كما أشار الميري في كتابه. وشارك عمرو دياب في البطولة الفنانة سيمون وعزت أبو عوف وأشرف عبد الباقي، والفيلم كتبه مدحت العدل واخرجه خيري بشارة، وتضمن ست أغانٍ، ألحقها بألبوم يحمل اسم الفيلم نفسه، وعُرض الفيلم لأول مرة عام 1992.

"ضحك ولعب وجد وحب"، آخر أفلام الهضبة السينمائية. من إنتاج عام 1993، وهو أول فيلم يخرجه طارق التلمساني، وأول فيلم يكتبه مجدي أحمد علي، وشارك في بطولته يسرا وعمر الشريف. لكن الفيلم لم يحقق النجاح المنشود، وقد أرجع بعض النقاد فشل الفيلم لعدم احتوائه على أغانٍ الأمر الذي سبب صدمة لمحبي الهضبة.

الانفتاح على الآخر طريق العالمية

هل كان يعلم الهضبة أن اختياره للغناء في دورة الألعاب الأفريقية عام 1990 ستكون طريقاً للعالمية؟ اختياره لأغنية تُغنى بثلاث لغات العربية، الفرنسية والانجليزية يؤكد على معرفته ذلك. وبسبب تلك الأغنية "بالحب اتجمعنا" تعرف العالم الغربي على دياب، خصوصاً بعد حديث CNN عنه.

لكن ألبوم نور العين يُعد بمثابة الباب الفعلي الذي نفذ منه الهضبة إلى العالمية، وقد حقق هذا الألبوم رواجاً واسعاً. غير أن ترجمته للإنجليزية بعنوان "حبيبي" أحدثت ضجة حول العالم، وأصبحت تلك الأغنية الأكثر شهرة وطلباً في حفلات الرقص. وقد حصل دياب بسبب تلك الأغنية على ثلاث جوائز.

وبعد عامين من إصدار الألبوم عام 1998، حصل عمرو لأول مرة على جائزة الميوزيك أوورد، وهي الجائزة التي حصل عليها في ما بعد ست مرات، ليثبت أنه على العرش بلا منافس يُذكر. أما إعلانه لبيبسي فيعد خطوة أخرى نحو العالمية. وهو أكثر مغنٍ عربي على الإطلاق تترجم له أغنيات بلغات أخرى، ويبلغ عدد أغانيه المترجمة أكثر من 45 أغنية، حتى ذاع صيته في أبعد الدول وأغرب اللغات مثل اليابان والهند.

سر الخلود...

قد يتساءل البعض: كيف استطاع عمرو دياب أن يروض الزمن ويحتفظ بشباب دائم؟ أدرك عمرو منذ البداية أن نجاح المغني مرتبط بجسده وإطلالته ومظهره، خصوصاً أنه قرر أن يكون مغني الشباب الأول. وقد عانى في بداية مشواره الفني من الصحافة، التي كانت تسخر من بدانته، الأمر الذي أكده هاني شنودة في حواره مع منى الشاذلي. وقد دفعه ذلك لممارسة الرياضة التي أصبحت جزءاً أصيلاً من حياته اليومية بالإضافة لكونه غير مُدخن ولا يشرب الخمور.

أما عن إطلالته، فعمرو استطاع في العقود الثلاثة الماضية أن يكون أيقونة الموضة في مصر كل عام، فلا أحد ينسى "بلوفر" عمرو الذي عم شوارع مصر في التسعينيات، ولا "السكسوكة" التي أصبحت سمة الشباب عام 2000، حتى قيل بين المصريين إن عمرو إذا ظهر ببدلة وشبشب سوف يقلده الشباب ففعلها في كليب الليلة عام 2013.

قرر عمرو في لحظة ما أن يتبع طموحه بكل إصرار ليصل إلى قمة المجد، وسخر كامل إمكانياته لتحقيق هذا الغرض، وفرض على نفسه نظاماً صارماً قادراً على أن يهزم الظروف ويروض الزمن.

كلمات مفتاحية
فن مصر

التعليقات

المقال التالي