قراءة الفاتحة على الموتى: آخر حلقات الصراع بين السلفيين والأزهريين

قراءة الفاتحة على الموتى: آخر حلقات الصراع بين السلفيين والأزهريين

صراع لن تجد له حلاً، مهما بحثت عن دوافعه في أعتى كتب الفلسفة الوجودية. ذلك القائم بين الأشاعرة والحنابلة، وأسلافهما "الأزهريين والسلفيين"، في مصر. فكلما هدأت معركة وتوارى لهيبها، استعرت الأخرى أكثر حمية وأشد بأساً وتعقيداً.

آخر حلقات الصراع بينهما على قيادة دفة الفتوى في مصر، حكم قراءة الفاتحة على أرواح الموتى في عزائهم، وقد اعتبرها عالم الحديث السلفي، أبو اسحاق الحويني "بدعة" لا تقل عن ابتداع العزاء نفسه. وهذا ما أثار غضب مشايخ الأزهر، وعلى رأسهم الشيخ أحمد كريمة، أستاذ الفقه المقارن والشريعة الإسلامية، في جامعة الأزهر، لتندلع حرب بين الطرفين لم تخمد للآن.

الحويني: قراءة الفاتحة في العزاء بدعة

لم يكتف الشيخ كريمة بنقد وتفنيد ما قاله الحويني، بل شن هجوماً عنيفاً على السلفية الوهابية، التي ينتمي إليها المُحدث الكبير، متهماً إياه بانتحال صفة داعية. وسخر من اعتبار أتباع الحويني أنه أعلم أهل الأرض في الحديث، وهو الرجل الذي لم يقرأ مسند الإمام أحمد، وفيه ذُكر أن أحمد ابن حنبل، مرّ يوماً على أحد القبور، ووجد رجلاً يقرأ القرآن الكريم، فقال له إنها بدعة، وتركه وانصرف. وأضاف: "قال له يحيى بن معين، أحد علماء الحديث في ذلك العصر، والذي كان يصاحب ابن حنبل في جولته، إنه سمع أن عمرو بن العاص، آمر بقراءة سورة الفاتحة عند رأسه أمام قبره، حال وفاته ليرد عليه ابن حنبل سريعاً، ويطالبه بالعودة إلى الرجل ويأمره أن يستمر في قراءته للقرآن".

واستدل كريمة بتأكيد العلماء أن قراءة القرآن للموتى تدخل في عموم قول الله بسورة يس، "نَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ"، موضحاً أن عمرو بن العاص من الصحابة الذين استدلوا بآثارهم على الأحكام الشرعية. واعتبر أن الحويني يفتي خطأ في دين الله، وينسب كذباً إلى الشريعة ما ليس بها، مشدداً على أن قراءة الفاتحة جائزة بإجماع الفقهاء إلا من أسماهم "المتطفلين على موائد العلم من المتسلفة الوهابية".

بدوره، لم يدع الشيخ إبي إسحاق الأمر يمر من دون سلخ كريمة، وتقزيم حجمه في الحديث حسب ما يرى. ورد عليه بهجوم مباغت معتبراً أنه، طوال تخصصه في الحديث مدة 40 عاماً، لم يقرأ لكريمة أكثر من ثلاث مرات، مؤكداً أنه يقبع تحت خط الفقر في هذا العلم.

ونفى الحويني أن يكون الحديث الذي ذكره كريمة، موجود في مسند الإمام أحمد، مرجعاً ذلك لأنه "رجل عامي في الحديث"، أي لا يتحدث وفق أسلوب علمي.

أقوال جاهزة

شارك غردصراع لن تجد له حلاً، مهما بحثت عن دوافعه، ذلك القائم بين الأشاعرة والحنابلة، وأسلافهما الأزهريين والسلفيين في مصر

شارك غردمعركة بين الحويني (داعية سلفي) وأحمد كريمة (داعية أزهري) حول جواز قراءة الفاتحة على الموتى… هكذا يلهو بنا رجال الدين

وقال الحويني إن علم الحديث قائم على تصحيح المرويات، وهذا عمله، وما ذكره كريمة إسناده مجهول، مؤكداً أن من يقبل بهذا الإسناد هو "رجل جاهل بالمرويات"، في إشارة إلى كريمة الذي قال عنه إنه يتبجح بدراسته للشريعة، مطالباً إياه بالبقاء في ما يحسن، إن كان يحسن شيئاً. ولفت إلى أن وجود أستاذ جامعة الأزهر الدائم على جميع الفضائيات "ملء فراغ" لمن يريد أن يتكلم في أي شيء.

امتدت الحرب لتشمل أقطاباً أخرين، فشن الداعية السلفي سامح عبد الحميد هجوماً شرساً هو الآخر على رأي الأزهر، مؤكداً أن الشرع حدد ما ينفع الإنسان بعد موته، بالولد الصالح الذي يدعو له، وبالعلم الذي ينتفع به، والصدقة الجارية.

وتساءل عبد الحميد: هل ورد في الشرع أن الرسول جلس مع أصحابه، وطلب منهم قراءة الفاتحة للميت؟ مؤكداً أنها بدعة، ولم يذكر أن الرسول طلب من صحابته قراءة الفاتحة على روح أحد.

ومن عبد الحميد، إلى القطب السلفي الكبير، الشيخ مصطفى العدوي، الذي اكتفى بمشاركة هامشية في هذه الحرب المستعرة بين الحويني وكريمة، نافياً صحة حديث كريمة ومؤيداً الحويني.

أما الدكتور محمد الشحات الجندي، الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وعضو مجموع البحوث، لم يرد أن يدخل على خط المواجهة التي لا يراها مفيدة بين السلفيين والأزهريين في ظل التباعد بين مرجعية الطرفين. وقال لرصيف22 إن التشدد غير مفيد، ولا جدوى منه، مؤكداً أنه ما دام تحريمه لم يرد في القرآن، فلا يجوز لأحد شغل هذه الوظيفة على الإطلاق.

ودخل الإعلام المصري على خط المواجهة، بعدما أولت الكثير من القنوات والمواقع الإلكترونية الإسلامية اهتماماً بالأمر. وتدخلت لحسم الصراع لمصلحة الحويني، وهاجم الإعلامي يوسف الحسيني الشيخ أبو إسحاق، نافياً حمله أي شهادات على الإطلاق تفيد بتخصصه في علم الحديث.

وسخر الحسيني من اتهام الحويني لكريمة في الفقر في علم الحديث، وهو أستاذ الفقه المقارن في جامعة الأزهر، والذي تتلمذ على يديه العشرات، ممن هم أكثر علماً من الحويني، حسب قول الإعلامي الشاب، معتبراً أنه أمر مضحك في ظل عدم قدرة  القطب السلفي وصاحب الشعبية الهائلة، على إثبات مصدر إجازته العملية، من جامعة معترف بها دينياً، قبل أن يدخل في مناظرة مع علماء الأزهر.

التعليقات

المقال التالي