معامل السرطان في لبنان تأكل الأخضر واليابس

معامل السرطان في لبنان تأكل الأخضر واليابس

على مقربة من الشمس، وبين الجبال والبحر، يتوسط هذا المشهد السريالي أكثر من 37 بلدة موزّعة بين الساحل والجبل، وتتبع لمنطقة إقليم الخروب في محافظة جبل لبنان. مشهد يكاد يكون مثالياً، لولا اختراق ما يخرّبه، ويضيع جماله بأعمدة دخانية هائجة تقتحم المكان من دون ترحيب.

حال المنطقة شبيهٌ بحال مناطق عربية أخرى كمدينة أسفي في المغرب، أو وادي القمر في الإسكندرية مصر، أو شكا في لبنان أيضاً. الكثير من الغازات السّامة والهواء المتخم بالغبار، يتنفسه أهالي سكان الإقليم، فيرمي في أجسادهم كل ما بإمكانه أن يخلف مرضاً، بدءاً بالحساسية والربو، وصولاً إلى سرطان فتاك. كل هذا على مرأى ومسمع قيادات المنطقة والدولة اللبنانية، هكذا ببساطة تستطيع المعامل العملاقة المنتشرة في المنطقة إنهاء حياة إنسان، لمجرد أنه اختار أو تربى في هذه البقعة من الأرض.

سمير لم يكن الضحية الأولى ولن يكون الأخيرة

في السنة الماضية، عندما خرج أهالي الجية والجوار للاعتصام بسبب مطمر النفايات المزمع فتحه في المنطقة. توّسل سمير زوجته: "ما تقوليلن عم موت، ما تقوليلن موجوع"، في إشارة إلى رفاقه، كي لا يمنعوه من الخروج والمشاركة في الاعتصام رغم إصابته بسرطان الكبد والقولون. وفي اليوم عينه، تم نقل سمير إلى مستشفى أوتيل ديو، ومكث فيه شهراً ونصف، ثم عاد جثة، ليُدفن في مرقده الأخير متمماً بموته، السابعة والأربعين من عمره. تحول سمير إلى ذكرى تتجدد كلما نظرت زوجته سليمة إلى ابنتيه الصغيرتين.

تقول سليمة لرصيف22 إن زوجها، وهو عضو بلدي سابق، لم يكن يعاني من أي مرض قبل انتقالهم للإقامة في منزلهما الكائن مقابل معمل سبلين للترابة. كان رياضياً، يمارس الرياضة بشكل متواصل. ويتبع نظاماً غذائياً صحياً. كان يحرص على تناول الطعام المعقّم ويبتعد عن الأطعمة الجاهزة والمعلّبة وحتى اللحوم. تضيف: "وبعد انتقالنا، بدأ يعاني من عوارض صحية مفاجئة. ذهبنا للطبيب فكان التشخيص أنه مصاب بالسرطان. كان وقع الخبر علينا صادماً لأنه آخر ما كنا نتوقعه، خصوصاً مع سمير".

"رحل سمير بسبب معمل السم ذاك في ومضة"، تقول، لتوضح: "كنا مضطرين للسكن مقابل المعمل، ولكن هؤلاء (في إشارة إلى أصحاب المعمل)، ليسوا مضطرين لتشغيل 300 موظف وقتل آلاف المواطنين بسموم المعمل". تذكر سليمة ابنة جارتها في المنطقة نفسها، التي كانت تبلغ من العمر 16 سنة، وتوفيت أيضاً بسبب إصابتها بالسرطان، حين كانت في الثالثة عشرة من عمرها.

رحل زوج سليمة، واضطرت إلى العمل الآن براتب 700 ألف ليرة من دون أي تأمين ولا ضمان ولا حتى مدارس للأطفال.

نكبة بيئية متواصلة

منذ عقود خلت، اجتاحت المعامل والكسارات بكل أنواع عملها منطقة إقليم الخروب. معمل الترابة في سبلين، معمل تكرير مياه الصرف الصحي، الكسارات التي تعود إلى أفراد لا يمكن المسّ بهم لمجرد أنهم يتمتعون بغطاء سياسي وحزبي. معمل الجية الحراري لإنتاج الكهرباء، مطمر الناعمة، وغيرها من المعامل والمقالع. إضافةً إلى الباخرة التركية لتوليد الكهرباء، وأزمة النفايات الأخيرة التي حلّت على لبنان. ولكم أن تتخايلوا حجم الضرر الذي يفتك بالمنطقة التي يصفها الأهالي بالمنكوبة بيئياً. فلا المياه نظيفة، والهواء ملوث، ونفايات المعمل تذهب إلى التربة والمياه الجوفية.

يقول رئيس هيئة طوارئ التنيمة والبيئة في إقليم الخروب حسيب الخطيب لرصيف22: "منذ الثمانينات استشعرنا خطر معمل سبلين بالإضافة إلى أحد المقالع التي حفرت في جبال المنطقة لاستخراج الحجارة إلى مطار بيروت. وكان يعتمد على الديناميت لاقتلاع الصخور. الأمر الذي أثّر سلباً على كل المنطقة بشكل عام. كما وصل إلى المنطقة مكب النورمندي، (الذي أقيم مكانه مشروع الزيتونة باي)، نحو 150 ألف طن من النفايات رُميت في بلدة سبلين. وبحسب مختبرات الجامعة الأميركية، كانت تحوي هذه النفايات الزنك والرصاص وغيرهما من المواد الضارة. وعند استقدام هذا المكب، تم تصويره للأهالي ترابة نظيفة سوف تؤكل. ولكن هذه المنطقة حتى اليوم لم يظهر فيها أي عرق حشيش أخضر".

اعتصامات عمرها من عمر الأوبئة

وعود بالجملة أطلقت منذ أن بدأ شباب المنطقة بالتحرك، وتحديداً أهالي برجا. إذ يُحسب لهم تفردهم من بين المناطق الثانية، التحرك على الأرض، والمطالبة بإغلاق المعامل المضرة بالبيئة والمواطنين أو بتحسين شروط العمل. ومنذ ذاك الحين، لم يتغيّر شيء. نجح أهالي مطمر الناعمة في إغلاقه، بعد أن شبعوا ملوثات وأمراضاً. وفرضوا على الحكومة اللبنانية إيجاد بديل عن المطمر الذي كان يستقبل النفايات من بيروت، وكان سبباً في انتشار الأمراض.

أقوال جاهزة

شارك غردالحساسية والربو، وصولاً إلى السرطان، نصيب سكان جبل لبنان من المعامل التي تحيط بمناطقهم

شارك غردهكذا ببساطة تستطيع المعامل العملاقة المنتشرة في بعض المناطق اللبناينة إنهاء حياة إنسان...


أما في الجية، فالاعتصامات لا تتوقف. صار عمرها أكثر من 10 سنوات. بدأ شباب برجا كمجموعة واحدة ثم توسعت التحركات لتتضمن أكثر من مجموعة تنظم وتدعو إلى إقفال معمل الكهرباء أو تحسين آليات العمل فيه. والدولة اللبنانية إلى اليوم لم تستمع لصرخات الأهالي والكتابات المنتشرة على الجدران، المنددة بطريقة عمل المعمل، خصوصاً أن الكهرباء لا تأتي في منطقتهم، وهم الذين أرغموا على وجود شركة الكهرباء على أراضيهم.

وفي هذا الإطار، يشير الخطيب إلى أن "وجود معمل الكهرباء وكمية الضرر الذي ينتجه اليوم صار أكبر. لأن المعمل قديم وآلاته غير مستحدثة، ما يسبب ظهور دخان أكثر في المنطقة". ويشرح أن هذا المعمل تمت قراءة الفاتحة عليه إيذاناً بوفاته منذ زمن. إذ يُفترض به توفير 150 ميغابايت ولكنه يعجز عن توفير 90 ميغابايت كحد أقصى".

وبالعودة إلى بقية المعامل والكسارات، وتحديداً معمل سبلين الذي تم استشعار الخطر الناتج عنه منذ عقود، هو المسبب لتزايد أمراض الحساسية والربو بحسب الإحصاءات الميدانية وغير الرسمية، لاستحالة قبول الجهات الرسمية بنشر إحصاءات موثّقة. أما نسبة الوفيات جراء أمراض السرطان المتفشية في المنطقة، فتخطت نسبة الـ60% بحسب الخطيب. حتى في المستشفيات التي ترفض التصريح عن أعداد المصابين بالأمراض الجرثومية والسرطانية، لأنها ترضخ لإيعازات سياسية وحزبية، فقد علمنا عن وجود 30 حالة جديدة تعاني من الأورام الخبيثة ويتم التستر عليها. وحتى الطبيب لا يجرؤ على الكشف عن أعداد المصابين لأنهم يساقون إلى التحقيق.

يشرح الدكتور المتخصص بالأمراض النسائية معن حداد  لرصيف22: "صحيح أن كل الجهات محاصرة بالأمراض، إلا أن الاكثر إيذاءاً هو معمل سبلين. لأن الدخان المتصاعد منه يؤثر على الرئة. وهو ما يسبب الأمراض السرطانية وأبرزها سرطان الرئة بالدرجة الأولى". وبحسب ما شرح، عند استنشاق المواطن للدخان السام، يدخل إلى رئتيه لتنظيفه، ثم يوزّع الهواء على أعضاء الجسم، ما يساعد على انتشار السموم. أما الأمراض السرطانية الأخرى فتأتي في المرتبة الثانية، لكن حتى اليوم لا وجود لإحصاءات رسمية تؤكد ذلك. "إضافةً إلى أن وزارة الصحة لا تقترب من هذه المنطقة لأنها تابعة لجهات سياسية معينة"، يضيف حداد.

هل فُرجت الحال يتركيب المصفاة؟

بعد سلسلة من التحركات والمطالبات من الأهالي، تم الإعلان عن تركيب فيلتر جديد "لمعمل سبلين للترابة" والاحتفال به وسط شخصيات سياسية وحزبية من الطراز الرفيع. تأمّل المواطنون خيراً من هذه الخطوة المتأخرة، فأن تأتي متأخراً خيرٌ من ألا تأتي أبداً!

يملك ربيع محلاً لبيع الخضار والفاكهة في سبلين، يقول إن بعد تركيب الفيلتر، انخفض مستوى الغبار بدرجة كبيرة. ويضيف: "في السابق عندما كنا نركن سياراتنا هنا، كنا نُضطر إلى استعمال حامض الليمون لتنظيف السيارات، بعدما عجز الماء والصابون عن تنظيفها. بينما يصر أحد الزبائن الوافدين على أن الفيلتر لم يأت بنتيجة".

وتحدّث المهندس أحمد دمج لرصيف22: "عند تركيب الفيلتر لمعمل سبلين، لم يتم الإعلان عن مواصفات هذا الفيلتر، على الرغم من أن الغبار قد تراجع ظهوره. إلا أن الدخان والغازات ما زالت تملأ السماء وهذا ما يدل على عدم سير المصفاة بالشكل المطلوب". كما أن الإقليم لا يرتاح ولو لدقيقة واحدة من آثار هذا المعمل لأنه يستمر في العمل على مدى 24 ساعة يومياً. لأن اصحاب المعمل حصلوا على خط مباشر يمدهم بالكهرباء بكمية 12 ميغابايت، وهي كمية كافية لإضاءة 4 مناطق آهلة بالسكان.

ويضيف دمج: "حتى اليوم، لم تأت وزارة الصحة أو البيئة لفحص طريقة العمل ونسبة حد المصفاة من إطلاق الغازات السامة. فأنا لدي ولدان يعانيان من حساسية ووالدي توفي عن عمر 64 عاماً بسبب مرض السرطان. وينقل الأطباء أن من بين كل 8 أطفال هناك 7 يعانون من الحساسية والربو في المنطقة".

تُعد مناطق الجية وسبلين وجدرا وغيرها في منطقة الإقليم من المناطق السياحية المهمة، إذ تنتشر على الطريق البحري المنتجعات السياحية والفنادق. لكن تلك المنطقة لم يُشر إليها في فحوص المركز الوطني لعلوم البحار التابع للمجلس الوطني للبحوث العلمية بين عامي 2015 و2016. وذلك على الرغم من الكشف عن التلوّث الكيميائي الناتج عن نشاط المعامل الصناعية ومكبات النفايات وخزانات الفيول.

رولا فرحات

صحافية وإعلامية لبنانية.

التعليقات

المقال التالي