في شوارع مصر: كافح التحرّش ببيضة!

في شوارع مصر: كافح التحرّش ببيضة!

خلال أيام عيد الأضحى، انتشر على فيسبوك فيديو لشابين مصريين يستوقفان الشباب والمراهقين في منطقة وسط البلد (القاهرة)، للسؤال عن عدد اللواتي تحرّشوا بهنّ. وحين يبدأ الشاب بالحديث عن عدد من تحرّش بهنّ من دون خجل أو تردّد، يباغته فريق التصوير ببيضة نيئة على رأسه. يتكرر ذلك مرات، وفي كل مرة كان الشاب المتحرّش يقف مذهولاً، مغطىً بصفار البيض وبياضه، لا يفهم سبب ذلك التحول المفاجئ من معتدٍ يفاخر بذكوريته، إلى ضحية للقصف بالبيض.

نُشر الفيديو على صفحة "المحتوى الغني" على فيسبوك ويوتيوب، وهي صفحة تنشر بشكل غير دوري فيديوهات من إعداد وتصوير مجموعة شباب، أشهرهم شادي أبو زيد الذي سبق له العمل مراسلاً في برنامج أبلة فاهيتا على قناة "سي بي سي".

حظي أبو زيد بشهرة واسعة مطلع هذا العام، حين صوّر مع الممثل الشاب أحمد مالك فيديو أثار جدلاً واسعاً، إذ وزّعا بالونات مصنوعة من الواقيات الذكرية على ضباط وجنود شرطة، كانوا يحرسون ميدان التحرير ليلة عيد رأس السنة. اشتهر الشريط وقتها باسم "موقعة الكوندوم"، وأثار ضجة هائلة في مصر، وتناولته كل برامج التوك شو والصحف المصرية، إذ اعتبره البعض إهانةً مباشرة للدولة المصريّة وجهازها الأمني. لكنّ الشريط شكّل في نظر آخرين انتقاماً ساخراً لشباب ثوريّ، من ممارسات القمع المتصاعدة في مصر. علماً أن الفيديو تسبب على ما يبدو، "باختفاء" شادي أبو زيد من الموسم الثاني لبرنامج "أبلة فاهيتا لايف من الدوبلكس"، بالرغم من تحقيق فقرته نجاحاً كبيراً.

انتقام مباشر وقوي

أثار فيديو "المحتوى الغني" الجديد جدلاً واسعاً على فيسبوك وتويتر، بعد نشره بدقائق، إذ قام عدد كبير من مستخدمي فيسبوك بمشاركته بعبارات تشجيع وابتهاج، لما تضمنه من انتقام مباشر وقوي من المتحرشين في شوارع القاهرة، تحديداً في مواسم العيد.

أقوال جاهزة

شارك غردما هي برأيكم العقوبة المثالية للمتحرّشين في شوارع القاهرة؟ فريق "المحتوى الغني" وجد الحلّ... بالبيض!

شارك غردصوّر التجربة الكوميدي المصري شادي أبو زيد ويقول "لسنا هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"

لكن بعد نشر الشريط بمدّة قليلة، تصاعدت تعليقات أخرى في الاتجاه المعاكس رافضةً للفيديو، معتبرةً أنّ منفذيه يتسبّبون بأذىً بدنيّ مباشر لمراهقين لم يتم الإمساك بهم متلبسين بالتحرش فعلياً، بل بمجرد الاعتراف اللفظي، وهو غير كافٍ لإنزال عقاب علني بهم، والتشهير بهم في الشارع، وعلى الإنترنت.

ورأى الرافضون للشريط أنّ صناعه ليسوا الجهة المنوطة بالعقاب من الأساس، ولا يعطيهم الغضب الشعبي من انتشار التحرش الرخصة الكافية لتوقيع عقوبات فورية في الشوارع. ورأى البعض أن خطوتهم قد تفتح باباً لآخرين من خلفيات أخرى لمعاقبة من يرونه مخطئاً في الشوارع، تحت بند التبرّج مثلاً أو الخروج عن الآداب العامة.

مقاومة لا تطبيق عقوبات

يقول شادي أبو زيد لرصيف 22: "من يظهرون في الفيديو من شباب ومراهقين، لم يحدثونا من باب المزاح أو التباهي، كنا نسألهم بجدية كاملة، وكانوا يجيبون بجدية أيضاً عما رأيناهم يفعلونه أمامنا، ولم نتمكن من تصويره. لم نكن نختار المارة عشوائياً، بل كنا نقترب من متحرشين ونسألهم رأيهم في أخلاق البنات وملابسهن، وعندما يتحمس المجيب كان يستدرج إلى الخطوة التالية، وهي التي اكتفينا بإظهارها في الفيديو".

أما عن مسألة أنهم ليسوا الجهة المخوّلة معاقبة المتجاوزين في الشارع فيقول: "نحن حالياً نعيش في شبه دولة، السلطة غير مهتمة بتطبيق القانون ولا تفعيله، هذا واقع يعرفه الجميع، المتحرّش وضحية التحرش والمتفرج. الجميع يفهمون السياق الذي نقوم فيه بتصوير مثل هذا الفيديو، والذي لم يكن ليتم تصويره بهذه الطريقة لو كان هناك قانون يطبق بالفعل على المتحرشين".

يرى شادي أبو زيد أن الفيديو لا يتحرك من منطق السلطة إطلاقاً ليتهم بأنّه يفتح الباب أمام آخرين لتنفيذ عقوبات فورية في الشارع، ضدّ من يرونهم مخالفين لقناعاتهم. على العكس، يرى أنّ العمل يأتي من موقع المقاومة، ورد الفعل على غياب سلطة القانون. "نحن لسنا مثلاً هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، على العكس. نحاول في هذا الفيديو بطريقتنا أن نحافظ على حريتنا من الانتهاك، من خلال التشهير بمنتهكيها".

شادي أبو زيد شادي أبو زيد

المحتوى الغني: ضد السائد

صفحة "المحتوى الغني" على فيسبوك ويوتيوب متخصصة بالمحتوى الكوميدي المتنوع، ما بين مقابلات عشوائية مع المارة، والاستكشات التمثيلية. كذلك تتنوع مواضيعها بين السياسي والاجتماعي والعبثي أحياناً.

يقول شادي أبو زيد إن الهدف الرئيسي من الصفحة هو تقديم محتوى غير مألوف، غير سائد، صادم، وغير متوقع وأنه يفضل ألا يتقيد بأي إطار سياسي أو شكلي حتى.

سبق لأبو زيد العمل في وسائل الإعلام التقليدية، ويرى أن الكوميديا على الإنترنت تختلف تماماً عما يقدمه على التلفزيون، من حيث سقف الحرية المتاحة، ونوع المواضيع، ونوع الكوميديا نفسها. ويرى أنّه يمتلك على الإنترنت، وفي فيديوهات "المحتوى الغني"، كل المقوّمات التي تصنع من الفيديو شيئاً مؤثراً غير معتاد، وغير مهادن، ولا يلعب في منطقة البين بين.

أما عن الاسم الذي يبدو ثقيلاً وذا هيبة بالنسبة لصفحة ذات محتوى كوميدي وعبثي أحياناً، فيرى شادي أن اختيار الاسم جاء بناءً على الرغبة في إنجاز "محتوى" ثري، يتناول كلّ شيء.

ولا يرى بالضرورة أنّ هناك هدفاً ما أو وجهة محدّدة لمشروع "المحتوى الغني"، هو موجود الآن لينفذ عبره الفريق كل ما يخطر لهم من أفكار بشكل حرّ، وبدون تفكير كثير في مسألة استثمار نجاح الفيديوهات لهدف معيّن.

محمود عزّت

شاعر وكاتب مصري

كلمات مفتاحية
مصر

التعليقات

المقال التالي